الحالة النفسية للطفل في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد كوفيد 19

إن ما يشهده العالم من حركة غير مسبوقة كأنها حرب عالمية ثالثة، حرب بيولوجيا بين إنسان يرى وشيء لا يرى "كوفيد-19Covid-" حيث لا يمكن التحكم فيه أو كبح جماح اجتياحه للأمم، وهو الذي قالت عليه المنظمة العالمية للصحة التابعة للأمم المتحدة جائحة وبالفعل إنها فاجعة فوجئ بها العالم دون سابق إنذار، وأصبحت البشرية بصغارها وكبارها تخشى هاته الفاجعة لكن بعدما أنهكت أرواح عدة، فأصبح الناس خصوصا الصغار منهم يربطون كل اعتقاداتهم بهذه الفاجعة بأن الموت قادم كما يقال الموت القادم من الشرق وبالفعل قادم من أقصى الشرق أي من آسيا وبالضبط من الصين من مدينة ووهان رمز العلم وبقعة العلماء، هنا بدأ الاستغراب والتعجب، كيف لدولة عظمى أن يأخذ فيروس صغير يبلغ طوله فقط بضع نانومترات أرواح مواطنيها، الاستغراب ليس فقط من طرف الراشدين بل حتى الأطفال كذلك.

وباعتبار شرق القارة الأسيوية عامة والصين خاصة بؤرة كبرى للصناعة والتكنولوجيا جعل الأطفال يرتبطون عاطفيا بهذه الدول مما ولد لديهم اعتقادات نفسية عديدة أهمها عدم الحصول على ألعاب ذكية جديدة كما هو المعتاد في السابق، فقد كان همهم الوحيد هو كيفية إشباع رغبة اللعب لديهم عن طريق مختلف الألعاب الجديدة التي يرونها في مختلف المتاجر والأسواق.

وبعد مرور فترة وجيزة بدأ "كوفيد-19Covid-" يقتحم كل دول العالم، الشيء الذي جعل اعتقادات الطفل النفسية تتغير فأصبح الطفل بين معادلتين أساسيتين الموت أو الحياة انطلاقا من الأخبار المنتشرة طوال الوقت وفي هذا الصدد يمكن الحديث عن مراحل عمرية مختلفة للأطفال ونظرة كل فئة عمرية لفيروس كورونا المستجد حيث يمكن تقسيم هاته المراحل إلى ثلاث مراحل أساسية.

  • مرحلة الطفولة الأولى الأقل من سنتين ؛
  • مرحلة الطفولة الثانية من ثلاث سنوات إلى ثمان سنوات ؛
  • مرحلة الطفولة الثالثة ست سنوات إلى اثنا عشر سنة.

المرحلة الأولى :

سميناها بمرحلة الطفولة الأولى حيث يعتمد الأطفال في هذه المرحلة على الذاكرة سواء البعيدة المدى أو القريبة المدى، فكل الأحداث تسجل لديهم ويعبرون عن ما يجري داخل محيطهم الاجتماعي بالصراخ وتغير في سلوكاتهم، فلم يعد الهدوء شعارهم ؛ بل يتأثرون بما يجري ويقع داخل بيوتهم فاستجاباتهم لهذه المثيرات الخارجية تكون عبارة عن صراخات متعدة، سببها القلل الظاهر على الوالدين نتيجة عدم تواجد توازن نفسي لديهما، ويؤثر هذا بشكل واضح على الأبناء فسماع الطفل للأخبار المحزنة عن المرض المعدي وارتفاع الإصابات والوفيات، بسبب هذا الوباء طوال الوقت داخل محيطه يجعل جسمه يفرز استجابات عنيفة، ربما لن تظهر للأم أو الأب في بداية الأمر لكنها تتفاقم مع مرور الزمن، فالصراخ المتكرر وعدم الرغبة في النوم أو الأكل وتغير في البراز، كلها عوامل تدل على وقوع اضطراب في الحياة العادية للطفل قبل تفشي هذا الوباء.

المرحلة الثانية :

والتي سميناها بمرحلة الطفولة الثانية، ففي هذه المرحلة يعي الطفل ما يجري حوله ويعبر عن هذه المثيرات الخارجية باستجابات لغوية سواء بكلمات مفهومة وواضحة أو غير مفهومة، ويبدأ في إبداء أراء حول هذا الوباء، ويعتقد أن الأب رمز الأمان بالنسبة له سيضمن له الحماية والأمان وسينجيه من فكرة الموت، وتظهر كل سلوكاته وانفعالاته كأنه شجاع سيقاوم هذا الوباء ويبدأ في تقمص شخصيات كرتونية قوية تستطيع القضاء على كل مشكل عويص، باستخدامه للألعاب المستوردة من مركز الوباء. لكن بسبب الحديث المستمر عن هذا الوباء في كل ثانية داخل البيت، يصبح الطفل يسيطر عليه الخوف والفزع وتظهر رغبته في النوم قرب والديه ويزداد ارتباطه بهم.

المرحلة الثالثة :

والتي سميناها بمرحلة الطفولة الثالثة، ففي هذه المرحلة يلاحظ الطفل الفرق الشاسع بين ما يقع داخل محيطه أو بيته قبل وبعد دخول الوباء إلى المملكة المغربية، فيلاحظ سلوكات أبويه التي يملأها قلة الاهتمام بهذا الفيروس فقط يراقبان الأخبار عبر القنوات التلفزية الوطنية والدولية، دون الحديث عن أخذ الحيطة والحذر من هذا الفيروس، بل أكثر من ذلك دون التفكير في أن يوما ما سيقتحم هذا الأخير كل الشعوب، ففي اعتقادات الآباء على أن الصين مركز الوباء دولة علمية بامتياز ودولة العلماء ستحارب هذا الفيروس، وأثرت هذه الاعتقادات على تفكير واعتقادات الأطفال كذلك، فبدأ الطفل يبني نظريات مختلفة حول إمكانية الصين من إيجاد بطل كرتوني أو بطل على شكل لعبة ذكية ستقضي عل فيروس كورونا. لكن بعد هذا الأمل سيظهر أن فروع هذا الفيروس تقتحم كل الشعوب، ليتغير عدم الاهتمام في البداية إلى اهتمام زائد، بل إلى وسوسة مفرطة من هذا الفيروس، فتظهر لدى الأطفال ما يمكن أن نسميه بقلق الموت بسبب كوفيد، وبصفة عامة ما يشاهده الطفل في ظل هذه العوامل التي أدى كوفيد المستجد إلى تشكيلها، يتشكل لدى الطفل اهتزاز للثقة بالنفس وبالآخرين، فشعور الطفل بالخطر الذي يهدد حياته والخوف والقلق المتزايد الذي يؤثر في سلوكه ومزاجه يؤدي الى تكون العديد من ردود الأفعال الحادة على الجوانب النفسية والاجتناعية والفيزيولوجية للطفل، أي كل ما هو سيكوسوسيوفيزيولوجي للطفل، الذي يكون بدوره نتيجة سلبية تتمثل في صدمة وأزمة نفسية للطفل حيث يصبح ضحية الخوف الشديد وضحية الاضطرابات الانفعالية التي تظهر بشكل جلي في تصرفاته وسلوكاته.

فالطفل الذي يعيش في هذه الأجواء، يتغير مزاجه بشكل عام ويشعر بفقدان الشهية أو في بعض الأحيان الإفراط السلبي في الأكل، ويتكون لديه الشعور بعدم الاستقرار سواء النفسي أو الاجتماعي أو الوجداني أو الانفعالي أو المعرفي أيضا أو هذا كله، ويصاحب كل هذه المظاهر اضطرابات في النوم والتفكير وتشتت الذهن وضعف الذاكرة وظهور الخوف والكآبة والحزن والفزع، كل هاته الاضطرابات تعبر على أن الطفل يقدم رسالة للعالم الخارجي تؤكد قلقه وخوفه من الخطر الذي يحيط به وبمحيطه، يعبر عنها بلغة ليست لغة الكبار بل لغة الحركة ولغة اللاأمان ولغة اللاإستقرار.

وكنتيجة لكل هذه التأثيرات التي تنعكس على شخصية الطفل سيتم إفراز جملة من الاضطرابات النفسية وسنذكر في هذا المقال الأساسية منها.

الاضطرابات النفسية التي قد يصاب بها الطفل:

  • القلق النفسي.

القلق النفسي هو حالة من التوثر المصحوب بالخوف وتوقع الخطر، حيث تظهر أعراضه في ما يلي؛ زيادة الحركة المستمرة عند الطفل، عدم القدرة في الجلوس في مكان واحد، استثارة الأعصاب والغضب، حساسية شديدة وسرعة البكاء، عدم النوم أو الاستغراق فيه وظهور الأحلام والكوابيس.

إن القلق ينعكس على شخصيات الأطفال من خلال ظهور مجموعة من السلوكات التي يمكن تلخيصها فيما يلي :

  1. التمرد : حيث يتمرد الطفل على تعليمات الراشدين وقوانينهم، مع ظهور إصراره الكبير في تنفيذ ما يريد، فمثلا في ظل هذه الأجواء التي تعيشها جل البلدان العالمية، تظهر رغبة شديدة لدى الطفل في الخروج واللعب في خارج بيته رغم ما يحيط به من خطر.
  2. فرط الحركة وعدم التركيز : هناك علاقة انعكاسية بين آثار التمرد وآثار فرط الحركة وعدم التركيز، فكلما رفض الآباء خروج الأطفال إلى الشارع، كلما زادت حركة الطفل داخل البيت، ويبدأ بالانتقال من مكان إلى آخر دون الاستقرار في مكان واحد، ويظهر عدم وقلة تركيزه في كل الأمور التي يقوم بها.
  3. قضم الأظافر : إن عدم شعور الطفل بالاستقرار داخل البيت، ورفضه كل تعليمات الأبوين، يؤدي به إلى الانتقام من جسده، حيث يظهر هذا الآخير في البداية على شكل قضم الأظافر.
  4. العدوان : تؤدي الإحباطات المستمرة التي يتعرض لها الطفل، إلى توليد عنف داخلي يعكسه في سلوكات عدوانية تجاه نفسه أو الآخرين أو تجاه الأشياء الخارجية.
  • اضطرابات النوم لدى الأطفال.

  1. اضطرابات النوم لدى الأطفال : إن شعور الطفل باللاأمان واللااستقرار، يؤدي إلى تعرضه إلى مجموعة من الاضطرابات في النوم، نستعرض أهمها في جملة من الأعراض وهي :
  2. تكرار الاستيقاظ في النوم بسبب الأحلام المفزعة. 
  3. خوف شديد واستثارة تلقائية مثل سرعة ضربات القلب والتنفس السريع وتصبب العرق.
  4. عدم اتزان علاقة الطفل بالآخرين 
  • الاكتئاب. 

الاكتئاب : تظهر أعراض الاكتئاب على الطفل خلال أسبوعين من تعرضه للحدث، وتحدث تغيرا واضحا في مجمل الوظائف الحيوية للطفل حيث يمكن إجمال هذه الوظائف في ما يلي :

  1. مزاج الطفل مكتئب طوال الوقت حزين تائه يحب الوحدة متردد يشعر بالفراغ .
  2. فقدان واضح للاهتمام أو المتعة في معظم الأنشطة المفضلة لدى الطفل في السابق .
  3. فقدان ملموس للوزن نتيجة لفقدان الشهية أو زيادة في الوزن نتيجة الافراط في الأكل .
  4. أرق في النوم أو إفراط فيه .
  5. فقدان الثقة في النفس أو الآخرين إفراط في الحركة .
  6. فقدان الطاقة.
  7. الشعور بعدم القيمة والذنب .
  8. فقدان القدرة على التركيز.

يمكن القول بأن الطفل يتعرض بصفة عامة في ظل الظرفيات الصعبة وخصوصا ما يعرفه العالم حالا، لمجموعة من الضغوطات في كل جوانب شخصيته سواء النفسية، الاجتماعية، المعرفية، الوجدانية، الانفعالية أو الفيزيولوجية، والتي لا تظهر في بداية الأمر واضحة، لكن بعد مرور الوقت تتفاقم حتى تأخذ شكل اضطرابات التي تمس جميع الجوانب السالفة الذكر، إن لم يتم علاجها والوقوف عندها لتجاوزها في الوقت المناسب.   

بقلم الأستاذة اسماء الحيمر

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.