الحافلة ٢٠١

انها الخامسة و ربع صباحا
استيقظت كالعادة من نداءات امي المتكررة لالحق بحافلة المدرسة التي تأتي عند السادسة و الربع، لا أحد يقدر حجم ذلك الألم الذي اشعر به و انا افارق سريري الدافئ لأعيش حياتي المزيفة بروتينها الممل المضجر
في السادسة و الربع أقف هناك وحيدا في هذا البرد القارص، مرتديا زي المدرسة يؤنس وحدتي هاتفي الجوال و زوج السماعات التي أرتديها لأسمع أغانيَّ المفضلة حتي تأتي الحافلة و هي تشق الهواء البارد يؤذن قدومها ببداية المعاناة و الشقاء. غالبا ما اقضي وقتي في تلك الحافلة رقم مئتان و واحد في التأمل من تلك النافذة الضيقة لأري الشمس تشرق حتى يأتي هذا الوقت المقيت عندما نصل إلي المدرسة في تمام الساعة السابعة و الربع فأدخل متوجها إلي الكابتن مصطفى و احييه ثم اتخذ طريقي، اما لذلك الركن الذي أجلس فيه وحيدا أنظر إلي الناس و أتعجب من قدرتهم على إدعاء الطيبة و هم يخفون داخلهم كل ذلك الكره و الحقد فكم أمقت تلك المسرحية التي نعيش بها، وأحيانا عندما أملّ من المشاهدة اصعد إلي المكتبة، فأتقوقع في ظلامها منكبا علي كتاب الفيزياء لأقرا الطلاسم التي اعتدت قرآتها دائما حتى تأتي الثامنة و تجلب معها بداية اليوم الدراسي، فتجد الكل ينطلق إلي الفصول و الحصص و أتوه في زحام المدرسة و الأمتحانات حتى أذكر تفويتي للفطور فاسأل نفسي هل حقا اهتم لذلك؟ فما الفائدة من الطعام و أنا دائما محبط، خائر القوي و فارغ الطاقة، حتى في أوقات فراغي أحاول أن أنغمس وسط الطلاب الآخرين لعلي أنسى تلك الهموم التي تطاردني في كل مكان، و أنجح كل مرة في ارتداء ذلك الوجه الباسم المزيف مخبئًا الحقيقة المرة لهذا البدن الذي أقوده بلا روح أو قلب، و كلما أنخرط بين الطلاب كلما ازداد تفكيرا في السبب الحقيقي وراء هذه المسرحية متقنة التمثيلية التي نعيش بها.

دقت الساعة الثالثة بعد العصر و لاح موعد الأنصراف يرفرف في الأفق، فأمشي عائدا لنفس المقعد بنفس الحافلة، فأجلس ساكنا حتى يأتي موعد نزولي من الحافلة على بعد كيلومتران من منزلي لأجلب أخي الصغير من الحضانة في طريق عودتي. كثيرا ما أنظر إليه أثناء ركوبنا في حافلة النقل العام فأجده يمارس هوايته المفضلة؛ النظر من النافذة و أتعجب حقا، فكيف لهذا المخلوق الرقيق الصغير أن يحيا في هذه الدنيا الموحشة ببرآئته المطلقة، و أضحك ضحكتي الساخرة حينما أرى تطلعه للحياة و هو مفعمٌ بالطاقة، فهل سيبقى هكذا بعد عشر سنوات من الآن؟! من الصعب تخيل ذلك!!!

إنها الرابعة و النصف الآن
و ها أنا أصل إلي البيت لأحصل على وجبة الغذاء سريعا حتى أعود مجددا للشارع من أخي ليصل إلي تدريبه و أجلس بجواره ساعتان الى أن ينتهي منه ثم نعود للمنزل سيرا فنصل قرآبة السابعة، فأدخل البيت مرهقا أتذمر من كثرة الواجبات التي تلاحقني و الأمتحانات التي تنغص عليَّ نومي، فأنكب على كتبي أذاكر ما أقدر عليه حتي أصل إلي مرحلة الشلل الدماغي من كثرة المجهود، فأقوم لأصل إلى صديقي الوحيد الذي يشعر بي و يخفف آلآمي؛ نعم، إنه سريري الدافى الجميل، كم أحبك حقا! فأنام ما لا يزيد عن خمس ساعاتٍ حتى أسمع ذلك النداء مرة أخرى فإنه موعد الحافلة، و يتكرر الألم و الهم والعناء كل يوم.

كم سئمت هذا الروتين القاتل!!!

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب