الحاجة زبيدة عبد العال، سيدة مصرية بسيطة، قد لا تكون شخصية تاريخية بالمعنى التقليدي، لكنها بكل تأكيد كتبت فصلًا مؤثرًا في تاريخ الإرادة الإنسانية، هي سيدة مصرية لا تختلف كثيرًا عن جدتي وجدتك، أو أي سيدة مسنة تعيش في الحي السكني الخاص بك، عجوز ترتدي عباءة سوداء، ولكن تحت تلك العباءة، قلب حمل حلمًا من أحلام الطفولة عقودًا وعقودًا، ورفض التخلي عنه.
الحاجة زبيدة التي نتحدث عنها اليوم توفيت منذ شهر واحد فقط، ولكن ما نفعله اليوم هو أننا نحاول وضعها في التاريخ، لا نقصد أننا -منصة جوَّك- نحن الذين سوف نخلد اسمها في صفحات التاريخ، ولكن لتسجل اسمًا في تاريخ أمة ما، تحتاج إلى شيئين، قصة عن ذلك الاسم، وتناقل تلك القصة بين الناس بعضها بعضًا.
ودورنا اليوم هو تقديم القصة لك، ودورك أنت أيها القارئ هو نشرها، ليس المقصود أن تشارك المقال مع أصدقائك أو على وسائل التواصل، بل المقصود أن تروي القصة؛ فقصة مثل قصة تلك السيدة من الظلم لها أن تُدفن في غياهب النسيان. والآن تعالَ لنعرف قصتها معًا.
ما قصة الحاجة زبيدة؟
هي زبيدة عبد العال، من مواليد 15 مارس لعام 1936 بقرية دكما، مركز شبين الكوم، محافظة المنوفية، ولكن من أصول صعيدية وتحديدًا من محافظة قنا، وفي وسط كثير من الإخوة والأخوات، كانت زبيدة من الطامحين إلى الذهاب للمدرسة والتعلم، ولكن اصطدمت طموحاتها على صخرة والدها الحاج عبد العال الرافض لذهاب الإناث للمدارس، بحجة حمايتهن من المضايقات والقيل والقال، وكان ذلك القرار له عظيم الأثر على نفس زبيدة، لدرجة أنها حينما كانت طفلة، كانت تذهب كل يوم للمدرسة، ومن ثم تعود لمنزلها باكية، وذلك لعدم قدرتها على الالتحاق بها.

من حرمان التعليم إلى أم تُعلي قيمة العلم
بعد ذلك مرت الأيام والسنون، وتزوجت زبيدة، وانتقلت للعيش في القاهرة مع زوجها وأنجبت 8 أبناء، ولكن فاقد الشيء أحيانًا يكون هو أكثر من يعطيه، فقد كان تعليم الأبناء لديها أولوية لا تحتمل النقاش، وقد نجحت في ذلك وخرج من أبنائها عدد من حملة الشهادات الجامعية، وبعضهم أصبح معلمًا!
وبعد ذلك توفي زوجها، وطلبت العودة إلى (دكما) مسقط رأسها، وكانت وفاة زوجها هي العلامة الفارقة فيما بقي من عمرها، فكما قالت «لما جوزي مات لقيتني مش عارفة حتى أقرا آية قرآن من المصحف».
الحاجة زبيدة أيقونة محو الأمية وإصرار لا يلين
وبعد مرور السنين، تواصلت السيدة «سوزي طايل» منسقة مبادرة «لا أمية مع تكافل» بمحافظة المنوفية، التابعة لمبادرة «تكافل وكرامة» الرئاسية، مع الحاجة زبيدة وعرضت عليها محو أميتها، ولكن الحاجة زبيدة لم توافق وحسب، بل أصرت على حضور دروس محو الأمية بالمدرسة، ورفضت أن يذهب المدرسون لمنزلها، على الرغم من بلوغها سن الـ 87، وأن تلك المدرسة بعيدة جدًا عن مقر سكنها، والسبب هو كما قالت «كان حلمي أقعد على تختة» ولا استغراب من ذلك الأمر، فالأحلام الذاتية تشبه الشوكة العالقة بالحلق التي تأبى الخروج، حيث لا يغني عن الحلم إلا تحقيقه.
الحاجة زبيدة تحقق حلمها بشهادة وتفوق في خريف العمر
بعد انضمام الحاجة زبيدة لفصول محو الأمية، لم تكتفِ بالحضور وحسب، بل إنها كانت من أكثر الملتحقين اجتهادًا، لدرجة أنها تخرجت بترتيب الأول، وقالت حينها «الشهادة دي أنا هاخدها أعلقها على صدري، عشان العلام ده عز».

وأخيرًا وبعد 87 عامًا من حبس الحلم في قلبها، تمكَّنت من تحقيقه، وأصبح بإمكانها الكتابة والقراءة و«قراءة روشتات الدواء» كما كانت تتمنى، ولم تكتفِ بحصولها على الشهادة الابتدائية، بل كانت تسعى لإكمال الدراسة والحصول على الشهادة الإعدادية، لولا أن وافتها المنية في الثاني من أبريل لعام 2025 بعد عمر ناهز الـ 89 عامًا.
إرث الإصرار.. قصة الحاجة زبيدة باقية
«إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها» هذا الحديث ببساطة هو ملخص لحياة الحاجة زبيدة، فبعد أن أنجبت 8 أبناء، وأصبح لها 13 حفيدًا، لم تكتفِ بذلك أو تقول أنا الآن سيدة عجوز عليَّ أن أرتاح، بل واصلت السعي لتحقيق حلم الطفولة.
وقد رحلت الحاجة زبيدة عن عالمنا، ولكنها تركت وراءها قصة تأبى أن تموت هي الأخرى، ولعل ما يقال في ذلك الموقف، هو ما كتبته الكاتبة التركية «أجة تمل قوران» في رواية أصوات الموز: «ليس لديَّ غير قصة أستطيع تقديمها لك، إذا لعنت الدنيا لمجيئك إليها ذات يوم ولم أكن بجانبك يومها، اعلم أن لديك قصة، لأن الناس لا يتركون وراءهم غير القصص، تعلمت هذا لكثرة ما رأيت موت أناس رائعين، مهما فعلنا لن نترك وراءنا غير قصة، حين نرويها تبدو كذبة كأنها لم تقع أبدًا».
تُعد قصة الحاجة زبيدة عبد العال منارة أمل لكل من يظن أن الأحلام لها تاريخ صلاحية أو أن العلم مقتصر على عمر الشباب. تحديها للظروف، وإصرارها على التعليم في سن متأخرة، وتفوقها في فصول محو الأمية، كلها دروس عظيمة في المثابرة وقوة الإرادة. ومسؤوليتنا الآن تكمن في تناقل هذه القصة الملهمة، لتبقى الحاجة زبيدة مصدر إلهام لكثيرين، ودليلًا حيًا على أن العمل الجاد والسعي نحو تحقيق الذات لا يتوقف إلا بتوقف نبض الحياة.
قصة رائعة وعظيمة
نعم لآ يموت حلم ورائه
يقين صادق فى تحقيقه؟!👍🙏🌹🌹🌹
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.