أيًّا كان المكان الذي توجد فيه، وينتابك الخوف والذعر عندما تدرك حتمية أن الجهل سيصل إليك ويؤثر في من حولك، ثم يذهب إليك ولطموحاتك، ومحاولة يائسة تتملكك أن تقضي عليه بشتى الطرق، محاولة منك أن تنجو بأحلامك، وعينيك البراقة اللامعة التي تبحث عن المعرفة حتى تبتعد عن الجهل، ولكن شئت أم أبيت ورفضت في عقلك، لا بد وأن تعي جيدًا أن كلما صادفت من العلوم والتكنولوجيا، وعلى الرغم من ازدحام الأفكار الجديدة وانتشار التقدم العلمي في شتى المجالات، التي معظمها حتى الآن لم نتحقق من معرفتها إذا كنا نجيد التعامل معها بطريقة صحيحة من عدمه.. فمن الجيد أن نصارح أنفسنا؛ لأننا نجهل أحيانًا التعامل معها، ومنا الكثير من يدّعي المعرفة، هذه حقيقة.
وإليك مثال واقعي.. وجدت لافتة موضوعة على متجر بقالة شبيه بمحل صغير بسيط للغاية، يعلّق اللافتة، ويجلس صاحبها أمام محله يقرأ الصحف المحلية، عندما يظل مدة طويلة من الوقت دون بيع أو شراء حلوى، وعندما يسأله أحد المارة الفضوليين: لماذا تجلس هكذا فلا يأتيك الرزق وأنت جالس؟ اترك تلك الصحيفة ولا تُضِع وقتك هباءً، فردّ عليه صاحب متجر الحلوى بكلمة واحدة: إن ليس موسم بيعي وشرائي، فالأشياء التي أبيعها لها مواسم، لذلك أتمتع بقسط من الراحة، لأن وقت موسم البيع والشراء عندي لا يُتيح لي قراءة الصحيفة بعناية، وأقرأ أيضًا أسعار بضاعتي لأن الصحيفة تعلنها يوميًّا، ومن الواضح لك أيها العريف تجد للعلم له قيمة عند صاحب متجر الحلوى.
أما تأثير العلم على من حولك، فلا بد وأنك ترى كثيرًا من السلوكيات الخاطئة، التي تنم أحيانًا عن جهل في حياتك اليومية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، وسريعًا تفكر أنها تأتي من الجهلاء، وأن سمة الجهل أصبحت طاغية وتنتشر رغمًا عنك. وإليك، أسباب الجهل كثيرة:
أولًا: الجهل، نقص التعليم والفقر، فيمنع الفقر الأسر من إرسالها إلى المدارس.
ثانيًا: العادات والتقاليد والمعتقدات الاجتماعية التي تسهم أحيانًا في منع الأشخاص من الوصول إلى المعرفة، على سبيل المثال بعض المجتمعات قد يكون بها تمييز ضد تعليم النساء وتحفيز الالتزام بقيم معينة تمنع من تطوير التفكير الشخصي.
ثالثًا: التكنولوجيا المضللة، مع وجود الإنترنت أدى إلى انتشار معلومات مغلوطة، ونظرًا لعدم الرقابة من معظم الأسر الفقيرة، تجد تعزيز الجهل لدى الأشخاص أسرع، ويقعون في فخ الأخبار المزيفة لأنهم يعتمدون على مصادر غير موثوقة، ومن بين أكثر الجرائم وقوعًا، ستجد مرتكبيها أناسًا صغارًا للغاية، جهلاء يقلدون بلا وعي وبلا رقابة، ظنًا منهم أنهم بذلك يلفتون الأنظار إليهم، حتى وإن لم يدركوا أنهم مخطئون.
فتجد بندًا رابعًا: وهو الأهم لندرك أهميته جيدًا، وهو العامل النفسي لأي شخص كان عديم المعرفة (جاهلًا) أو على علم، فإننا جميعًا عندما تُثار حفيظتنا ونغضب، نصبح نتصرف أشد خطرًا من الجهلاء. فالعامل النفسي، وهو الخوف أو القلق من المعرفة أو مواجهة الحقيقة، قد يؤدي إلى تجاهل أو تجنب معرفة معلومة جديدة، فالخوف يجعلك تعارض وترفض كل ما هو ممكن حدوثه.
وأخيرًا: عدم رغبتك في التعلم، فمنا من قد يكون غير مهتم بالتعلم، ويعتقد أن ما يعرفه يكفي، لذلك النتيجة أنه، وبذلك، يصل إلى الجمود الفكري لأنه لا يريد توسيع آفاقه، وأن يفسح المجال لتحسين معرفته... لا بد وأنك تعرف أن سمة الجهل تصبح أشد خطرًا عندما تصدر من شخص متعلّم، تكون وقتها الكارثة، فتقف واجمًا بلا حراك.. ومع ذلك، حاول قدر المستطاع أن يكون لديك رؤية واضحة للواقع الذي تعيشه، وتتعامل فيه على قدر عقول الآخرين، بمعنى أدق: تأمل وضع معرفتك قبل الحكم على غيرك بالجهل، وابدأ أنت أولًا بنفسك وتأملها جيدًا.
من الجاهل برأيك؟
هو من يتمسك بأفكاره، وينتابه الجمود الفكري، ويعتقد أنه دومًا على صواب، ولا يعطي فرصة لمرونة عقله في استيعاب اختلافات وجهات النظر من حوله، فليس بالضرورة أن تتمسك بأفكارك، لأنها ليست كلها صحيحة، تذكر هذا، ولا تُصدِر أحكامًا في رأسك تخص من حولك ولا تناقشها معه، لأنك بذلك تكون أنانيًّا وجهولًا.
ولا تفكر كثيرًا، فالإجابة قريبة للغاية منك. أراك كثيرًا من الوقت تستجدي الجاهل في عملك أحيانًا، وفي الشارع، وفي الطرقات أحيانًا أخرى، وفي كل مكان ترتاده. وبرأي كثير من البشرية، إنه الذي لم يحصل على شهادة من أحد المدارس، ولم يتعلم مطلقًا.
ولكن على الصعيد الآخر، يظل «الجاهل» أو -أفضل تسميته- «عديم المعرفة»، تنقصه فقط المعرفة، ويجهل بأمور معينة، وعلى الصعيد الآخر، يظل إنسانًا أيضًا له كل الاعتبارات والاحترام، لأنه إذا كان وُجد في ظروف فُرضت عليه، وكان قَدَره أيضًا أنه أصبح العائل الوحيد لأسرته، أو تحمّل المسؤولية من الصغر، أو لم يكن لديه المال ليتعلم ويرتقي بنفسه، فليس علينا سوى التعامل مع هذا الواقع. ومن الجهة الأخرى، لا يجوز مطلقًا إبداء رأي قاسٍ بلا رحمة، ولا عذر مقبول أيضًا عليه.
لا بد أن نعرف أهمية وكيفية التعامل مع الجهل أو عديم المعرفة، وتوجيه طاقته السلبية وتحويلها إلى طاقة إيجابية تمكنه من خدمة نفسه وتلبية احتياجاته... ولكن إذا تخطّينا أمره ووضعناه في خانة التهميش، فالنتيجة المترتبة على تجاهله، ومن تلك الأضرار، أنه سوف يصبح سلاحًا ذو حدين: من جهة بأفكاره المضللة..
ومن جهة أخرى، سوف يسهم في نشر الأكاذيب وسيضر بنفسه، وتلك هي البداية التي لا بد وأن تنتبه لها، وهي «عدم تجاهله»، لأن الجاهل، إذا كانت نفسيته ليست لها قيمة لديك، فتوقّع المثل في المعاملة، لأن رؤيته أن حياته أصبحت بلا طائل، سواء معنوي أو مادي، ونظرة من حوله أنه بلا فائدة، فسيعطيه الدافع والشعور السيئ.. ولأنه ليس فاقدًا للإحساس كما يعتقد بعضنا، وعلى هذا، سوف يُمارس السلوك المعادي، وتعلُّم الإجرام في من يؤذيه معنويًّا، ويعترضه للحفاظ على نفسه كما يعتقد هو، ودون إنذار مسبق.
فلذلك، يجب أمران مهمان: إما إعطاء عقلنا فرصة لتقبله كما هو، مع العلم أنك تعلم جيدًا أنه يمتلك عقلًا أيضًا، وقد يفوقك ذكاءً..
فلديك كثير من الأشخاص يقولون: «إنه الأفضل لك أن تكون جاهلًا حتى لا تتفاقم الأمور».. ولك أن تفكر بتلك السلبية، والنتيجة: الأخطاء المتكررة، والخوف، والقلق، وضعف في اتخاذ القرار الصائب، وعندما تتصرف تصرفًا غير لائق، وغير منطقي، وأشبه بأنك لم تدرس نهائيًّا...
تأمل لحظات من الشارع الذي تمر به، فأحيانًا الجاهل تحتمي في ظله عندما تمر بأحد الشوارع المظلمة وتضل الطريق، وفجأةً يظهر لك من الأضواء ما لم تكن تتوقعه ليعطيك إشارة ويوجهك إلى الطريق الصحيح، فهذا يعني أنه يفكر، وتفكيره غير متوقع أحيانًا. وعندما تستشيره، تتجلى قوة وطاقة كامنة عنده يصعب استغلالها لأنه لا يعرف بها، وفي اللحظة نفسها أيضًا، بسبب جهله، قد يسهل استغلاله من قبل الآخرين، سواء كان استغلالًا من نوع احتيال مالي أو عاطفي، فعديم المعرفة هدف سهل للذين يسعون لاستغلاله، فهو يتعرض للمخاطر، وأحيانًا يكون أكثر حذرًا حتى ينجو بنفسه.
وتلك الحياة التي يعيشها لا بد وأن علمته الصعاب كثير من الأمور، وهذا لا يجب إنكاره، ولكن إذا حاولت إثارة حفيظته، فلا تلم إلا نفسك. فلا تتجاهله؛ لأنك وقتها تكون بمثابة الضرير الذي يقف على أحد الألغام أو بجانب أحد البراكين النشطة، فهو يشعر بخوفك وأنت تعامله، ويشعر باحتقارك له حين تحدثه، ويكتم أحيانًا انفعاله وغضبه منك، وأحيانًا لا يسيطر على غضبه، فمن الممكن التعامل تعاملًا آخر أفضل للوصول له ومساعدته، حتى تمنع أحدًا آخر يستغل جهله.
أولًا: أن تنصت له، قد يكون في كلامه ما يعنيك، أو تتركه يذهب في سبيله دون إيذاء لمشاعره. فمن تقابله أحيانًا ولا يعجبك مظهره الخارجي، ووضعه القدر في طريقك، وتصرفت بطريقة لائقة تدل على سلوكك المهذب معه، وحين تكون أكثر تواضعًا، فتأكد أن كلا منا له أهمية في الحياة... وأن تكون جاهلًا أو متعلمًا وجهان لعملة واحدة، وهذه العملة هي قدر المعرفة التي تفرق بينكما.. فحاول تقبل قدر الإمكان أننا نحتاج لبعضنا البعض، فأنت تجهل بأمور كثيرة، وهو يجهل أيضًا أمورًا، فمن منا لا تنقصه المعرفة؟
ويظل ضيق الأفق حتى يصبح مع الوقت واكتساب المعرفة التي يستقيها من كل وادٍ، فربما ينقلب الميزان وتصبح أنت الجاهل بلا منازع. فالعقل نعمة يجب استغلالها، وفهمك للأمور الحياتية لا يتطلب بالضرورة أن تكون متعلمًا، ولديك من الشهادات ما يكفي لتكون ظاهرة على الحائط داخل برواز فضي اللون لكل من يراها، فهذا لا يكفي أن تقول إنك تعلم كل شيء، أو أنك أفضل من الجميع.. فمن يصيبه الغرور يجهل كثيرًا من الأشياء، فلا يدرك حقيقة الأمور.
ومن أمثلة الجهل: ألا يُنصت الشخص جيدًا.
وثانيًا: يجهل أيضًا حين يتجاهل الأمر الصائب.
وثالثًا: يجهل الشخص عندما يتمسك برأيه، وتَرى تعنّته الشديد هو أساس جهله أيضًا...
فاترك فرصة لنفسك، وانتبه إذا أردت أن تكون نافعًا لغيرك، وابدأ بنفسك، وتعلّم، وحاول أن تُفيد الذي يفتقر للمعرفة، فاعلم أنك تحاول الاجتهاد، وكلانا نحاول تعلُّم ما ينقصنا من المعرفة، وستحصل على شيء له قيمة، وهي التواضع والتعلُّم.
توجد أمثلة مشرفة في عالمنا، والمعظم كانوا فيما مضى جهلاء، ولكن إصرارهم على تحدي صعوبة ما يواجهون من فقر في المال، وصعوبة أن يكتسبوا المعرفة، ورغبتهم الشديدة في التعلُّم، لذلك لم يُصبهم الفقر في عقولهم. فالأمر يحتاج إلى رؤية واضحة، ونظرة ثاقبة للأمور.
احسنت ياستاذة عاىيشه دائما منتظرة مزيد من القصص والمقالات
عائشة يافاطمة ربنا يوفقنا كلنا يااستاذة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.