الجهاز اللمفاوي وسائل اللمف ودوره الحيوي في الجسم

الجهاز اللمفاوي أحد أهم أنظمة التوازن الداخلي في الجسم، ليس فقط لقيامه بإعادة السائل البيني إلى الدم، بل لدوره الحيوي في الدفاع المناعي وتنقية الجسم من الشوائب والخلايا التالفة، ومع أن اللمف يتحرك دون وجود قلبٍ يضخه، فإن التناسق الرائع بين الصمامات العضلية وضغط الأنسجة والتنفس، يضمن دورانًا فعالًا ومستمرًا لهذا السائل. وفهم آلية عمل هذا النظام يمكن أن يساعد في تفسير كثير من الحالات المرضية كالوذمات، كما يُعزز من الوعي بدور الرياضة والحركة في تنشيط الجهاز اللمفاوي ودعم الصحة العامة.

في هذا الدليل العلمي، سنغوص في عالم الجهاز اللمفاوي، ونكشف عن أسرار تكوين اللمف، ودوره الحيوي في توازن السوائل والمناعة، ونستكشف شبكة الأوعية التي تحمله عبر أجسادنا.

يعرف الجميع الجهاز الدوري ودوره الحيوي في ضخ الدم، لكن يوجد جهاز دوراني آخر لا يعرفه كثيرون لا يقل أهمية عن الجهاز الدوري، ويعمل بصمت وكفاءة للحفاظ على صحتنا وتوازن سوائل أجسامنا، وهو الجهاز اللمفاوي (Lymphatic System). هذا الجهاز هو شبكة معقدة من الأوعية والعقد التي تنقل سائلاً شفافًا يُدعى اللمف. لكن ما سائل اللمف؟ وكيف يتكون يتكون اللمف من الدم ثم يعود إليه؟ وما الآلية المذهلة التي تضمن دوران اللمف في الجسم دون وجود مضخة مركزية كالقلب؟ 

تعريف اللمف وتركيبه وخصائصه

اللمف هو سائل مائي شفاف يشبه الدم في بعض خصائصه، لكنه يختلف عنه في خلوه من الكريات الحمراء، ما يجعله عديم اللون، ويحوي اللمف خلايا بيضاء معظمها خلايا لمفية Lymphocytes، وعدد قليل منها خلايا حُبيبية granulocytes. ويتراوح عدد الخلايا اللمفية من ألف إلى 20 ألفًا في المليمتر المكعب الواحد.

تعريف اللمف

ويشبه اللمف بلازما الدم في التركيب، إذ يحوي معظم مكوناتها ولكن بتركيزات مختلفة. فهو يحتوي بروتينات البلازما الثلاثة، ولكن تركيزها الكلي في اللمف يبلغ نحو 4.9 %، في حين يبلغ تركيزها في بلازما الدم 7%. ونجد تركيز الكالسيوم والفوسفور في اللمف أقل منه في بلازما الدم، فإن باقي مكونات البلازما مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكورين والجلوكوز والبولينا... إلخ، توجد في اللمف بتركيزها نفسه تقريبًا في بلازما الدم. ونظرًا لاحتواء اللمف بروتين فيبروينوجين fibrinogen، فإنه قادر على التجلط، ولكن الجلطة المتكونة عديمة اللون لعدم احتوائها الكريات الحمراء.

كيف يتكون اللمف؟ Origin of Lymph (منشأ السائل البيني)

ينشأ اللمف من ترشح بلازما الدم عبر الشعيرات الدموية إلى الفراغات بين الخلايا، ثم يُجمع تدريجيًا عبر الشعيرات اللمفاوية ليعود في النهاية إلى مجرى الدم.

وترتبط نشأته بمرور الماء والمواد الذائبة الموجودة في بلازما الدم من الشعيرات الدموية إلى الفراغات الموجودة بين الخلايا، ومنها إلى الشعيرات اللمفية.

توجد إذًا ثلاثة سوائل مرتبطة بمنشأ اللمف: بلازما الدم والسائل البَيْنِي interstitialfluid واللمف. ولما كان جدار الشعيرة الدموية مؤلفًا من غشاء رقيق نصف نَفَّاذ، فإن جزيئات الماء والمواد الذائبة الموجودة في بلازما الدم -ما عدا جزيئات البروتين الكبيرة- قادرة على النفاذ خلال هذا الجدار، وتملأ الفراغات الموجودة بين الخلايا، مكونةً ما يسمى بالسائل البيني.

كيف ينشأ اللمف؟

وبالمثل فإن هذا السائل البيني يستطيع أن ينفذ إلى الشعيرات الدموية خلال جدرانها الرقيقة. ولهذا فإن لهذا السائل تركيب بلازما الدم نفسه، باستثناء بروتينات البلازما التي لم تستطع المرور بسهولة خلال جدران الشعيرات الدموية نظرًا لكبر حجم جزيئاتها.

الفرق بين الضغط الهيدروستاتي والأسموزي

وتتوقف حركة الماء من الشعيرات الدموية إلى الفراغات بين الخلايا، وبالعكس، على قوتين رئيستين:

الضغط الهيدروستاتي hydrostatic pressure

إن حركة أي سائل خلال غشاء نصف نفاذ تعتمد على الفرق في الضغط الهيدروستاتي على جانبي الغشاء. ولما كان ضغط الدم عند الطرف الشرياني للشعيرات الدموية يبلغ نحو 35 مم زئبق، فإن هذه القوة الهيدروستاتية تدفع بلازما الدم خلال جدران الشعيرات إلى الفراغات بين الخلايا.

الضغط الأسموزي (Osmotic Pressure) 

يقابل هذه القوة قوة أخرى تعمل في الاتجاه المضاد هي قوة الضغط الأسموزي osmotic pressure. وتنشأ هذه القوة نتيجة عدم التكافؤ في توزيع البروتينات بين بلازما الدم والسائل البيني.

بسبب الحجم الجزيئي الكبير للبروتينات، فإنها لا تمر بسهولة عبر جدران الشعيرات الدموية، ما يؤدي إلى تفاوت تركيزها بين البلازما والسائل البيني، وهذا الاختلاف يولد ضغطًا أسموزيًا فعالًا؛ ولما كان الضغط الأسموزي في بلازما الدم نحو 28 مم زئبق، وفي السائل البيني 4 مم زئبق، فإن الضغط الأسموزي الفعال يساوي 28-4، أي 24 مم زئبق. وهذا هو الضغط الذي يدفع الماء في الاتجاه المضاد، أي من السائل البيني إلى الدم.

ضغط النسيج (Tissue Pressure)

وتوجد قوة ثالثة ولكنها صغيرة تُسمى ضغط النسيج pressure tissue أو ضغط السائل البيني، وتقدر بنحو مليمتر واحد زئبق.

وينشأ هذا الضغط بفعل كمية الماء التي تتراكم في الأنسجة، ويكون ضغطًا فيزيائيًا مضادًا لضغط الدم. ولهذا الضغط أهمية كبيرة فقط في الحالة المرضية المعروفة بالورم المائي edema التي تتميز بتراكم السائل البيني بكميات غير طبيعية.

ضغط النسيج

الخلاصة: التوزيع النهائي للماء بين الدم والأنسجة يمثل توازنًا دقيقًا. عند الطرف الشرياني للشعيرات الدموية، يخرج الماء من الدم إلى الأنسجة بفعل ضغط الرشح (Filtration Pressure) الذي يبلغ 10 مم زئبق (35−(24+1)=10 مم زئبق). تقدر كمية السائل التي تترك الدم إلى الأنسجة بقوة هذا الضغط بنحو لتر واحد في الساعة في جميع أنحاء الجسم.

ولكن، عندما ننتقل إلى الطرف الوريدي للشعيرات الدموية، ينخفض ضغط الدم إلى نحو 13 مم زئبق، في حين يبقى الضغط الأسموزي الفعال وضغط النسيج ثابتين. هنا، يصبح الضغط الأسموزي وضغط النسيج معًا يزيدان عن ضغط الدم بمقدار 12 مم زئبق ($ (24 + 1) - 13 = 12$ مم زئبق). يدفع هذا الفرق في الضغط السائل في الاتجاه المعاكس، أي من الأنسجة إلى الدم، ما يؤدي إلى امتصاص السائل عند الطرف الوريدي للشعيرات، ويبلغ معدل هذا الامتصاص نحو 900 سم3 في الساعة في جميع أنحاء الجسم.

الجزء المتبقي من السائل، والذي يبلغ نحو 100 سم3 (1000 سم3 - 900 سم3)، يندفع بفعل ضغط السائل البيني المتبقي إلى شبكة من الشعيرات تُسمى الشعيرات اللمفية. هذه الكمية من السائل (اللمف) تدخل الشعيرات اللمفية كل ساعة، لتعود في النهاية إلى الدم عبر دورة اللمف (Lymph Circulation).

خلاصة القول، إن لترًا واحدًا من السائل يترشح كل ساعة خلال جدران الشعيرات الدموية عند طرفها الشرياني، ويملأ الفراغات الموجودة بين الخلايا. ولكن هذا السائل يعود مرة أخرى إلى الدم، إما بواسطة امتصاصه عند الطرف الوريدي للشعيرات وإما باندفاعه في الشعيرات اللمفية التي ترجعه في النهاية إلى الدم، في حين نجد أن السائل الذي يمتص عند الطرف الوريدي للشعيرات محلول مائي يحوي الأملاح المعدنية والجلوكوز والبولينا.. إلى آخر هذه المواد المذابة في بلازما الدم، فإن السائل الذي يُدفع في الشعيرات اللمفية -وبعبارة أخرى اللمف- يحوي بعض بروتينات البلازما، ولكن بتركيز أقل من تركيزها في بلازما الدم.

الأوعية والقنوات اللمفاوية Lymphatic vessels: شبكة تصريف السوائل

تتجمع الشعيرات اللمفاوية وتكون شبكة من أوعية لمفاوية (Lymphatic vessels) صغيرة تتجمع بدورها لتكون أوعية لمفاوية أكبر وأكبر. وتوجد الأوعية اللمفاوية في جميع أنحاء الجسم باستثناء عدد قليل من الأنسجة.

وتشبه هذه الأوعية الأوردة في التركيب، لكن جدرانها أرق، ولا تُرى بسهولة عند تشريح الحيوان؛ لأن اللمف الذي تحويه عديم اللون. ويوجد في هذه الأوعية اللمفاوية صمامات تشبه تلك الموجودة في الأوردة الكبيرة، وتسمح هذه الصمامات للمف بالحركة في اتجاه واحد.

الأوعية اللميفاوية

وتجدر الإشارة هنا إلى الأوعية اللمفاوية الموجودة في وسط خَمَلات الأمعاء الدقيقة والتي تُعرف باسم الأوعية اللبنية المركزية. وعن طريق هذه الأوعية تصل معظم المواد الدهنية الموجودة في الغذاء إلى الدم. وسُميت بالأوعية اللبنية بسبب المظهر اللبني الذي تكتسبه بعد امتصاص الدهون، خاصةً عقب تناول وجبة دهنية.

يتجمع اللمف الذي يجري في الأوعية اللمفاوية الموجودة في الجزء الأسفل من الجسم، والرجلين، والذراع الأيسر، والجزء الأيسر من الصدر والرأس، في وعاء لمفي كبير يمتد في منطقة الصدر يسمى القناة الصدرية thoracic duct.

وتفتح هذه القناة في أحد الأوردة عند أسفل الرقبة في الجهة اليسرى من الجسم. أما اللمف المُتَجَمِّع من الجزء الأيمن من الصدر والرأس، ومن الذراع الأيمن، فإنه يصب في وعاء لمفي آخر يسمى قناة اللمف اليُمنى right lymph duct.

وتفتح هذه القناة في أحد الأوردة أيضًا عند أسفل الرقبة في الجهة اليمنى من الجسم، أما الأوعية اللمفاوية الموجودة في جدار القناة الهضمية فإنها بعد أن تخترق غشاء المساريق تفتح في كيس لمفي كبير يسمى الكيس اللمفي cisterna chyli الذي يصب محتواه من اللمف في القناة الصدرية، ومع أنه يسمى الكيس اللمفي فإنه يتألف في الواقع من مجموعة من الأوعية التي تتصل ببعضها البعض وتكون بداية القناة الصدرية.

دوران اللمف lymphatic circulation.. آلية الحركة في الجهاز اللمفاوي

يعمل الجهاز اللمفاوي باتجاه أحادي، فيتحرك اللمف تدريجيًّا من الشعيرات اللمفاوية عبر شبكة من الأوعية، لينتهي في القناتين اللمفاويتين الكبيرتين -القناة الصدرية وقناة اللمف اليُمنى- اللتين تفرغان محتواهما في الدورة الوريدية، وهكذا نرى أن مصير اللمف -هذا السائل الذي ترشح من الدم خلال الشعيرات الدموية- هو أن يعود في النهاية إلى الدم.

دوران اللمف

الجهاز اللمفاوي في الإنسان لا يشتمل على عضو مثل القلب يضخ اللمف ويدفعه في الأوعية اللمفاوية. فكيف يتحرك اللمف إذًا داخل الجهاز اللمفاوي؟

  • المضخة اللمفاوية: إن الجهاز اللمفاوي في بعض الفطريات الدنيا مثل الضفدع يحوي زوجين من القلوب اللمفاوية (زوج أمامي وزوج خلفي) يتجمع فيهما اللمف من أنحاء الجسم، وتنقبض هذه القلوب بعد ذلك لتدفع باللمف في الجهاز الوريدي، ولا توجد في الفقاريات الراقية قلوب لمفاوية، ولكن يوجد ما يمكن أن يطلق عليه مجازًا اسم المضخة اللمفاوية.
  • الضغط الخارجي: في كل مرة يحدث فيها ضغط على الوعاء اللمفاوي من أي مصدر كان فإن اللمف ينعصر في كلا الاتجاهين، ولكن بسبب وجود الصمامات فإنه يتحرك داخل الوعاء في اتجاه واحد فقط.
  • انقباض العضلات: انقباض العضلات من شأنه أن يسبب ضغطًا على الأوعية اللمفاوية في الأنسجة المحيطة بالعضلة.
  • الحركة الجسدية: تسهم الحركات الجسدية اليومية مثل المشي أو انقباض العضلات في تسهيل دفع اللمف عبر الأوعية، مستعيضًا بذلك عن غياب مضخة مركزية كالتي توجد في الجهاز الدوري، وبذلك تحرك اللمف وتدفعه باتجاه نقطة دخوله في الدورة الدموية.

ومن الواضح أن هذه المضخة اللمفاوية يزيد نشاطها عند القيام بأي نشاط عضلي، وبالعكس يقل نشاطها عند الراحة. ولهذا تزيد سرعة جريان اللمف عند القيام بنشاط عضلي، وقد تصل إلى عشرة أمثال المعدل الطبيعي.

  • المعدل اليومي: ما يقارب 100 سم مكعب من السائل تدخل كل ساعة في الدورة الدموية (عبر الجهاز اللمفاوي) ما يعادل نحو 2.4 لتر يوميًا (100 سم3×24 ساعة) . وهذا الحجم يعادل تقريبًا حجم بلازما الدم، ويمثل معدل سرعة جريان اللمف في حالة الراحة.
  • تقلصات الأوعية اللمفاوية: تؤدي التقلصات التي تحدث في جدران الأوعية اللمفاوية دورًا مهمًا في جريان اللمف.
  • الضغط السالب في القفص الصدري: الضغط السالب في القفص الصدري وزيادة حجم هذا القفص في أثناء عملية الشهيق؛ يؤديان إلى توسيع القناة اللمفاوية الصدرية، وعلى هذا سهولة دخول اللمف من الأوعية اللمفاوية.

إن الجهاز اللمفاوي هو نظام حيوي ومعقد، يعمل شبكة صرف صحي وتنقية وشحن في آن واحد، فهو لا يحافظ فقط على توازن السوائل الدقيق في أجسامنا عن طريق إعادة الفائض من السائل البيني إلى الدم، بل يؤدي أيضًا دورًا لا غنى عنه في امتصاص الدهون الغذائية ويعمل طريقًا رئيسًا لخلايا جهاز المناعة للدفاع عن الجسم، إن فهم هذه الآلية المعقدة يعزز تقديرنا لمدى تكامل أنظمة الجسم، ويؤكد أهمية الحركة والنشاط البدني ليس فقط للعضلات والقلب، بل أيضًا لدعم هذا النظام الحيوي الصامت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.