الجنون في مجابهة الحياة


رجلٌ داهمته الخطوب وتكالبت عليه الظّروف وأخذته الدُّنيا بقسوتها، تَجرّع مرارة العيش في صغره، واشتدّت معاناته في شبابه إذ حاصرته الحرب بمناظرها الخانقة وأجوائها المرعبة وحوادثها الصّارمة، كان في قلب الحدث، في عمق تلك الحرب، حتى اعتاد المناظر وألِفَ الأجواء وتعايش مع الحوادث، فأشبه المجنون الذي لا يَأْبَهُ لعوارض الحياة، الحياة التي لم يعشها تلك الحياة الهادئة حياة السّلام والاستسلام، فتساوى عنده الميّت والحيّ، والمريض والمعافى، تساوى عنده اليوم والغد، والأمس الذي هو اليوم وهو غداً، فالأيّام كلٌها أمست شريطاً يُعاد تشغيله. يعيش عالم أمجادٍ كانت له وحده، يحاول أن يُعيد الرّوح لجسده فقد غاب عنه الحسّ بالواقع، فلا زمنَ يتقدّم ولا شيءَ إلا الماضي يتكرّر في عمليّةٍ لا نهاية لها إلّا الموت. الْبَوْنُ الشّاسع بين الماضي الذي يعيش فيه بعقله وبين الحاضر الذي يعيش فيه بجسده لا يملك فيه إلّا التصرّف كالمجنون، أو هو مجنونٌ فيما نعرفه نحن عن الجنون. أليس الجنونُ هو سلاحٌ لمجابهة الحياة؟! من مات كمَن عاش، لا فرق بين أن تأكل هذا أو تأكل ذاك، لا داعي للحزن أو التفكير، لا داعي للآمال والانتظار، ولا داعي للمشاعر فالحزن هو البكاء، والفرح هو الصراخ والطموح، أهناك داعٍ لشرح طموح المجنون؟! ولكلّ إحساسٍ داخليٍّ بديلٌ له من تعبيراتٍ خارجيّةٍ.

أن تعيش حياتك كإنسانٍ وُضِع في أشدّ وأعنف حالات الحياة، ثمّ تأتي وقد عرفت قدر الحياة وكيف تستحق أن يُتَعَامَل معها؛ لكي تعيش مرتاحاً خاليَ البالِ من تلك الأشغال التي تُهلِكُ غيرك، لكثرة ما طاف بعقله وأنهك جسده، ثم يأتون ليصِفوك بالجنون، وهم أصحاب همٍّ على زوالٍ، محزونون مكتئبون بكّاؤون شكّاؤون عبوسون، وما بيدهم حيلةٌ، ما جرّبوا فتعلّموا، وإنّما الحياة تأخذهم باللّين لتخطفهم على غفلةٍ وتُحطّم أملهم الواهن، لن يتعلم إلّا من أخذته الدّنيا بأشدّ ما تأخذ به، وبِأْعَتى ما يُختبر به الإنسان، والسّلام.

بقلم الكاتب


إنطلاقة سابقة لأوآنها... متوقف حاليا


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

Khadime mbacke - Sep 21, 2021 - أضف ردا

جميل سلمت أيها الكاتب

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

إنطلاقة سابقة لأوآنها... متوقف حاليا