الجنون عشقاً أسمى درجات الحب

حار الكثيرون منذ أمد بعيد فى وصف الحب ولم يجدوا له تعريفاً وكلمات تعبر عما يشعر به المحب، ورغم ما كتبه الشعراء عنه وما صاغه كتاب الروايات حوله إلا أنه يبقى دائماً مثاراً للجدل. وهل يمكن أن يقع الإنسان في الحب أكثر من مرة ويشعر شعوراً مختلفاً؟ وهل هناك حب حقيقي فعلأ أم هو مجرد خيال شاعر و توهم أديب؟

فقد قال عنه الشاعر الكبير نزار قباني "الحب في الأرض بعض من تخيلنا، لو لم نجده عليها لاخترعناه"، وذكره كامل الشناوي الشاعر الكبير قائلاً: "الحياة بدون حب نعيم لا يطاق وبالحب جحيم يطاق"، وكتب إحسان عبد القدوس قائلاً في مقدمة روايته "الوسادة الخالية ": "هناك وهم كبير إسمه الحب الأول وكثيرون منا قابلوا ما إعتقدوا أنه حب العمر، ولكن بمرور الوقت إكتشفوا خطأ إعتقادهم وإنتهت القصة نهاية عكس توقعاتهم، ولكنهم لم يفقدوا الأمل فى أن يعثروا على ضالتهم يوماً ما، وإن لم يبحثوا عنها تاركين للأيام تلك المهمة فربما لو بحثوا ما إهتدوا إلى شىء وإنقضى العمر دون أن يجدوا ما يبحثون عنه أو ينتهي بهم الأمر أن يقتنعوا أنهم كانوا يطاردون وهماً أو خيالاً صورته لهم أحلامهم ،ويكتفون بقراءة الروايات ومشاهدة الأفلام الرومانسية لعل ذلك يعوضهم عما إفتقدوه في الواقع ،ولكن ماذا إذا أصبح ما يبحثون عنه واقعاً ملموساً خاصة إذا كانوا قد قضوا وقتاً طويلاً وهم يبحثون أو يتوقعون أن يجدوا ذلك الحب يوماً.. عندها تتبدل حياتهم وينظرون للحياة نظرة جديدة خاصة إذا لم يستمعوا إلى من نصحوهم أن ينظروا للأمر نظرة شاملة وأن الحب يمكن أن يكون عاماً لكل من حولهم وألا يكون مقتصراً على ذاتهم أو دنياهم وعالمهم الخاص، عندها تكون سعادتهم مكتملة نسبياً ويحاولون جاهدين الحفاظ على هذا الحب فربما يكون فرصتهم الأخيرة للسعادة، وأول مايفعلون هو إخفاء هذا الحب.

وفي هذا الإطار تحضرني قصة قصيرة قرأتها قديماً عن الحب، أقرب ماتكون إلى الأسطورة تقول القصة: منذ قديم الأزمنة، لم يكن على سطح الأرض إنسان أو مخلوق، وكان العالم كله يتكون من الرذائل والفضائل، فقط وذات يوم شعرت الفضائل والرذائل بشيء من الملل، وقررت بعد مشاورات أن تلعب لعبة للتخلص من مللها وأطلقوا على تلك اللعبة اسم الاستغماية ونالت الفكرة اعجاب الجميع، وصاح الجنون قائلاً: أنا من سيبدأ اللعب، أريد أن أبدأ، سأغمض عيناي وأبدأ العد، أما أنتم باشروا  بالتخفي والإختباء.

وبدأت الفضائل والرذائل بالانتشار واتكأ الجنون على الشجرة وباشر العد، واختبأت الخيانة في كومة من الزبالة واتخذت الرقة مكاناً فوق القم. أما الولع فقد ذهب بعيداً وأخفى نفسه بين الغيوم أما الشوق، أما الكذب كعادته فقد صرخ بأنه سيختبىْ تحت الحجارة فقد لجأ إلى باطن الأرض، وقفز للاختباء في قاع البحيرة .واستمر الجميع بالتخفي بينما الجنون يواصل العد، خمسة وثمانون، ستة وثمانون... 

في تلك الأثناء كانت كل الفضائل والرذائل قد تخفت، ماعدا الحب فنحن جميعاً نعلم كم هو صعب  إخفاء الحب وحين وصل الجنون في العد إلى مائة قفز الحب وسط أجمة من الورد وجدها أمامه وصاح الجنون: أنا آت... أنا آت إليكم. وكما توقع الجميع، الكسل كان أول الخاسرين، فهو كعادته لم يحاول بذل أي قدر من الجهد لإخفاء نفسه، أما الكذب فقد انقطع نفسه واستسلم خارجاً من البحيرة، وكانت الرقة مكشوفة على سطح القمر، و لم يبذل الجنون أي جهد في العثور على الشوق، كان الجنون محظوظاً في لعبته، فقد وجدهم جميعاً دون عناء  إلا الحب، فقد جال الكون كله في محاولات يائسة للبحث عنه بحث وبحث وبحث لكن دون جدوى..  إلى أن جاء الحسد وقام بوضع بصمته قائلاً للجنون: الحب يتخفي في باقة الورد فركض الجنون إلى الورد ملتقطاً شوكة خشبية كالرمح مستعملاً إياها في طعن الورد بشكل عشوائي وطائش ليجبر الحب على الخروج، واستمر الجنون في طعناته إلى أن سمع صوت الحب باكياً وهو يخرج وعيناه تنزف  شعر الجنون بالندم وصاح يا إلهي، ما هذا الذي فعلت!! لقد تسببت في إصابة الحب بالعمى!! أجابه الحب بصوت ضعيف: لن يعود بصري إلي يوماً بعد الآن، لكن ما زال هناك ما يمكنك أن تفعله: كن دليلي وهذا ما حدث من يومها صار الحب أعمى يقوده الجنون. ولكنه أحياناً يكون أمرأ رائعاً أن نحب إلى حد الجنون وسيظل كما وصفه نزار أحلى الأقدار.

 

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

كبير مخرجين بقناة النيل الدولية - الهيئة الوطنية للإعلام