الإنسان كالكتاب، والجمال هو الغلاف الذي يجذبك نحوه، ويشغل عينك مؤقتًا حتى يأتي محتواه: صفحاته، قصته، سرده، وطريقة كتابته، وهي الشخصية التي تؤكد قرارك باستمرار إعجابك بهذا الكتاب والاستمرار في اكتشاف محتواه الشيق أكثر فأكثر.
قد يشدك ويعجب نظرك مظهر خارجي لشخص، فيتولد داخلك فضول للتحدث معه والتعرف على ذاته الداخلية، فتبادر بالتحية، فيقبلها، تبادر بسؤال، فيقبله، يليه سؤال بعد سؤال، طريقًا لاكتشاف شخصيته شيئًا فشيئًا، فتتخذ قرارًا باستحواذ هذا الشخص على مكان في حياتك، إذا كنت تريده في حياتك كزوج، أو صديق، أو زميل عمل، أو لِاحترامك له ولطريقة تفكيره، أو تجعله في خانة أشخاص تتعلم منهم، فيتطور معهم تفكيرك وأسلوبك.
الشخصية هي السند الحقيقي للإنسان وسلاحه الأول في مواجهة المجتمع، وهي التي تجعله يفرض احترامه رغمًا عن أنف أي شخص. فيجب أن ينشغل الإنسان ببنائها جيدًا وأولًا قبل انشغاله بجماله. نعم، الجمال قد يفتح أبوابًا صعبة ومستحيلة أمامنا، لكن شخصياتنا هي التي تجعلنا نغلق هذه الأبواب بعد فتحها أينما ومتى شئنا!
في وقتنا الحالي أصبحت الغالبية من الناس تهتمّ بتجميل وجوههم، سواء أكانوا يحتاجون إلى تجميل أم لا، لأنه أصبح المعيار الأساسي في المجتمع الحالي محليًا أو دوليًا لقيمة الإنسان، مع أن تجميل شخصياتهم قدر الإمكان هو الأهم لبناء بيئة صالحة لا تعبث بنفس الإنسان، فيخرج منها مفسدًا أو مضطربًا نفسيًا.
وهذا الأمر بدأ من البيت بتفضيل الابن أو الطفل الأكثر جمالًا في العائلة، من المدرسة باحترام التلميذ الجميل وتمييزه عن زملائه، من الشارع الذي يستخدم عينًا ميكروسكوبية لا تترك أي شخص يمشي في حاله، وتجعله يشعر أنه يمشي عاريًا. فيبدأ من هنا الاهتمام بالجمال والمظهر الخارجي فيشغل الحيز الأكبر من عقل الإنسان لأنه نشأ على ذلك؛ نشأ على أن مظهرك هو مكانتك عند الآخرين. فأصبح هذا العائق الوحيد لتفاعله الكامل المتكامل في المجتمع الذي يريد أن يتخلص منه ليعيش بسلام، وتتغلغل الحياة في كل خلية من خلايا جسده.
ولهذا فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما تتلاشى النظرة السطحية إلى جوهر الإنسان وحقيقة دوره في المجتمع، ويُنظر إليه كأنه كيان كامل: عقل، وقلب، وشخصية، وأسلوب، وليس مظهرًا فقط.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.