الجمال هو ذائقةٌ معنوية تنطبعُ في الوجدان، فتُحيي النفس وتبهج الروح وتنير فيها زوايا السّكون والظلام، وتسلّط الضوء على مكامن الغضب واليأس، لتتحولَ حياةُ المرءِ -الشَّاعرِ بالجمال- إلى كيانٍ متفجّر بطاقة العمل، ومتدفّقٍ بمعانٍ متلالئةٍ من السّمو والرفعة والتألق الروحي والسّمو النفسي، بما يؤثّر إيجاباً على مجمل سلوكياته وعلاقاته، وطبيعة تعاطيه الفعّال والمنتج مع الآخرين.. هذا كلّه يأتي في الجوهر المعياري الرصين، رغم ما قد يعتريه من ملابسات وإشكاليات وصعوبات، تعترضُ وجودَه الأرضي في عيشه الزّماني والمكاني المَحْدُوْدِين.
وبرغمِ أصالتهِ في الوجدانِ النّفسي، فإنّ الجَمالَ لا يقتصر على البعد المعنوي الروحي المرتبط في العمق بمعاني الحقّ والخير، بلْ له بُعده المادي في رؤية جمال الصورة والخَلْقة.
وموضوعةُ الجمالِ هي من أكثرِ المواضيعِ حُضُوراً في تفكيرِ البشر، وانشغالاً بها من قِبَلِهم، لأنّها قيمةٌ جوهريةٌ في وجدانِ الإنسانِ، تتحرّكُ مفاعيلُها في كلِّ ما يتّصِلُ بحركتِهم الحياتيّة، وهي ثالثُ ثلاثةٍ من القيم التي دعتْ إليها كافّة الأديانِ والشّرائع الإنسانيّة، لتحقّقَ الرسالةَ التي من أجلها خَلَقَ اللهُ الإنسانَ على هذه البسيطة، ألا وهي "العبودية" الخالصة لله وحده، هذه القيم الثلاثة هي: الحَقُّ والخَيرُ والجَمَالُ.
وارتباطُ الجمالِ بقيمِ الخيرِ والحقّ، تنطلقُ من فكرة هي أنّ الجمالَ داخلٌ ومتعلّق ذاتياً في تكوين كل القيم والفضائل والأخلاقيات الإنسانية، بل هو بؤرتها التّكوينية الأولى لأنّه موصولٌ إلى جمال العلّةِ الأولى، خالقِ الوجود وواجبه.. فالعدلُ في كمالهِ جمالٌ، والخيرُ في تحقّقه جمالٌ للنفس، لأنّ إحقاقَ الحقوق راحةٌ وسعادة وجمال كلّي يدلّ –في أحدِ أهمّ أوجهه- على عدالةِ الخلْق وجمالِ الخالق الذي خلق فأحسن، وأبدع فأتقن. وهنا تكمن الغايةُ من الرّؤية الجماليّةِ في الأديان، وهي إبرازُ وإظهارُ جمال الخالقِ في عدله ورحمته ومساواته بين النّاسِ في أصل الخلقةِ، وهدايتهم إلى الحقّ والخير والجمال الكلّي.
والجمالُ في أحدِ معانيه أيضاً، سعيٌ لتمثُّلِ معنى الخلْقِ، وهدفيتِه، في وصولِ الإنسانِ إلى كمالهِ الممكنِ له، على صورةِ الجَمالِ الكلّي، وما أرادَتْه إرادةُ الخالقِ العظيم في هذا المقام، فـــ"الله جميلٌ يحب الجمال"...
بمعنى أنّ الإنسانَ لا بدّ أنْ يكونَ جميلاً حريصاً على جمالِ روحه وعقله ووجدانهِ، بما يثمرُ فاعليّة وجوديّة له، لتكونَ الرّؤية الجماليّة -في أحدِ معانيها العمليّة- نتاجاً للإنسانِ ضمنَ فضاءٍ ثقافي واجتماعي متنوّع ومتغيّر، يلعبُ فيهِ المخيالُ الدّورَ البارزَ في إظهارِ نماذج وأشكال ومظاهر تمثُّل الجمالَ في الحياة اليوميّةِ والأعمال الفنية الكبرى والصغرى على السّواء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.