الجديد له جدّة والقديم لا نفرّط فيه هذا مثال شعبي متداولٌ على السنة العامة، وهو في الحقيقة قاعدة اجتماعية يعمل بها في جميع مكامن حياة الإنسان، حتَّى الشرائع السماوية والقوانين الوضعية جعلت فصلاً من فصولها أو بندًا من بنود قوانينها، يتحدَّث عن العُرف العام أو ما جرت به العادة أو العادة محكمة، وهكذا من مثل هذه العبارات الَّتي نجدها متناثرة هنا وهناك في شرائع وقوانين. غالب البلدان، إن لم تكن كلها بلا استثناء.
إذن، قاعدة الجديد له جدّة والقديم لا نفرّط فيه، هي قاعدة جوهرية تحكم المجتمع وإن لم تكن مكتوبة في دساتيره وقوانينه المكتوبة، فهي في دساتيره وقوانينه المنقوشة في الذاكرة، الَّتي لا تُمحى ولا تُبلى بمرور الأيام والسنين والأعوام.
ولذلك نجد الإنسان يشتاق للتطلع إلى كل ما هو جديد، ويستهوي ذاك في كل المجالات، لكنك تجده متشبث بما توارثه عن آبائه وأجداده ومجتمعه، ويصعب عليه مفارقته والانفصال عنه، بل تجده يدافع عنه ويستميت في ذلك، ظنًا منه أن ما وجد عليه آباءه وأجداده وما توارثه من مجتمعه من تقاليد وأعراف، هو الحقيقة المطلقة الَّتي يجب عليه أن يعيش عليها، وأن يحيا في ظلها، ولا ينبغي لأحد أن يجادله فيها، وأنه لا معنى لتواجده دون أن يحمل معه ثقافة بلده، وعرف آباءه وأجداده، وأن على الآخر أن يقبله كما هو إن أراد أن يعيش معه في وئام وسلام، ولا معنى لأن نقبل تواجد شخصه دون أن نقبل موروثه الثقافي، والحضاري، والاجتماعي، الَّذي يحمله في ذاكرته، إذ إن ذلك جزء لا يتجزأ من شخصيته وكينونته.
طبعًا الإنسان عندما يرى تقاليد، وعادات، وأعراف غيره تجده يتعجب منها وينبهر بها، وقد يستحسنها وتعجبه، لكن هل يتخلى أو ينسلخ من تقاليد وأعراف مسقط رأسه والمكان الَّذي شبَّ وترعرع فيه ومنذ أن فتح عينيه في هذه الحياة وهو لا يرى إلا ما هو محيط به، فترسخت تقاليد وأعراف وعادات بلده في ذهنه ونقشت في ذاكرته نقشًا يصعب محوه بمرور الزمن وتغيُّر المكان، وما أصدق من قال: من شَبَّ على شيء شَابَ عليه، ومن شَابَ على شيء مات عليه.
فأصعب شيء يُمكن تغييره في الإنسان، هو تغيير ثقافته وعرفه وتقاليده المتوارثة سلفًا عن خلف، وأبا عن جد، وجيلاً بعد جيل، في أي منحى من مناحي الحياة كانت، سواء كانت في لباسه، أو أكله وشربه ونومه، أو مناط تفكيره، أو معاملاته الاجتماعية بكافة أنواعها وتشعبات دروبها، أو عبادته، أو تقريبه القرابين إلى جهة معينة، أو تقديس شيء معين، أو الخوف منه، أو التشاؤم من رؤيته، أو التفاؤل به عند ملاقاته، أو، أو...
هذه التقاليد والأعراف، أينما ذهب الإنسان إلا ويصحبها معه، قد تضيع منه البضائع والنقود والأموال العينية، إلا أن ما يختزنه في ذاكرته من ثقافة وأعراف وتقاليد لا يضيع أبدًا، حتَّى وإن دامت غربته عن بلده وموطنه الأصلي عشرات السنوات، وحتَّى وإن امتزج وانصهر وذاب في المجتمعات الأخرى، فإن ذوبانه مثل ذوبان الملح؛ فعندما يذوب في مائع إلا وترك فيه ملوحة، وقد تطغى على المائع فيصير أجاجًا.
كذلك الشخص القوي المتشبث بثقافة بلده وتقاليدها وأعرافها، فلربما يذهب إلى بلد ما أو مجتمع ما عوض أن يذوب وينصهر في المجتمع، هو يجذب المجتمع ويؤثر فيه ويصير تابعًا لا متبوعًا، مقلّدا لا مقلدًا، وهذا ما حدث في كثير من البلدان مع أشخاص ذوي شخصية نافذة وإيمان قوي بما يحملونه في جعبتهم من ثقافة وتقاليد وأعراف، وهذا نادرًا ما يحدث، والغالب هو العكس.
وإذا ما كان الأمر كما ذكرنا فإنه يجب علينا أن نقبل الآخرين كما هم، وأن نستوعبهم بثقافتهم، وأفكارهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، وأعرافهم، وأن عليهم أن يقبلونا بثقافتنا، وأفكارنا، وأعرافنا، وتقاليدنا، وأنه لا مناص من تلاقح الأفكار والعادات حتَّى تتغذى من بعضها فيتم التعايش ويتحقق الوئام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.