الإنسان ليس كائنًا منفصلًا عن تاريخه، ولا سجينًا فيه؛ بل هو نتاج صيرورة مستمرة تمزج بين الذاكرة الجمعية ما كنا عليه وبين الإرادة الحرة نحن الآن. وتكمن الهوية الحقيقية في التوازن الدقيق بين الأصالة والمعاصرة، فنحن أشبه بالنهر؛ ماؤه المتجدد يمثل الحاضر، ومجراه الثابت يمثل الماضي، وانفصال أحدهما عن الآخر يعني الفناء.
يناقش المقال إشكالية الهوية الشخصية في مواجهة الذاكرة الجمعية. ويطرح رؤية توفيقية ترى أن الإنسان ليس ماضيًا محضًا ولا حاضرًا منقطع الجذور.
نحن.. أم ما كنا عليه؟
إنَّ المتأملَ في شأنِ الكائنِ البشريِّ، يجدُه واقفًا أبدًا على أطلالِ ذاتِه، كوقوفِ «امرئ القيس» بصحابةٍ في «دارةِ جُلجُل»، ينادي ماضيًا شَطَّت به المزار، ويستشرفُ مستقبلًا لم تتبين ملامحُه بعد.
فهل «نحنُ» كينونةٌ مستقلةٌ تحيا «الآن» بملءِ إرادتها، أم أننا مجردُ أصداءٍ لسيوفٍ صَدِئت، وعهودٍ خَلَت، وأرواحٍ حَلَّت فينا قبل أن نولد؟ إنَّ هذا السؤالَ ليس ترفًا فلسفيًا يزجي به الفراغ، بل هو صرخةُ الوجودِ المكتومة في حاراتِ الدنيا الضيقة، وبحثٌ عن الهوية في تيهِ العصور.
نحن في عين الموروث: القبيلة التي تمشي في عروقنا
يقولُ الجاهليُّ في فخرهِ الذي لم يبلُ قط:
إِذا بَلَغَ الفِطامَ لَنا صَبِيٌّ.. تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدينا
في هذا البيتِ العتيق، لا يرى المرءُ نفسَه فردًا منفصلًا بحدودِ جسده، بل هو غصنٌ في دوحةٍ ضاربةِ الجذور، وقبيلةٌ تمشي على قدمين.
نحنُ في عينِ الموروثِ لسنا إلا «ما كنا عليه»؛ نحنُ تراكمُ الهزائمِ المريرة التي أورثتنا الحكمة، والانتصاراتِ المدوية التي أورثتنا الكبرياء. إنَّ الماضي في فلسفة الوجودِ ليس «وراءنا» كما يتوهمُ العابرون بظواهرِ الأمور، بل هو «تحتنا» كالأرضِ الصلبة، ومن فوقنا كالسماءِ التي تظللنا بظلها المديد.
كل إناء بما فيه ينضح: اللاشعور الجمعي
قال الصوفيُّ بلسانِ حالِ الإسلامِ المستنير: «كلُّ إناءٍ بما فيهِ ينضحُ»، فإنَّ آنيتنا اليومَ مُترعةٌ بخميرةِ الأمس؛ فكلماتنا، وقيمنا، وحتى نبرةُ حزننا في زقاقِ المدق، هي بقايا من صلواتِ الزهادِ في صوامعهم، وصيحاتِ الفرسانِ في بيدائهم، وقصصِ الجداتِ في ليالي السمرِ القديمة. إننا نحملُ في كوامننا «أنا» الجماعية التي تشكلت عبر العصور، وما «نحن» الآن إلا تجلٍّ معاصر من تجلياتِ ذلك المخزونِ العظيم.
ابن وقته: ضرورة الصيرورة والتجديد
ومع ذلك، فإنَّ الوجودَ الحقَّ لا يستقيمُ بالانكفاءِ التام على غبارِ الذاكرةِ المقدسة. أليسَ الإنسانُ هو «ابنُ وقتِه» كما يُقال؟ إنَّ حارةَ الدنيا تضجُّ بالحياةِ المتجددة في كل آن، والنجيبَ هو من يدركُ أنَّنا «كالبنيانِ المرصوصِ يَشدُّ بعضُه بعضًا»، ولكنَّ لبناتِه تُوضعُ بآمالِ اليوم وعرقِ اللحظة، لا بأحجارِ الأمسِ وحدها التي قد تنوء بها الكواهل.
إنَّ التمسك بما «كنا عليه» دون نظرٍ لِمَا «نحن» فيه، هو نوعٌ من التحنطِ الاختياريِّ، وهروبٌ من مسؤوليةِ الصيرورة. نحنُ لسنا مجردَ «نسخٍ» كربونية من أسلافنا، بل نحنُ الجوهرُ الذي يصهرُ المعدنَ القديم ليصيغَ منه حليًا جديدة تناسبُ زينةَ العصر وتحدياته. إنَّ «ما كنا عليه» هو المادةُ الخام، أما «نحنُ» فهي الصنعةُ، والإرادةُ، والنفحةُ الإلهية التي تجعلُ من الطينِ بشرًا سويًا يواجهُ أقدارَه بشجاعةِ العقلِ وقوةِ القلب.
إنَّ فصلَ المقالِ في هذه الجدلية، هو أنَّ الإنسانَ الحقيقيَّ ذاك الذي يجمعُ ببراعةٍ بين «أصالةِ المحتد» و«معاصرةِ المشهد». نحنُ لسنا «هذا» أو «ذاك» على سبيلِ الانفصال، بل نحنُ تلاحُمُ النهرِ بمجراه؛ فالماءُ متجددٌ حيٌّ يتدفق (نحن)، والمجرى ثابتٌ يحدد المسار (ما كنا عليه).
إنَّ من ينكرُ ما كان عليه هو كمن يقطعُ وريدَه ظنًا منه أنه يتحرر، ومن يحبسُ نفسه فيما كان عليه هو كمن يسكنُ القبورَ ظنًا منه أنه يحمي أصالتَه. إنَّ الذاكرةَ هي مأوى الأرواح، ولكنَّ الحاضرَ هو معملُ الأقدار. فمن ضيَّعَ ما كانَ عليه ضاعَ أصلُه، ومن اكتفى بما كانَ عليه ضاعَ مستقبلُه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.