إن سلسلة جبال الريف في بلاد الهبط، كما كانت تُعرف سابقًا، أو قبائل غمارة لفترة من الزمن، تُعرف اليوم باسم سلسلة جبال الريف. وهي تبتدئ بما يُعرف بجبل موسى على مشارف مضيق جبل طارق، مرورًا بهضاب من الأحجار الجيرية البيضاء إلى جبل غرغيز على مشارف مدينة تطوان، ثم جبل أكلي ببني حسان، ثم جبل تسملال الذي تقبع تحت سفحه مدينة شفشاون، ثم الجبل الأشهب، فتيزيران، فتدغين… وهكذا في سلسلة متواصلة من الجبال والهضاب، وإن اختلفت بيئاتها وطبيعتها، فإن الاسم الجامع بينها هو سلسلة جبال الريف.
وما يعنينا من هذا كله هو الجبل الأشهب، وهو بيت قصتنا ومكمن وقوعها.
لبُّ الموضوع
الجبل الأشهب، كما ذكره المؤرخون، أو جبل لقراع كما يُعرف محليًا، سُمِّي بهذا الاسم لعدم وجود الغابة في قمته، في حين تُحيط به الغابة، وخاصة أشجار الأرز المعمِّرة، من جميع الجوانب: يمينًا ويسارًا، شمالًا وجنوبًا. فأطلق عليه السكان المحليون هذا الاسم تشبيهًا له بالرجل الأقرع، الذي يخلو رأسه من الشعر بينما قد يكون جسده مكسوًا به.

ومن عجائب هذا الجبل أن قمته عبارة عن كتلة صخرية تكسوها الثلوج في فصل الشتاء، أما جوانبه فلا يكاد الثلج يفارقها صيفًا ولا شتاءً إلا نادرًا.
ومن سفوحه تنبع أنهار عدة؛ فمن الجهة الشمالية الشرقية ينبع وادٍ وشلالات أقشور، ومن الجهة الشمالية الجنوبية وادٍ يُعرف بـ وادي ماكوا، وهو وادٍ غزير المياه، وغير ذلك.
كما يحتضن هذا الجبل المنتزه الوطني لتلاسمطان، الذي يؤمه عدد لا بأس به من السياح.
الجبل الأشهب أعلاه قاحل وأسفله مثمر، وكلما مررت به ازددت عجبًا من حاله، خاصة عندما أرى بعض الناس يسكنون بالقرب من قمته الشاهقة، ويتأقلمون مع صعوبة تضاريسه وشدة برودته، فإذا زرتهم وجدت على محياهم ابتسامة دائمة، ورأيت فيهم حيويةً ونشاطًا لافتين.
بينما أنت، ما إن تبلغ تلك القمة، حتى تسري في جسدك قشعريرة البرد وترتعد فرائصك من شدته.
فقلت في أعماق نفسي: ما أصدق مقولة «الإنسان ابن بيئته».
وفي أحد الأيام الخريفية زرته مع فئة من الأخلاء، وكان الطريق لا يزال مكسوًّا بالثلوج، فضلًا عن قمته وجوانبه.
فإذا بالقرود تُحيط بنا من كل حدب وصوب، تنظر إلينا متعجبةً من حالنا، إذ كنا نرتدي لباسًا واقيًا من برد الثلج. فلما رآنا بعضُها على تلك الهيئة، صاح كبيرها كأنه يدعوهم للاجتماع، فإذا بهم يتقاطرون من كل ناحية، يطيرون فوق أغصان الأرز كأن لهم أجنحة، يمسكون الأغصان بمخالب أيديهم وأرجلهم، حتى اجتمع جلهم حولنا.
وما إن وصلوا حتى أخذوا يحدقون فينا، وتتغير تعابير وجوههم كأنهم يضحكون. فحاولنا الانزواء والتخفي خشية سطوتهم، لكثرتهم وقلة عددنا، إذ لم نكن سوى ثلاثة، وكانوا هم يربو عددهم على المئتين أو أكثر.
غير أنهم تفطنوا لما نريد فعله، فتسللوا إلى كل المنافذ، وفرضوا علينا حصارًا شاملًا، لا مهرب منه ولا مخبأ. فاستسلمنا لواقعنا، وقلنا: هذا قدرنا اليوم، ولا بد من البحث عن مخرج.
فقال أكثرنا خبرة: هل معكم طعام؟
قلنا: نعم، لدينا بعض الفواكه والخضر.
فقال: هاتوها.
فأخرجنا صندوقًا من التفاح من حاوية السيارة، وبدأ يناولهم تفاحةً تفاحة، وهم يتسابقون على أخذ نصيبهم، حتى كادت التفاحات تنتهي. ثم ناولهم بعض التمر، فلم نلبث بعد ذلك إلا قليلًا حتى انسحبوا انسحاب الجيش المنهزم من معركة ضارية، لا يلتفت بعضهم إلى بعض.
فواصلنا المسير حتى وصلنا إلى دار منفردة وسط غابة الأرز الكثيفة، يسكنها رجل مع أولاده. فسألناه عما حدث، فأخبرنا أنه من حراس الغابة، وأن القرود لا تؤذيه ولا أولاده، ولم يسبق لها أن هاجمت أحدًا هناك.
ثم نظر إلينا، وتفحَّص ثيابنا الصفراء التي كانت تبدو من بعيد كأنها مصابيح مشتعلة، وقال: لباسكم هو السبب فيما وقع، ولما أكرمتموهم بالطعام تركوكم وشأنكم. غيِّروا هذه الثياب بأخرى حتى لا يعترضوا سبيلكم مرة أخرى.
فأخذنا بمشورته، وغيَّرنا ملابسنا، ولم يعترض سبيلنا أحد بعد ذلك.
أقمنا هناك بضع ساعات، تناولنا وجبة الغداء، ثم قفلنا راجعين، ومررنا بأسراب منهم، ونحن نترقب ثورتهم كما في المرة الأولى، لكنهم لم يفعلوا شيئًا.
ما العبرة من هذه القصة؟
أولًا: إذا قصدت مكانًا موحشًا، فلا تذهب وحدك، بل احرص على الرفقة، فهي عونٌ لك ودفعٌ للمخاطر.
ثانيًا: إياك ولباس الشهرة أو اللباس المثير للانتباه، فإنه قد يعرِّضك للأذى من الإنس والحيوان معًا.
ثالثًا: استعن بأهل البلاد؛ فـ أهل مكة أدرى بشعابها.
رابعًا: الاجتماع والتعاون قوة لا يُستهان بها، واجتماع القرود وتعاونها علينا دليل ساطع على ذلك.
خامسًا: إذا وقعت في أزمة، فاعلم أن الله وهبك كنزًا ثمينًا هو العقل، فاستعمله ولا تُهمله، فبالتفكير تُستخرج الحلول.
سادسًا: لكل شيء ثمن، ومن أحسن المعاملة وقدَّم المقابل، كُفَّ عنه الأذى في كثير من الأحيان.
سابعًا: ما ذُكر في هذا المقال بعضه واقعي حدث فعلًا، وبعضه أُدرج لتزيين المعنى الأدبي وإثراء السرد.
مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في مشوراتي سعيد بابداء رايكم حولها
فايت لينا ذهبنا الى هذا المكان هو مكان جميل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.