الجانب المشرق للندم


لكلّ من يعتقد أنّ الحياة أو المواقف هي التي تعلّمنا، حسناً ليس بالشكل الدقيق، لكن أقول إنّ الندم هو فعلاً من يعلّمنا، لولا الندم لَما فكرت في عدم شرائك لقميصٍ من هذا المتجر؛ لأنك جرّبت قميصاً منه وكانت جودته رديئة، لولا الندم لما شربت قهوتك بدون سكّرٍ لأنّها لم تعجبك.

 لولا الندم لما فكرت في ترتيب أولوياتك وبناء مستقبلك بدلاً من أن تذهب وتبحث عن اللعب واللّهو مع الفتيات بسبب تعرّضك للخذلان من إحداهنّ.  

ولما فكرت أيضاً في تحديد مبادئ اختيارك لإحداهنّ؛ لأنّك في المرّة القادمة سوف تحكّم عقلك لا قلبك، وبالتالي سيحبّه قلبك؛ لأن عقلك رأى أنّه الاختيار الأفضل، وفي أغلب الأوقات يكون القلب هو المسيطر مجدداً ومُرحِّباً بخيبةٍ جديدة، كم هو خبيثٌ هذا العضو!

لولا النّدم لما رجعت إلى ربك بعد شعورك بالتقصير تجاهه سبحانه وتعالى، ولما علمت أيضاً أنّه سبب عافيتك وصحتك ورزقك وتدبير جميع أمور حياتك، ولولاه لما كنت موجوداً حيث أنت الآن، قال سبحانه وتعالى: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ".

الندم هو المعلّم والموجه الأول لإعادة ترتيب كلّ شيءٍ في حياتك، وعاطفتك، ومبادئك، وتفكيرك، ومستقبلك، وعملك.

إذا لم تندم فأنت في خطر!  

قد يعتقد البعض أنّ الندم الزائد أو تكرار الندم بكثرةٍ هو سذاجة أو عدم مسؤولية، لكن في الواقع الخطر هنا هو الشعور باللّامبالاة، وعدم الندم على أي شيءٍ؛ لأنّ الندم مرتبطٌ بضميرك الذي هو العامل الإنساني داخلك، الضمير هو الصوت الروحاني داخلك الذي يقول لك: "احذر! أنت أخطأت في شيءٍ وعليك إصلاحه"، وفقدان هذا الصوت يعني فقدان جزءٍ كبيرٍ من شخصيتك والجانب الجميل لديك.

 صوت ضميرك هو ما يجعلك متمسّكاً بشخصيتك رغم ما يحدث لك من صراعاتٍ خارجيةٍ وداخليةٍ، وهو أيضاً ما يجعلك محبوباً جداً لدى بعض الأشخاص الذين يعرفونك ويعرفون حقيقتك، وليس من العدل أبداً أن تغيّر من شخصيتك بسبب مواقف تحدث في حياتك إلّا إذا كان هذا التغيير للأفضل بالطبع.

أنت موجودٌ في هذه الدنيا لكي تعافر وتكافح لتصل إلى المطلوب مهما كانت معتقداتك أو أهدافك، فأنت موجودٌ لتحقّق الغاية في الوصول إليها، وهذا طبعاً بعد الرغبة في الوصول لرضا الله سبحانه وتعالى الذي دون رضاه وتوفيقه لك لن تصل لمبتغاك على الوجه الأكمل، بل عندما تنال رضا الله ستصل إلى ما لم تتوقعه قطّ.

 الحفاظ على شخصيتك جزءٌ كبيرٌ من مسؤوليتك، وكرامتك أيضاً جزءٌ من هذا الندم؛ لأنًك لن تتجرأ على التحرش بفتاةٍ مرّةً أخرى بعد أن يتم إهانة كرامتك من إحداهنّ، ولن تذل من نفسك مرّةً أخرى في سبيل استرضاء شخصٍ هو في الأصل لا يراك ولا يقدّر تعبك.

الندم هنا هو سبيلك للنجاة من الوقوع في هذه الأخطاء مرّةً أخرى؛ لأنًك ستكون بعدها فكّرت ألف مرّةٍ بعد أن تتخذ خطوةً في فعل هذا الخطأ مجدداً.

بعد هذا الحديث إن لم تكن من محبي الندم، ولم ترَ الجانب المشرق فيه بعد، سأقصّ عليك قصةً قصيرةً مشهورة.

قصيدةٌ كتبها الشاعر الكبير أحمد شوقي، وهي قصة حمامة سيدنا سليمان - عليه السلام - التي كانت مقرّبة جداً له، وأكثرهم استقامةً وأمانةً ووفاءً له، وكان يرسل معها رسائله إلى عماله، وفي أحد الأيام أرسلها لخليفته القائم على (رامة) تبلغه السلام، ومعها ثلاث رسائل فيها تكريمٌ للحمامة على أمانتها واستقامتها، لكن ما الذي فعلته الحمامة في المقابل؟ هذا ما سنعرفه.

يقول شوقي:

كــــان ابن داود يقــــرِّب فـــي مجـالسـه حـمامــةْ

 خدمته عـمراً مثلـما قد شــاء صـدقـاً واسـتقامـــةْ

فــمـضــت إلــى عُـمَّــالـــه يومـاً تـبلـغــهم سـلامهْ

 والكُتْبُ تحـت جـناحها كُتِبَت لها في الكرامـةْ

فــأرادت الحــمـقـاء تعـرف مـن رسائلـــه مــرامــهْ

عَمَـدَت لأولــهـا وكـــان إلـــى خــلـيفـتـه بـِ (رامـــه)  

فرأتــــه يأمـــر فــيـه عـامـلـه بتـــاج للحــمـامـــةْ

ويقول: وفّوها الرِّعايـة في الرحيل وفي الإقامةْ

ويشير في الثاني بأن تُعطَى رياضاً في تهامـةْ

وأتت لثالثها ولـــم تسـتـــح أن فَضَّـــت خِـتامـــه

فرأتــه يأمر أن تكـون لهـا علـى الطير الزعامـةْ

فبكـت لـذاك تَنَدُّماً هـيهـات لا تُجـدي الندامـــةْ

وأتـت نبــي الله وهــي تقول يا رب السـلامـــــــةْ

قالت فقَدْتُ الكُتْبَ يا مــولاي في أرض اليمامـــةْ

لتسرّعــي لمَّــا أتانـي البــاز يدفعـنـي أمـامــــــه

 فأجــاب: بل جـئـت الــذي كــادت تقوم له القيامةْ

لكـــن كــفـاك عُـقُوْبة مـن خـان خانته الكرامةْ

الفضول، والكذب، والخيانة، والتسرع.

ثلاث صفات قد تهلكنا إن استخدمناها استخداماً خاطئاً:  

  1. فضول الحمامة الزائد جعلها تفتح الرسائل وتقرؤها وبالتالي هي خانت الأمانة الموكلة إليها من سيدها.

  2. التسرع أدى إلى تندّمها ندماً شديداً على فعلتها ممّا جعلها تكذب بسبب الذنب الذي ارتكبته وهو خيانة الأمانة الذي هو إحدى علامات الساعة.

الفضول نعمةٌ من الله، زرعه فينا لكي نستخدمه في التعرّف على الله وعلى ما هو صالح لنا، وله حدودٌ لا يجب الخروج عنها، وهو شهوةٌ خطيرةٌ يجب التحكّم بها؛ لكي لا نقع في تصرفاتٍ تجعلنا نندم مثلما فعلت الحمامة، فلا يجب أن نكون فضوليين تجاه كل شيءٍ نراه أو نسمعه، فلا يجب أن تكون فضولياً لسماع سر من شخصٍ هو أصلاً لا يريد أن يخبرك به؛ لأنّه خاص به، ثم تقول: إنّه لا يثق بك، بل هي خصوصيته ومساحته الخاصة، وفعلك هذا هو تجاوز لهذه المساحة، وهذا يجعل الناس ينفرون من هذا الشخص المفرط في فضوله.

في الواقع، إنً أفضل ما في الأمر هو تركنا ما لا يعنينا؛ لأنه من تدخّل فيما لا يعنيه سَمِع ما لا يرضيه.

أمّا التسرع فهو تصرّفٌ يجعلنا نخسر الكثير من الأشخاص والأوقات الجميلة واللحظات الثمينة، فكم خسرنا من أشخاصٍ نتيجة تسرعنا في الحكم عليهم بسبب تأثرنا ببعض مواقف الخذلان التي حدثت من أشخاصٍ آخرين! أعني ما ذنب هذا الشخص في فعلةٍ ارتكبها غيره؟ بمعنى آخر لمَ يدفع شخصٌ حساباً لم يدفع ثمنه شخصٌ آخر؟

 هناك مثلٌ مصري مشهور يقول: "من احترق من الحساء فلينفخ في المثلجات"، في الواقع أجد هذا المثل غريباً وظالماً جداً في نفس الوقت، لأنّه لماذا عليّ النفخ في المثلجات الباردة؛ لأنّني تعرضت للحرق من الحساء الساخن فما العلاقة؟!

 طالما أنّ المثلجات باردةٌ أصلاً، لمَ عليّ النفخ فيها؟ فأنا لم أحترق منها لكي أنفخ فيها، وأعتقد أنّه يجب أن يتم تعديل هذا المثال إلى "من احترق من الحساء فلا يشربه ساخناً مرةً أخرى" أو "من احترق من الحساء فليبرّد لسانه بالمثلجات"، المقصود هو عدم التسرّع وجعل شخص يدفع ثمن خطأ ارتكبه شخصٌ آخر.

  1. الكذب والخيانة صفتان غير محببتين، وقد تصدر منّا دون قصدٍ أو وعي في بعض الأحيان.

ما نستخلصه من هذه القصة هو التحكّم في الفضول وعدم التسرع، وصيانة الأمانة، وتجنّب الكذب هذا سيجنبّنا الوقوع في مواقف تشعرنا بالندم.

وهناك تصرفٌ آخرُ أود إضافته وهو الغضب.

  1. الغضب: في كتاب "حديث المساء" للكاتب أدهم الشرقاوي كتب عن قصة ملك عاد إلى قصره في ليلةٍ باردة، فوجد حارساً بملابس رقيقةٍ فسأله: "ألَا تشعر بالبرد"؟ قال له الحارس: "أجل، ولكن ليس معي ملابس تدفئني ولا سبيل لي سوى الصبر".

فقال له الملك: "سأدخل وآمرهم أن يحضروا لك الملابس"، فدخل الملك القصر ونسي الحارس.

 وفي الصباح كان الحارس قد فارق الحياة وكتب رسالةً للملك يقول فيها: "أيها الملك، كنت أتحمل البرد في كل ليلةٍ صامداً، لكن وعدك لي بالملابس الدافئة سلبني قوّتي وقتلني".

أحد الدروس المستفادة من هذه القصة:

 قال الكاتب: "لا تتخذ قراراً وأنت في شدّة غضبك، ولا تقطع وعداً وأنت في شدّة فرحك، الغضب يعمي العقل فتريّث، والفرح يغرقك في نشوته فتمهّل".

عندما نغضب لا نفكّر إلا في الانتقام، وكلُّ قرارٍ يضرمه الحقد قرارٌ خاطئ، وعندما نفرح لا نفكر إلا بالمكافأة، وكلّ قرارٍ في نشوة الفرح متسرّع، فأمسك زمام نفسك.

بمعنى آخر، لا تأخذ قراراً في غضبك؛ لكيلا تندم عليه، ولا تقطع وعداً في فرحك؛ لكي لا تكتشف مستقبلاً أنّك لا تقدر على تنفيذ هذا الوعد.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب