في ظل المصاعب الجمة التي يواجهها المرء في مسيرة حياته، ومع تقلبات التحديات التي تحيط به من كل جانب، يقف الإنسان مراقبًا للفرج، منتظرًا بفارغ الصبر أن تنجلي الغمة وتنقشع ظلمة السحاب الركامية.
في كل يوم يرقب الأفق، وفي كل ساعة يتحرى انبلاج الصبح، إلا إن الليل الحالك لا ينجلي بالسرعة المأمولة، بل كأن ساعاته تمتد، وثوانيه تتثاقل؛ فتغدو الثانية في ثقل الدقيقة، والدقيقة في طول الساعة. إن المنتظر لصبحه في هذا الضيق كالجالس على الجمر، وما أصدق وصف امرئ القيس في معلقته حين قال:
وَلَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُولَهُ ... عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُومِ لِيَبْتَلِي
رمزية الجمر والجلوس عليه
يعد الجمر رمزًا صارخًا لصعوبة الوضع وخطورته، أما الجلوس عليه فهو أقصى درجات الصبر والمبالغة فيه؛ إذ لا يقوى بشر على ملامسة الجمر، فكيف بالاستواء عليه وهو يحرق الأجساد ويذيقها الألم البليغ؟ إن الذي يعاني من مرارة الانتظار وترقُّب الفرج، يشعر وكأن روحه تتلظى فوق لهيب مستعر، ونفسيته تتقطع كمدًا، لكنه يظل صامدًا رغم احتراق وجدانه، ينتظر ما تؤول إليه الأوضاع؛ فلعلها تزداد سوءًا فيتضاعف الألم، أو تزول أسباب الغمة فتبدو تباشير الفجر في الأفق البعيد.
بين الاختيار والإجبار
إن الجالسين على الجمر صنفان؛ فمنهم من اختار ذلك طواعية، وهم الذين سعوا بأنفسهم نحو بوتقة الأزمات، وربما يجدون في ذلك نوعًا من التلذذ الممزوج بالألم، يشبه في ملمحه حالة «السادية» أو عشق المعاناة، حيث يتحملون ما تنوء الجبال بحمله في سبيل غاية أو متعة عابرة.

هؤلاء كالحطب الذي يشتعل ليصير رمادًا؛ فالحطب يحترق ليدفئ الآخرين لحظة اضطرامه، وكذلك من يلقي بنفسه في أتون العذاب لنفع عابر، سرعان ما ينتهي به الأمر إلى إنهاك جسده المكلوم واستهلاك روحه.
أما الصنف الآخر، فهم المجبرون على اعتلاء الجمر، كالمسلوبة حريته ظلمًا وهو يرقب لحظة الإفراج، يمر عليه اليوم كأنه شهر، والشهر كأنه سنة أو دهر.
ومثلهم المريض الذي يترقب الشفاء وينهشه الوجع، أو المسافر الذي طال اغترابه واشتد شوقه لبلده وذويه.
واقعنا المعاصر والجمر الداخلي
إن ما نعيشه في واقعنا المعاصر يجسد هذا المعنى بأبهى صوره؛ فأزماتنا المتلاحقة، اقتصادية كانت أم صحية أم نفسية، غدت كقطع الليل المظلم التي يحتار فيها الحليم، فلا يدري ما يقدم ولا ما يؤخر. أصحاب هذه الأزمات جالسون فعليًا على جمر التحديات العصرية ومتطلباتها المرهقة.
ولعل أصعب أنواع هذا اللهيب هو «الجمر الداخلي»؛ تلك المعاناة التي يخوضها الإنسان مع روحه، حيث الشك والريبة ينخران في كيانه، والصراع المستميت مع الذات والمعتقدات. تجده اليوم يمضي ذات اليمين، وفجأة يرتد نحو اليسار، ثم يقف حائرًا في الوسط؛ فالإنسان المعاصر لا يقر له قرار، يعيش في صراع دائم مع هويته ومبادئه.
ثبات الصفوة
يبقى الاختبار الأصعب هو الاختيار بين الحق والباطل؛ ذلك المفترق الذي لا ينجح في عبوره إلا من أتقن «فن الجلوس على الصبر». فالباطل له أعوان كثر، وهو كشعلة نار متوقدة تهدد بإحراق كل من التزم بالحق. لذا، فإن الجالسين على الجمر الصابرين على لأوائه هم «صفوة الصفوة»، خاصة إذا كان ثباتهم نابعًا من إيمان عميق رغم الإجبار والمضايقات.
خاتمة الأمل
ومع قسوة هذا المشهد، تظل أبواب الأمل مشرعة على مصراعيها. فكما أن النار تحرق، فهي أيضًا تطهر وتصفي معدن الذهب؛ فتذهب بالشوائب وتُبقي المعدن خالصًا نقيًا. كذلك هي المحن والجلوس على جمر الحياة، ففي لهيبها يُعرف العدو من الصديق، والمخلص من الكاذب؛ إذ إن معادن الرجال لا تنجلي حقيقتها إلا عند اشتداد الأزمات ومواجهة الشدائد.
مرحبا بكم أصدقائي الأوفياء في صفحتي المتواضعة اقرءوا مقالاتي وابدوا رأيكم حول ما كتبت
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.