الجاحظ وقضية اللفظ والمعنى.. معركة الهوية وثقافة اللغة

لم تكن قضية «اللفظ والمعنى» خالصة الصلة بالأدب والنقد والبلاغة، بل متصلة بفعل إنجاز الفرد والمجتمع للغة. ومن أبرز العلماء الذين نظروا في هذه القضية «الجاحظ». وقد اتخذ من كلام العامة ومحادثاتهم، أو الخاصة ومحاوراتهم، مادة للنقاش والتأمل.

إن قضية اللفظ والمعنى ليست قضية نقدية بالدرجة الأولى بقدر كونها قضية اجتماعية وفكرية وثقافية، وربما نشأت هذه القضية في ظل صراع فكري وثقافي وحضاري واجتماعي، يدور في فلك اللغة بوصفها مظهرًا أساسيًّا، وينسحب على بقية النواحي بما عُرف باسم الشعوبية.

وما يؤكد عناية الجاحظ بالبعد الاجتماعي التعبيري للغة، وليس اللفظ على حساب المعنى، هو تأليفه لكتاب «البيان والتبيين»، إذ بحث البيان في أهم معانيه، وهو طرائق التعبير عن المعنى، والمسالك الموفية إليه، والكاشفة لستره.

الجاحظ والشعوبية.. معركة الهوية اللغوية

إن هاجسًا واضحًا قد أرق الجاحظ، كما أرق الفكر العربي يومها وما يزال، وهو هاجس اللغة والأمة، وإن اختلفت مسالك هذا الهاجس أو تعددت بواعثه، كقولهم: «الشعر ديوان العرب»، وهو علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه.

ما يؤكد عناية الجاحظ بالبعد الاجتماعي التعبيري للغة وليس اللفظ على حساب المعنى هو تأليفه كتاب «البيان والتبيين»

وواجه الجاحظ صراعًا يرى أن العقل العربي وغير العربي متساويان في التفكير، ومتساويان في التعبير باللفظ العربي، وإن كان المتكلم هجينًا، أو كان القول صادرًا عمن لا يجيد من العربية إلا يسيرًا.

اللغة والانتماء والهوية

إذا كانت الثوابت البنيوية والتاريخية في المجتمع تسم الهوية الثقافية العامة لأمة ما، أو دولة، أو مجموعة دول بانتماءات مشتركة، وكان من الواجب تنميتها في الوعي الجمعي، فإن الاختلال في هذه الثوابت أو بعضها يؤدي إلى النقيض من بناء الهوية المشتركة.

إن اللغة تمثل هوية الأمة، كما يمثل الاسم هوية الفرد. والاسم علم مشير للفرد في صورته الساذجة والاتصالية في حدها الأدنى.

واللغة وسيط التفكير والفكر، ولمعرفة الساسة والمفكرين بأهمية الحرف واللغة، فقد أعلن أتاتورك عام 1929م استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية؛ اعتقادًا منه أن الحرف وسيط العقل، وهذا التغيير يوضح بجلاء الأهمية الرمزية للوسيط اللغوي في الاتصال.

إن وجود هجنة لغوية على المستوى المحلي أو الرسمي، في الأدب، أو الخطابات العامة، أو الخطاب السياسي، أو التداولات اللغوية اليومية، فإن ذلك يعني تفكك عُرى وأواصر الانتماء المشترك واضمحلاله تدريجيًّا في الوعي الجمعي.

والخلل الذي في كلام العجمة أو الهجنة ليس في إيصال النفع من اللغة، بل في أدائهم للغة وفق نظام، أو في استعمال اللغة بوصفها نظامًا له قوانينه، وعلاقاته، ووسائله، ومظاهره.

رؤية الجاحظ.. شروط البلاغة وأبعادها الاجتماعية

اتخذ الجاحظ من المحادثة مؤشرًا على اللغة والمجتمع، فالمحادثة تمثل صيغة التفاعل اللغوي المطلق، صيغة يتفاعل بها المشتركون في الحدث مباشرة في سياق ملموس، وبذلك ينفذون نشاطًا اجتماعيًّا تعاونيًّا.

وإذا كان المنظور الاجتماعي والأخلاقي ما مثَّل محددات تصور الجاحظ للعلاقة بين اللفظ والمعنى، فالذي يبدو أن هذا المحدد قد جاء نتيجة الصراع الثقافي والاجتماعي الدائر حينها، بما عُرف بالشعوبية، وبما سببه الاختلاط والامتزاج بين الأمم والشعوب والألسن.

إن دور الجاحظ في تناوله للقضايا النقدية «عامة» يحكمه مساران أساسيان:

  • المسار الأولالتأمل في الحراك الاجتماعي أو الصراع الثقافي الاجتماعي.
  • المسار الثانيرؤيته لطبيعة العلاقة بين الناقد والنص.

المنجز اللغوي «الاتصالي» وأبعاده الاجتماعية والثقافية

قال الجاحظ: «والعتابي حين زعم أن كل من أفهمك حاجته فهو بليغ، لم يَعْنِ أن كل من أفهمنا من معاشر المولدين والبلديين قصده ومعناه، بالكلام الملحون، والمعدول عن جهته، والمصروف عن حقه، أنه محكوم له بالبلاغة كيف كان، بعد أن نكون قد فهمنا عنه».

من هنا نستنتج قضايا وإشارات -في تنفيذ المحادثة اللغوية- ذات أبعاد اتصالية واجتماعية وثقافية تؤكد العلاقة القائمة بين الاتصال اللغوي والهوية الاجتماعية والثقافية والفكرية:

  • لا يقتصر الأداء الاتصالي الجيد على إفهام الحاجة، ولكن عليه الالتزام برباط النظام اللغوي.
  • التوقف عند مستوى إبلاغ الحاجة أو إفهامها يعني: إمكانية التخاطب بأي لهجة وهجنة، وفي أي موقف.
  • اللغة تعبير عن جماعة، وتمثل عقدًا اجتماعيًّا مبرمًا بين أبناء المجتمع الواحد.
  • اللغة شرط من شروط تكوين وإنتاج الثقافة.
  • الجاحظ يُنبه بعمله هذا إلى أهمية العلاقة القوية بين الوجود الحضاري والفكري والحضور اللغوي.
  • الجاحظ يخشى أن تتحول علاقة المثقف أو المتعامل باللغة بما حوله إلى علاقة لغوية نظرية خالية من الممارسة.

المنجز اللغوي «الأدبي والفني» وأبعاده الفنية والثقافية

إن الجاحظ قد نظر إلى طريقة وصورة إخراج النص أولًا، ثم ما يكتنف هذا النص من الإعمال والتدقيق، وفقًا لمذهب العرب الأدبي والفني، فخير الشعر الحولي المحك، ثم الصورة الفنية التي تنتج عن النص أو يُنتجها النص مرتبطًا بمدلولات اجتماعية وفكرية وثقافية وتاريخية.

وأوضح الجاحظ أن الشعر ضرب من النسج. ويرى أحد الباحثين أن عقد العرب الصلة بين الشعر والفنون التصويرية كان على أساس أن الفنون التصويرية كانت تتصرف في كلامهم إلى الفنون النفعية.

والعلاقة بين الشعر والصناعة هي علاقة اشتراك الصناعة والشعر بالفنون الجميلة، لانتمائها جميعًا من ناحية القوى الصانعة إلى الحس والذهن.

والشاعر يعمل عمل الرسام والملون، والفرق في الأدوات المستعملة في العمل الفني لكل منهما.

المنجز اللغوي ومفهوم التناسب الاجتماعي واللغوي

لم تكن الثنائية «الغلمان والجواري، اللفظ والمعنى، التمادح والتعايب.. ذكر الشيء ونقيضه أو منافسه» التي نلفيها في أدبيات الجاحظ دومًا إلا صورة من صور التعدد وثنائية الطبقات التي يعيشها المجتمع.

ولم تكن اللفظة التي يُشترط فيها انسجام وحداتها الصوتية ورفعتها إلا تعبيرًا عن الفرد في المجتمع، ثم إن تلاحم الألفاظ في انسجام وتناغم وحسن سبك، لم يكن إلا تعبيرًا عن الفرد في المجتمع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.