التّقريب


جرت التدابير على أن يُسلب كل عطاء لامس حدّ الغِنى حتى يُظنّ استحالة الفناء لِزامًا لمُكتَسب بلا عدم يكِلُه العَمِيُّ لنفسه، وحينئذ يزول المانع من زواله ويبقى كلُّ امرئ على حاله الضعيف المقهور بعد أن تملّكه الغرور بنعمة الشَّكور. وهذا يا عجبًا ذاته حال من تقصّد الجحد وتصدّى للعطيّة بالمَنع وهان عليه ردّ الملبوس بوجه عبوس.

وقد يقطف الورد من كان ناعم اليدين خشن القلب، فيُدمي ويُذبل ويجني ولا يخجل. هذا وإن من الفراسة لما يُغني عن الحديث ومن الكياسة لما يجلب الود ويهدم ما بين المتآلفين من منع وصدّ. وفصل القول إنه ليس قدّاما يتهيّأ إلا قول لازم لمُظفّر حازم، يشهد بالتوحيد ويتبع النهج السديد وينال عند الجدّ ويصفح ملازمًا للودّ ويبذل من خيره ويتّقى بالتّورية شرّ غيره، فصيحٌ مليح طويل اليد لا شحيح، سليم عقله نادر طبعه، فهل إن قصد الباب حريٌّ ردّه؟ وإن كان في الحديث تخل عن المستور وخوض المحظور فإن فيه تجلٍ لمعاني لو يُسكت عنها يكون في الوقت بركة الصمت والسكون.

ولعل في الإفصاح ما إيضاحًا للغوامض وتجلية وتبيان لما استشكل على للحيارى، ولكن خيرٌ منه الإحجام عن الكلام في معاني تصدر من النفس ولا تصدر إلا منها، وإنه لمن عجيب البيان السكوت. وقد تتلاشى التفاصيل وتضمحل وتبرز مكانها تفاصيل أخرى دالة على عمل الدنيا في القلب ناقلة عملها عليه عملًا على تضاريس الجسد بعد أن أنهكت النفس جريًا وراء تضاريسها. والشكّ يغدو ويرجع يعمل في النفس كما يعمل القحط في الجدب فلا يذر بواحات الفكر عجمة إلا رماها بالكفر ولا عروبة إلا وشخّصها على هيئة من الصلاح فكان فارق ما بين الفتور والنفور كما الفارق بين جزيئات الدم في العروق يشد بعضها أزر بعض، فاشتبكت عنده بذلك المعاني بعضها ببعض فلم يقدر على تمحيص الموجب للودّ من المانع عن الصّد ولا تمحيص كساء من الوجاء.

حُبست الأنفاس وعمّ الصمت وتطاول الشرود وانقطعت كل صلة بينه وبين الحركة، فليس إلّا دقات القلب المتقطّعة شاهدة على استمرارية بعض معاني هزيلة للعيش، مع ملامح ضئيلة للحياة. وتطاولت تلك اللحظات رغم قصرها، وقد كان من شدّة الصمت يسمع سريان الدم يتدفق في عروقه وفي رأسه أيضًا، ويُولج ويُخرج من العقل تسامرهُ مع نفسه بالأحاديث ما بين الناصية والقلب. كان جاثيًا يستمع بإمعان شديد، ربما لأنه لأول مرة يسمع حديث القلب والعقل مباشرة من غير أن ينقل له أحدهما منه شيئًا.

وربّما هذا لأنهما قد قرّرا بعد خصام مديد أن يُحضراه فيُسمعاه ما بينهما من خلاف ويحكّمانه فيه. ومرَّت اللحظات بمتراخية، وكاد العقل يتمادى في سباته بها لولا أصوات خارجة عن المعتاد تسري في الجو نحوه فانتفض من مخيّلته وترك قلبه ينازع الحقيقة متشبّثا بقشّة من وهم، وانتشرت أعضاؤه من جديد كل إلى مكانه بعد أن استجمعت في حضرة خلافيّة بين المادية التي فيها والمعنوية التي له.

وبينما هما يتنازعان إذ تنقض على مادّته وجسده قوة حقيقية تُنازعه أنفاسه هو يجذب وهي تنفخ في فمه كما الكير وتقبض بما يشبه اليدين الخشنتين على رقبته مانعة عنه أن يشهق، هذا والقلب لا يزال في سكرته وجنونه يحدّث الأعضاء بالرجوع نحو الوهم ويُرغّبهم ويغريهم بجمال المشهد الذي هو فيه، في صورة أشد ما تكون من خذلان القوى الداخلية للأعضاء الخارجية التي تمثل عنده معنى الاستمرار الظاهر للحياة، وكأن القلب يدعو الجسد للاستكانة والاطمئنان لمشهد الموت مُحاكيا تملّصه ومؤكّدا بأبشع الطرق أنه قد أيقن لأنه واهم ولكنّه حبيس للوهم ولا نزاع إلا بنزع الروح عن الجسد، ولذلك تخلّف بجميع قوّته عن نجدة مادية الجسد وترك الأعضاء تتنعّم بأحاسيس الهلاك وهو في سكرته وتعاميه.

أما العقل فقد اتخذ هنالك على جنب مقعدًا للحكم الباتّ بانتزاع القلب أو منعه البتّة من الظهور في أي من مهمات الجسد ومسائله بعد ما حصل. ولا زالت أعضاؤه ترتعش وأنفاسه تخفت حتى أقبلت سطوة العقل بجحافل الحقيقة تطمس الوهم وتهلك كل ذراته وتزيح كل عائق بينه وبين النجاة، وأخذ يصارع الموت المتدفق من هنالك بكلّ جهده حتى أجهز هو على طائفة الموت. وعمّ السكون طوال تلك الليلة... ثم ماذا؟ ثم الصّمت والتّفكّر في حضرة الماضي!! ثم يعود نسق العقل إلى مجراه الاعتيادي، حيث تتحدّث خيالات الظلام بما جرى به الدّم وخفق به القلب من ألم كجهد البلاء.

وكم من مشتاق يلعب به الهوى كما تلعب النسمات بأوراق الشجر.. وفي الخريف تجعلها تتساقط بخفة لعبًا يبدأ بالحنان وينتهي إلى الهيجان حتى يبلغ بالنسمات أن تجعل الشجرة أغصانًا مجرّدة عارية يبصر وهنها كل شيء، فيعلم حقيقة ما كان يختفي تحت ما أبدته في الربيع وزمن الإثمار من جمال وينجلي كل ما خبّأتْه من أسرار.

وكأنني غريق في بحر من الهوى يلفظ أنفاسه من القعر فيسفّ من رماله ما يجد معه الشهقة التي بها يجمع قوته ليطفو من جديد على سطح الهوى مستمدًا طوقًا للنجاة من غيرها فيهبُها كلّ المعاني التي استنزفها قلمه للأولى، وكأنّه يُحب لمعنى الحب لا لذات المحبوبة، وذلك أنّ المحبة إن طغت عن حدّها غيرت ما في مكوّنات الوجدان، وإن استقامت لم تأتِ إلا بالمعاني الحسان.

فصرتُ بعدها كمن ينقض جدائل العشّاق يبحث له عن ترياق يشفيه من علّاتها أو يشرب من جداول الأشواق قصّة حزينة تشعل لهيبه حتّى الاحتراق. وكانت منّي يومئذ كما لو أن للنفس أبلغ كلمات لكانت هي معناها، ولإن يغفل القلب عنها سهوا يرجع مسرعًا متوهّجا يلتفتُ هنا وهناك هل رأى غفلته عنها أحد، حتّى وهي في أشد ما يكون من قسوة تمرّ عليّ بوابل من برسِها والقلب يخالطه مع الألم شيء من الحنين، لأنّ في قسوتها بعض من الرّفق لا يُدركه إلا من استوعب فكرها بعد طول بحث كما استوعبت هي قلبه بعد طول انشغال.

أمّا عن الأذى فقد حدث وإنما يتأسف المرء على ما سلف، ولكن أذاك أحدث ما لا يجبره الحديث، وليتك آذيتني متقصدة ذاتي، فحينئذ أقول إنني حرّكت داخلك شيئا جعلك تردين لي الجميل، ولكنك آذيتني سهوا فتركتني أذوق صديدًا من أثر ما خرّبتيه من نفسي خرج من فؤادي بالغًا الحلق فإما أن أمجّه فأخرج فؤادي من جسدي، وإما أن أردّه فأستمتع بحرقه الصديد حتّى يسجوَ الفؤاد أو ينصهر دونك.

ذلك أنني كلما صادفت عيناي بعدها امرأة وحدثتني نفسي عن بعض ما تبديه من تبرّج أو زخرف، رجعت إلى نظري مستهزئًا مستهترًا، وتذكرتها وازددت يقينًا بقبح كل من سواها على ما بلغني. ولقد ندمت على كل طرفة طرفتها لامرأة غيرها هي. وإنها لتمرّ على ساعات شغل أو نوم ثم أتذكرها فأنشرح هنيهة ثم يقشعر قلبي ويهتز بالأنين صدري ويأخذني البؤس ويذرفني كحبات رمل في مصطلى قد اسودّت ناره فكأنني حباتُ بلّور مجتمعة تشفّ عما في فؤادي فأكشف لكل راء أني أهواها، وأنني بحوزتها وفي حماها أطلب ملجأ من براري القحط والبأس دونها.

ولقد أخفقت عبراتي في الهطول مطرًا تنقّي الفؤاد من رواسب الأمل أمام تهافت المريدين، يسعى كلهم في تودد لنيل مناهم في ذاتها المتشوّفة والمتشوّقة لشيء ما لست أدركه وإن كنت أدعي الفراسة. وتهاوت عزيمتي قدام جحافل المتقربين وشبت نار اليأس تأكل أملي من منبته وتحرق لباب وأصل الفكرة وتوابعها فأصبح لا معنى يجيده فؤادي فيك غير اليأس، ولا عنوان لرسالتي هذه غير البؤس أحمل رايته وأتفانى في حمايته.

والكل ساعٍ وأنا بكلّ جهدي أدحض أطروحة المستحيل وأفنّد قول العاقل وأبحث عن حجج من الأساطير أقذف بها في نار الحقيقة التي أكلت كل مزاعمي في أمل فيك. وإني لأعلم أنه ليس بين طريقينا نقطة التقاء وأن كل الذي بيننا حواجز مصنوعة من وهم وأغلبها متجسدة في حقيقتنا راسخة في فرائسنا، ولكنني أحاول اعتباطا أن أجعل لنا مستقبلًا غير الذي في الأذهان إذ الهوى شيء مما تعجز عنه العقول وتتخبط في تأويله الطبائع وتحتار في تفسير مجرياته حكماء الدنيا وصنّاع السياسات المتضلعون في علم الطبائع والإرادات.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب