التوازن المطلوب في لعبة القلوب

التوازن يقف خلف كل مظاهر الحياة والكون، وفقدان التوازن يعني الغياب والانتهاء، وهناك نقطة محددة تحدد استمرارية التوازن تسمى نقطة الاتزان، وهي مؤشر وجود التوازن، وينكسر الاتزان لحظات التغير من حال لحال، لكنه سرعان ما يعود للتوازن، وعندما لا يعود التوازن تنتهي أي ظاهرة أو علاقة إلى الفناء والدمار والتلاشي.

اقرأ أيضًا فساد الأخلاق والتعامل مع العلاقات السامة

التوازن المطلوب في لعبة القلوب

هكذا العلاقات الإنسانية يحكمها قوانين التوازن ونقطة الاتزان، البعض يكسرون هذه القوانين لأسباب عديدة، لكن بقاء علاقاتهم محكوم بقوانين التوازن؛ التوازن في العلاقات العامة هو قوانين العدل والتي تعود لفرض نفسها بعد فترات من الكسر المتعمد أو الجاهلي لقوانين العدل.

في العلاقات الإنسانية الحميمة التوازن هو الضمان الوحيد لنجاحها واستمرارها...

أما كسر التوازن فهو طريق الخسران، وكل حدث أو علاقة يفتقد التوازن ما له إلا الفشل والضياع والانقشاع... 

وليس المقصود بكلمة لعبة هو إضفاء طبيعة الملهاة على عملية الحب، ولكن إضفاء طبيعة الصراع والحيوية على هذه العملية.

فالصراع هو عامل أساسي في إزكاء عملية الحب واشتعاله، ولا يعني الصراع في الحب سوى الكفاح من أجل إثبات تشارك الطرفين في عواطف تبادلية.

فالعلاقة الإنسانية هي علاقة مشاركة بين طرفين ولا يستطيع أي فرد أن يلعبها منفردًا، وفي هذه اللعبة يريد كل فرد أن يتجاوز كيانه إلى كيان الآخر عبر العطاء والاهتمام، وفي نفس الوقت يريد أن يحس أن الطرف الآخر يفعل نفس الشيء وبذلك تصح قواعد اللعبة.

وفي هذه العلاقة يسعى كل طرف للتأكد أنه محور عواطف الطرف الآخر، لذا يسعى الطرفان أيضًا لإثبات أنهما المحورين الوحيدين لاهتمامهما، وفي نفس الوقت لا يمكن لطرف أن يبوح للآخر بكل عواطفه دون أن يتبادل مع البواح الطرف الآخر.

وهنا تكون أول نقطة اتزان بين الطرفين، فعندما يبدأ أحد الطرفين بإخراج كل عواطفه دون أن يبدأ الطرف الآخر بنفس القدر هنا ينكسر الاتزان وقد تكون هذه بداية فشل العلاقة.

اقرأ أيضًا العتاب لا يقدم شيئاً.. خاطرة وجدانية

ما هي ضرورة التوازن لعلاقات الحب؟

ما يضفي الإثارة والروعة على عملية الحب هو التوازن بين الطرفين في الفعل ورد الفعل، التوازن في العطاء العاطفي والاهتمام، وهو أيضًا التوازن بين العطاء والأخذ، وعندما يبالغ أحد الطرفين في العطاء دون استجابة متوازنة من الآخر فهذا مؤشر على عدم سلامة عملية الحب.

الاندفاع في العطاء قد يعتبره البعض مؤشرا على عاطفية هذا الشخص ومثاليته، وقد يكون هذا صحيحا في بعض الحالات، لكنه أيضا قد يعني اندفاعا لتملك الآخر دون إعطائه الفرصة لتولد ونمو مشاعره.

اندفاع أحد الطرفين قد يُولد في الآخر الإحساس بالضيق أو الخوف لأنه لم تُتح له الفرصة كي يعبر عن مشاعره، وهو أيضا لم يجد الوقت الكافي لتبين مشاعره.

هو أكيد يريد الاحتفاظ بالطرف الذي اهتم به، ولكنه أيضًا لم يكن على نفس الدرجة من الاهتمام المبالغ الذي يبديه الطرف الأول، فهو لا يريد الانسياق وراء عواطف الطرف الأول، ولكنه يجاريه حتى يتبين صدق عواطفه.

وبعض ممن يتعرضون لعواطف مبالغة قد يعمدون إلى انتهاز هذا الوضع كي يحققوا مكسبًا في العلاقة، بحيث تكون لهم الكلمة العليا، وهنا تتحول علاقة الحب إلى علاقة استخدام.

وكي يحافظوا على هذه العلاقة يتحفظون على مشاعرهم ويستخدمون عواطف الطرف الآخر في تحقيق مصالح عاطفية، أو مادية، لأنفسهم ببذل أقل ما يمكن للحفاظ على عواطف الشخص الآخر المتأججة.

وكثيرة هي القصص التي تروي كيف أن أحد الطرفين يستغل عواطف الآخر في تحقيق مصالح بعيدة كل البعد عن ماهية العلاقة الإنسانية.

اقرأ أيضًا قواعد في العلاقات والتعاملات اليومية

التوازن في الحب الحقيقي

الحب الحقيقي هو رغبة متزامنة، متوازنة، بين كيانين إنسانيين يريدان الاندماج والمشاركة في حياة واحدة منزهة عن المصالح المادية.

وخلال هذه الحياة المشتركة يكتشفون أنفسهم ويكتشفون الحياة، ويبنون حياة جديدة لعالم جديد، يستخدمون المادة لبناء هذه الحياة، وبحيث لا تستخدمهم المادة أبدا.

الماديات أكيد أنها ترافق كل علاقة، لكنها لا تكون أبدًا المحور الحاكم للعلاقة السليمة، وإذا أصبحت هي المحور تحولت العلاقة من علاقة وجدانية سامية إلى علاقة مادية متدنية.

والتمسك بالأمور المادية في علاقات الزواج التقليدية يهدم من الأساس فكرة الحب، ويجعلها فكرة عبيطة ساذجة لا يمكن أن تعبر حاجز العقول الذكية التي تدير حياة المجتمعات.

والتمسك بالماديات لن يضمن أبدًا استمرارية العلاقة، ولكننا نهتم بها أكثر كثيرًا من الاهتمام بتواجد أم عدم تواجد الحب، فأحيانا نعتبره شيئًا ثانويًا أو خرافة ممزوجة، أوانحراف عن المألوف، لا يجب الالتفات إليه.

فعندما ننظر لعلاقات الزواج ننظر فقط للإطار المادي الذي يضمن استمرارها ولا ننظر للإطار العاطفي الذي هو الأساس في حياة إنسانية راقية.

إذن تغليب الجانب المادي على الجانب المعنوي هو كسر للتوازن المطلوب في عملية الحب، يمثل الجانب المادي إطار المصلحة التي تحكم حياتنا الطبيعية، فالحياة ليست كلها عواطف، ولكنها بالدرجة الأولى مصالح، وعندما تتعارض المصالح مع العواطف فغالبا ما تكون الغلبة للمصالح.

فإذا أطلت المصالح من زاوية أكبر من العواطف والتي يعتبرها الكثيرون لهوًا أو عبثًا، فإن التوازن المطلوب يواجه مأزقًا كبيرًا، كثيرًا ما يطرأ هذا الكسر في التوازن في عملية الحب نتيجة التضارب بين العواطف والمصالح.

فعندما تظل المصالح في عمق تفكير أحد الطرفين قد يكون هذا منغصًا لعملية الحب، وعندما تفرض المصلحة كلمتها يكون هذا بداية شقاق غبي قد ينسف زهرة الحب الجميلة بحيث لا يمكن زراعتها مرة أخرى.

للمصلحة بريق سريع أخاذ قد ينسينا كثيرًا قيمة عاطفة الحب التي تخفت أحيانًا في باطننا البعيد، وليس معنى هذا أنه يجب علينا أن ننسى مصالحنا المادية في سبيل حب خيالي رومانسي، ولكن أن نوازن بين المصلحة والعاطفة، بحيث لا تكون الكلمة العليا للمصلحة.

ونوازن أيضا بين مصالح الطرفين بحيث لا يحقق أحد الطرفين مكاسب مادية على حساب الطرف الآخر، إذ للطرفين الحق في تحقيق المصالح بطريقة متوازنة على أن يكون الطرفان راغبان في الكفاح والسعي المادي.

اقرأ أيضًا إني أحبك حتى الزهق | خواطر عن العلاقات السامة

كواسر الاتزان في علاقات الحب

  • كما أسلفنا فإن مبالغة واندفاع أحد الطرفين في عواطفه مع تأخر أو تقاعس الطرف الثاني قد يكون من أسباب كسر الاتزان.
  • التضارب بين المصالح والعواطف أو عدم التوازن بين تحقيق مصالح كل طرفي العلاقة قد يخلق شرخًا كبيرًا في التوازن، ويجعل كل شريك يدخل معركة حياته منفردًا دون عون من الطرف الآخر.

بل إن معارك الاثنين الوجودية قد تتعارضان مع بعضهما البعض، بحيث يسعى كل منهما للتنافس مع الآخر...

  • يفقد التوازن عنما يتحول جزء من الحب إلى استحواذ واعتداء على حرية الآخر بحجة الحب، وهذه نقطة شائكة، فمدى الحب قد لا يترك للطرفين حرية تكوين علاقات إنسانية أخرى تحت أي مسمى.

وعلاج التوازن هنا يكون بتفهم كل طرف لأهمية حرية الطرف الآخر، ويجب الاتفاق على مدى هذه الحرية للطرفين في إطار من الثقة المطلوبة، التوازن مطلوب بين كم الحب من ناحية وما يتتبعه من اندماج معنوي، وكمّ الحرية التي يتمتع بها كل شريك.

  • التوازن بين حب النفس وحب الطرف الآخر

لا شك أن كل إنسان يحب نفسه فهي أكثر نفس لصيقة بالإنسان، وعدم حب النفس ليس فضيلة، لكن حب النفس لا يجب أن يتجاوز الحدود العادية.

وعلي كل شريك أن يدرك أن الطرف الآخر شاخصًا دائمًا إليه، فلا يتركه دون الاهتمام المتوازن.

فكثيرًا ما يشعر أحد الطرفين أن الآخر يحب نفسه أكثر مما يحبه، ولا توجد وسيلة للتأكد من هذا القياس، لكن يجب التعامل مع هذا الإحساس بواقعية ومصداقية.

فقد تكون الشكوى على سبيل الابتزاز...

  • قد ينكسر التوازن أحيانا عندما تتولد صورة سلبية في ذهن أحد الشريكين عن الشريك الآخر وهذه الصورة تتحكم في سلوكياته وردود أفعاله تجاه الطرف الآخر مهما فعل أو تحسن، بل إن هذه الصورة يمكن أن تنعكس على أي تصرف إيجابي من الطرف الآخر فتحوله إلى معنى سلبي.

الخروج من أسر هذه الصورة يتطلب قدرًا كبيرًا من المرونة، والتسامح، والتغيير، وإلا انتهت اللعبة وانتفت العلاقة العاطفية، وعندما تتحكم هذه الصورة السلبية في ذهن أحد الطرفين فإنه يصبح على يقين أن الطرف الآخر على خطأ دائما.

وكي تصلح العلاقة فلا بد أن يتغير تمامًا بينما يبقى الطرف الأول كما هو لأنه يعتقد أنه على صواب تماما... وعندما تصل الأمور لهذا الحد تتوقف تماما آلية التفاعل وتنتهي عملية التوازن، وحتى إذا استجاب الطرف الثاني لدعوة الطرف الأول وتغير إلى الصورة التي يريدها فإن العلاقة الوجدانية تتحول من صورة التفاعل والتوازن إلى صورة التبعية والتي تكون غالبا عن عدم قناعة.

وتنتهي لعبة التوازن وينتهي الحب الحقيقي والوجود الحقيقي لشخصين متفاعلين وتتحول إلى صورة اغتيال معنوي لأحد الطرفين على الآخر ويخسر كلا الطرفين، فحتى الشخص الذي فرض قانونه سيكسب فقط الإحساس بانتصاره وسطوته، ولكنه سيفقد قيمة الحب الذي يعتمد على التوازن بين الفعل ورد الفعل.

هذه مجرد أمثلة عن كسر الاتزان وغياب التوازن، لكن السؤال الذي يجب أن نشغل أنفسنا به هو كيف نحافظ على التوازن ليس فقط في لعبة القلوب، ولكن في كل علاقاتنا وتعاملاتنا الإنسانية.

اقرأ أيضًا

-العلاقات العامة وفن التعامل مع الآخرين

-اختيار العلاقات وأهميته في حياة الإنسان

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

موضوع الاتزان موضوع مهم في الحياه في جميع العلاقات وانت تطرقت إلى أهم نقطه بدأيه في العلاقات الانسانيه انا ممتنه وافتخر بَمقالك يسرني أقره لك الكثير
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقال ثري ممتع .احترامي وتقديري
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.