التنويم المغناطيسي وتاريخه الغامض من العلاج النفسي إلى مسارح التسلية

يُعد التنويم المغناطيسي حالة ذهنية شبيهة بالغفوة، تتميز بالتركيز الشديد والاستجابة العالية للإيحاء، وعلى الرغم من ارتباطه في أذهان كثيرين بعروض المسارح الغامضة، فإنه يمتلك تاريخًا طويلاً ومعقدًا كونه أداة علاجية محتملة، منذ القرن الثامن عشر، أثارت هذه الظاهرة جدلاً واسعًا بين الأطباء وعلماء النفس، فتأرجحت بين كونها قوة غامضة قادرة على شفاء الأمراض، ومجرد خدعة مسرحية.

في هذا المقال، سنستعرض تاريخ التنويم المغناطيسي، بدءًا من مؤسسه المثير للجدل فرانز ميسمر، مرورًا باستخداماته الحديثة في الطب والشرطة، وصولًا إلى فهمنا العلمي الحالي لهذه الحالة الذهنية المحيرة، وطريقة التنويم المغناطيسي.

فرانز ميسمر والمغناطيسية الحيوانية

بدأ الأطباء وعلماء النفس في قارة أوروبا بدراسة موضوع التنويم المغناطيسي بعمق في القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك كما يقول الدكتور النمساوي فرانز ميسمر الذي برز في هذا القرن: «إن النجوم البعيدة تؤثر بقوتها المغناطيسية الضعيفة في سلوك الإنسان، وإذا كان الأمر حقًّا كذلك، فإن تعريض المرضى لقوى مغناطيسية تُوضَع مباشرة فوق رؤوسهم يمكن أن يأتي بنتائج أكثر عمقًا ووضوحًا».

فقد أثارت القوة المخيفة للتنويم المغناطيسي، بغموضها المحيّر، جدلًا واسعًا عبر القرون بين الأطباء وعلماء النفس ورجال السلطة في كثير من البلدان. وكان السؤال: هل هو حقًّا قوة يمكن استخدامها لأغراض الخير أو الشر؟ أم هو مجرد متعة غير مؤذية تُمارس على خشبة المسرح للتسلية؟
فقد أدان الخبراء العلميّون في الجمعية الطبية البريطانية التنويم المغناطيسي باعتباره أمرًا محفوفًا بالمخاطر، في حين عدته سلطات طبية أخرى أداة نفسية قوية يمكن استخدامها في شفاء المرضى.

كان الدكتور ميسمر يعالج في عيادته بفيينا حالات الهستيريا والجنون والاضطرابات العصبية، ويعلن عن شفاء أمثال هؤلاء المرضى بعد تعريضهم لحالات شبيهة بالحلم، إذ يكون المُنوَّم في نصف وعيه.

فرانز ميسمر والمغناطيسية الحيوانية

وأدرك ميسمر أن بالإمكان الاستغناء عن استخدام القضبان المغناطيسية، عندما أخذ يحصل على النتائج نفسها باستخدام أنامله وصوته الهامس في الضوء الخافت. وعندها قال ميسمر: إن هذه ليست قوة مغناطيسية، وإنما هي قوة غامضة تسري بينه وبين مرضاه، وأسماها «المغناطيسية الحيوية».

وبعد أن مُنع ميسمر من ممارسة عمله في فيينا من قبل السلطات الأمنية، انتقل إلى باريس في عام 1776م، إذ أثار أسلوبه في العلاج عاصفة قوية في العاصمة الفرنسية، وبدأ العديد من أتباعه استخدام «الميسمرية» في علاج المرضى، مما دفع علماء وأطباء الأكاديمية الفرنسية إلى إجراء تحقيقات حول الموضوع بناءً على طلب الملك لويس السادس عشر. وتقرَّر بعدها حظر الميسمرية لخطرها على المواطنين الفرنسيين.

وانتقل ميسمر في عام 1789م إلى سويسرا، حيث تُوفي وهو في عداد المغمورين، لكنه ظل يؤمن حتى آخر أيامه بأنه استطاع أن يكشف عن القوى الكامنة في العقل البشري لخير الإنسانية.

ومع ذلك، ظل بعض الأطباء يؤمنون بقوى التنويم المغناطيسي وتأثيره، ومنهم - على سبيل المثال - الدكتور رودلف هايدنهن، الذي كان يختم محاضراته بتنويم بعض زملائه المرموقين، ويجعلهم يمشون على أربع وينبحون كالكلاب!

وقد تلقت عروض التنويم المغناطيسي ضربة قوية في عام 1952م، عندما أقر البرلمان قانونًا يمنع ممارسته على خشبة المسرح، واستمر ذلك المنع ساري المفعول حتى عام 1988م.

التنويم المغناطيسي في العصر الحديث بين العلاج والجريمة

استمرت ممارسات التنويم المغناطيسي في ميادين أخرى في كثير من البلدان، ففي الولايات المتحدة، استعانت دائرة الشرطة في مدينة بوسطن بوحدة من خبراء التنويم المغناطيسي، وقد أفاد هؤلاء الخبراء بأنهم في 75% من الحالات كانوا يحصلون من الشهود أو الضحايا على أدلة جديدة في أثناء جلسات التنويم.
ويفسر المفتش باتريك برادي هذه النتائج بقوله: «إن شهود حالات العنف وضحاياها يميلون بشكل لا واعٍ إلى نسيان ما شاهدوه أو خَبِروه من عنف، ويحاولون محوه من أذهانهم، في محاولة طبيعية لحماية ذواتهم من الاضطرابات النفسية والفزع العاطفي».

إن عمليات التنويم المغناطيسي تزيل العوائق العقلية اللاواعية، وتساعد الشاهد على تذكّر ما حاول نسيانه. وقد تمكّن بعض الممارسين من الحصول من ضحايا العنف، في أثناء تنويمهم، على أوصاف للجناة أو على أرقام سيارات كانت قد نُسيت.

التنويم المغناطيسي بين العلاج والجريمة

ويضيف الشرطي النيويوركي السيرجنت تشارلز الذي استخدم التنويم في أكثر من 400 حالة خلال خدمته، قائلًا: «يجب تسجيل أقوال المُنوَّم على أشرطة فيديو لعرضها على المحكمة، لإثبات أن الشاهد تكلّم من تلقاء نفسه، دون أي تدخل أو إيحاء من المنوِّم، وإلا فإن الشهادة تُعدّ غير مقبولة».

ومن الطرائف التي تُروى في هذا المجال أن مدرّب قيادة السيارات دوج بياتي كان يُنوِّم تلامذته قبيل تقدّمهم للفحص، ليحافظوا على هدوء أعصابهم، حسب وجهة نظره.
ويبدو أن طريقته كانت فعالة، إذ إن 8 من كل 10 من تلامذته كانوا ينجحون في الاختبار بعد تنويمهم مغناطيسيًّا. ثم إن الممثلة الكوميدية والكاتبة ليلى توميلز قالت: إنها نوَّمت نفسها مغناطيسيًّا لكي تُنهي كتابة سيناريو أحد أفلامها بعد طول تعثّر. ومن الغريب أن الشيء نفسه فعله الممثل سيلفستر ستالون لكي يتغلّب على خجله ويكتب سيناريو أفلام «رامبو» الناجحة جماهيريًّا.
وكان الملاكم العالمي الشهير محمد علي كلاي يلجأ إلى نوع من التنويم المغناطيسي قبل دخول المباريات العنيفة.

ويقول مارك أوريف في كتابه «القدرات الخفية»: «إنه في السابق كان يُعتقَد أن الممارسات المرتبطة بالتنويم المغناطيسي قد تُسبب صدمات نفسية عنيفة... لكن في الوقت الحالي، تمّت السيطرة على الظاهرة، وأصبح من الممكن استخدامها دون أي خشية من الأذى».

ويضيف: «ولا يجب الاعتقاد مطلقًا بأنه لو تُرك المريض نائمًا تنويمًا مغناطيسيًّا، فلن يستيقظ أبدًا... والحقيقة أنه يفيق من تلقاء نفسه بعد مضي ساعة من الزمن، وهو يشعر براحة تامة!».

أبرز طرق التنويم المغناطيسي المعتمدة علميًا

نستعرض أبرز طرق التنويم المغناطيسي المستخدمة عالميًا، مع توضيح الأسس العلمية والتطبيقات العملية لكل منها، ونكشف ما إذا كانت هذه الطرق تُعد مجرد خدعة مسرحية أم أدوات قوية للتغيير العميق في العقل الباطن.

الطريقة الكلاسيكية للتنويم المغناطيسي

تُعد هذه الطريقة من أقدم الأساليب، وتعتمد على التوجيه المباشر باستخدام لغة ثابتة ومنوّمة. يستخدم المنوِّم عبارات مثل: «أنت تشعر بالاسترخاء... تنفسك يصبح أبطأ...» للوصول بالشخص إلى حالة من التركيز العميق والانفصال الجزئي عن الوعي المحيط.
تُستخدم هذه الطريقة في العيادات النفسية كمدخل للعلاج بالإيحاء (Hypnotherapy)، وهي فعالة بشكل خاص لمن لديهم استعداد عالٍ للتنويم.

التثبيت البصري للتنويم المغناطيسي

يُطلب من الشخص التحديق في نقطة معينة مثل ضوء ثابت أو بندول يتأرجح. يسبب التحديق تعبًا بصريًا يؤدي تدريجيًا إلى تقليل النشاط الواعي وزيادة الاستجابة للإيحاء.
ترتبط هذه الطريقة تاريخيًا باسم الطبيب «فرانز ميسمر»، وقد سادت في القرن الـ19 قبل أن يتطور فهم التنويم العصبي الحديث.

التثبيت البصري للتنويم المغناطيسي

الاسترخاء التدريجي للتنويم المغناطيسي

في هذا الأسلوب، يُرشد المنوِّم الشخص لاسترخاء مجموعات عضلية متتابعة من الرأس إلى القدم، ما يؤدي إلى حالة استرخاء عميقة تشبه النوم، لكن يظل فيها الشخص واعيًا ومتيقظًا للإيحاءات.
تُستخدم هذه الطريقة بكثرة في العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لعلاج القلق، واضطرابات النوم، وإدمان النيكوتين.

التصور الذهني الموجَّه 

يُطلب من الشخص تخيل مشهد مريح كشاطئ أو غابة، مع استخدام أوصاف حسية دقيقة. تؤدي هذه التقنية إلى تفعيل الخيال وتحفيز مناطق اللاوعي.
وتشير دراسات منشورة إلى فعاليتها في تخفيف الألم المزمن وتحسين نتائج العمليات الجراحية.

التصور الذهني الموجه

التنويم المغناطيسي الذاتي 

يتعلّم الفرد إدخال نفسه في حالة تنويم عبر تمارين تأملية وتكرار عبارات إيحائية ذاتية. ويُستخدم في برامج المساعدة الذاتية والسيطرة على القلق، وتحسين الأداء الرياضي، وقد أثبت فعاليته في بيئات غير سريرية وفقًا لمؤسسة Mayo Clinic.

التنويم المغناطيسي الإريكسوني 

طوره الطبيب النفسي «ميلتون إريكسون»، ويعتمد على استخدام القصص الرمزية، واللغة الغامضة، وعدم التوجيه المباشر.

هذه الطريقة تتسلل إلى اللاوعي دون مقاومة عقلية، وتُعد فعالة مع المرضى المقاومين للإيحاء المباشر.

التنويم المغناطيسي السريع

تُستخدم أوامر سريعة أو صدمات إدراكية مفاجئة لإدخال الشخص في حالة تنويم خلال ثوانٍ. تُشاهد غالبًا في عروض الترفيه، لكنها قابلة للتطبيق سريريًا في مواقف الطوارئ. على الرغم فاعليتها الظاهرة، إلا أن هذه الطريقة تعتمد بشدة على استجابة الشخص ومهارة المنوِّم.

لقد قطع التنويم المغناطيسي شوطًا طويلًا منذ بداياته الغامضة التي أثارت الجدل والخوف، ليتحول من متعة مسرحية إلى أداة نفسية قوية تُستخدم في مجالات متنوعة. من دوره في استعادة الذاكرة في التحقيقات الجنائية إلى مساهمته في تنمية القدرات الشخصية والإبداعية، أثبت التنويم المغناطيسي قدرته على تجاوز الصور النمطية السلبية. ومع التطور العلمي وزيادة الفهم لآلياته، أصبح من الممكن تسخير (القوى الكامنة في العقل البشري) بأمان لخير الإنسانية، مُقدمًا حلولًا مبتكرة لتحديات نفسية وسلوكية مختلفة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.