التنمر-مقال اجتماعي

رسالة من ناضج

لقد كبرتُ الآن..

ربما يظنون أنني اعتدتُ ذلك، وأنني لم أعد أهتم لما يقولون، وأنه ربما عليّ ألا آخذ الأمر على محمل الجد وألا أتصرف وكأنها المرة الأولى التي أسمع بها هذه الكلمات التي لها وقع مختلف على مسامعي.

لماذا يظنون أنه يجب ألا أتصرف وكأنها المرة الأولى لي، بينما هي نفسها ليست المرة الأولى لهم التي يرونني فيها؟

يطلبون مني أن أبتسم وهم لا يعرفون حقيقة ما أشعر به عندما أسمع كلماتهم السخيفة..

في الحقيقة أظن أنني السبب، أنا من جعلتهم يظنون ذلك كلما تنمروا عليّ كنتُ أضحك وأحول الموضوع إلى مزحة كي لا أظهر لهم أنني حزين، فأنا أكره ذلك، أكره أن يراني الناس ضعيفاً، أكره أن أُظهر للناس أن هذا شيء أثر فيّ وأنه نقطة ضعفي.

اقرأ أيضًا: انتحار بعض الأدباء نتيجة التنمر والاكتئاب

ظننتُ أنني لو فعلتُ ذلك سيستمرون في مضايقتي، فعندما يعرف أحدهم نقطة ضعف الآخر يستمر في مضايقته بها، لكن لم يمنعهم تظاهري بأن تنمرهم لا يؤثر فيّ مهما استمروا في التنمر عليّ لا سامحهم اللَّه أبداً.

لا أعرف لماذا..

لكن كل ما يمكنني قوله أنّ التنمر عادةٌ وقحة لا تَمُت للدين ولا للأخلاق بأي صلة، لا أعلم لماذا تركناها تتوغل في عروق الكثيرين حتى أصبحتْ كالإدمان؟

لم يعد المتنمر يرى أنه شيء سيئ أن يقول لشخص ما في وجهه حقيقته، نعم.. إنها حقيقته هكذا يراها فحسب.

أيها الجاهل عديم الإنسانية والأخلاق..

نعلم أنه واقع يعيشه، لكن هذا لا يعني أنه لديك الحق لتقوله له لا بشكل مباشر ولا بشكل غير مباشر، لا يحق لأمثالك أن يُذكّروا الأعرج بأنه أعرج، والكفيف بأنه كفيف، والقزم بأنه قزم.. إلخ.

ليتهم يقولونها بهذه الطريقة، بل هم يقولون الحقيقة بطريقة سيئة لا يقبلها أي شخص سويّ وراقٍ.

لا يسعني سوى نعت كل متنمر بعديم المبادئ، وعديم الأخلاق، وعديم الإنسانية وهو مريض نفسي.

اقرأ أيضًا: التنمر في المجتمعات العربية آفة أم ثقافة؟

وقبل كل ذلك أنت جاهل؛ جاهل لأنك لا تدرك أن اللَّه لم يخلق شيئاً عبثاً حاشاه، بل جعل كل شيء لحكمة، ولأنك جاهل بها سأخبرك ما الحكمة..

الحكمة هي أن نشكر اللَّه إذا عافانا مما ابتلى به غيرنا، لا أن نتنمر على الآخر وكأنه صنعُ نفسِه، لا يد له في ذلك لذا لا تجعله يكره الحياة.

صدقني عندما تتنمر على أحد هو لن يكرهك فحسب، بل سينظر إلى كلامك على أنه رأي الجميع فيه؛ فيكره الخروج ويكره أن يراه أحد ويعتزل الحياة ويبقى حبيسًا غرفته، لأنك جاهل بالطبع لا تدرك أن مجرد كلمة يمكن أن تفعل كل هذا.

صدقني يمكن لكلمة أن تفعل أكثر من هذا، يمكن لكلمة أن تدفع شخصاً للانتحار، يمكن لكلمة أن تفقد الشخص الوثوق في الآخرين.

تخيل لو أنك دائماً ما تقول لأحدهم ما هذا المنظر؟

لماذا لا تهتم بملابسك؟

لا فرق بينك وبين المتشرد.. إلخ، حينها لن يحبذ الخروج مجدداً، ربما يحاول أن يغير من طريقة ملابسه، لكن أنّى له ذلك؟

لو كان حاله ميسوراً لفعل ذلك دون أن تلفت انتباهه بكلماتك المسمومة تلك، ما كان لينتظر منك ذمك لملابسه، لكن لا حول له ولا قوة.

تخيل أيضاً أنه يعرف شخصاً آخر جيداً، ويعرف اللَّه حق المعرفة ويتقيه، ويحب جبر الخواطر وقابله وسأله كيف أبدو؟

فيقول له: ما شاء اللّه تبدو في حال جيدة اليوم.

اقرأ ايضًا: الإكتئاب سرق صديقتي

ما ظنُّك أنت؟

هل سيصدقه مجدداً؟

لن ينظر إليه على أنه الملاك الذي يحب جبر الخواطر؛ لأن كلماتك القبيحة أفقدته حتى التفكير الإيجابي في نفسه وفي الآخرين، سينظر لمدحه على أنه مجاملة سخيفة أو حتى نفاق، فهو يدرك تماماً حقيقته الآن.

إنه مجرد مثال، فإني لا أعني التنمر على المظهر فقط، لكن هناك الكثير من طرق التنمر البشعة لم أشأ أن أذكرها كمثال.

إلى كل متنمر ما زال جاهلاً: أنت أيضاً لم تختر ما أنت عليه الآن، ولا تدري إلى أي حال ستصبح فيما بعد، لذا قل الحمد لله، وكُف أذاك عن الآخرين، لا أريد أن أختص البعض بقول رسول اللَّه ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده".

ولكن إلى كل متنمر أياً كانت بلدك، وأياً كانت ديانتك سأقول لك كلاماً وأرجو أن تفكر به قليلاً: "....، وأن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك"، هو أيضاً حديث، لكنه لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل إنه قاعدة أخلاقية سامية، فكر بها قليلاً وضع نفسك مكان الشخص الذي تريد أن تتنمر عليه، وقل لنفسك بعض الكلمات المؤلمة.

هل تخيلت؟

لا أعتقد أنك ستتنمر مجدداً لو أنك تألمت بحق.

لا أعرف ماذا أقول، لكن قبل أن نلومك من المفترض أن نلوم الأهل؛ الأهل الذين لم يوبخوك عندما سمعوك تتنمر على صديق لك أو تستهزئ بعلة فلان، هل ضحكوا، صحيح؟

قالوا إنك طفل.. أليس كذلك؟

ها قد كبر الصغير ولم يعد طفلاً، ترك طفولته، لكن لم يترك أخلاقه التي تربى عليها، أخلاقه السيئة.

وفي النهاية يسألون أحدهم: لماذا تبدو مُنطفئاً؟

يا سادة..

نحن في مجتمعات تفتقر للمبادئ السامية، مجتمعات تحتاج لإعادة تأهيل إلا من رحم ربي.

 اقرأ أيضًا

-التنمر وأشهر صفعة في التاريخ ساهموا في تشكل أسطورة عصره وزمانه

-آثار التنمر على الشباب: البلطجة تؤذي الجميع

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 2, 2023 - د. حمدي فايد عبد العزيز فايد
Jan 18, 2023 - زكريا مرشد على حسن الشميري
Jan 17, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
Jan 16, 2023 - عيسى بن سليمان بن سالم المسروري
Jan 11, 2023 - خالد محمد عبد العزيز محمد
Jan 9, 2023 - لجين الفاروق المكاشفي ابراهيم
Dec 31, 2022 - مصطفي احمد محمد ابراهيم الشاعر
Dec 24, 2022 - سيد علي عبد الرشيد
Dec 24, 2022 - نعيمة بشير شعبان
Dec 17, 2022 - كارم ربيع محمود قبيسى
Dec 10, 2022 - منة الله صبرة القاسمي
Nov 24, 2022 - سهيلة شعبان علي بكر
Nov 15, 2022 - عمر عبدالله عمر
Oct 30, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Oct 26, 2022 - سامى المرسى كيوان
Oct 21, 2022 - عمر عبدالله عمر
Oct 19, 2022 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
Oct 18, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Oct 17, 2022 - سامى المرسى كيوان
Oct 16, 2022 - زكريا مرشد على حسن الشميري
Oct 9, 2022 - فاطمة الخليفة
Oct 8, 2022 - عبدالحليم عبدالرحمن
Oct 6, 2022 - وهبي بالعربي
نبذة عن الكاتب