التنشئة الاجتماعية.. وكيف يؤثر الوالدان في تكوين بيئة الطفل؟

تتحدد شخصية الطفل بفضل عملية التنشئة الاجتماعية، والمؤثرات المختلفة التي يتعرض لها الطفل في هذه المرحلة الحساسة من حياته الأولى التي بناء عليها تتكوَّن شخصيته وسلوكياته، حتى قيمه وتوجهاته؛ لذلك بديهي أن يتجه الاعتقاد لدى المعنيين بالتربية إلى حقيقة الدور الذي تؤديه الأسرة والوالدان تحديدًا في عملية التنشئة وتأثيرهما القوي في الطفل.

مفهوم التنشئة الاجتماعية للطفل وتأثير الوالدين

يمكننا تعريف التنشئة الاجتماعية بأنها تلك العملية التي تبدأ منذ اللحظة التي يولد فيها الطفل، ويتعلم فيها القيم والمعايير المقبولة في المجتمع، وغالبًا ما تكون داخل الأسرة أو الحضانة أو المدرسة، فضلًا على أصدقاء الطفولة.

تبدأ التنشئة الاجتماعية منذ ولادة الطفل وتعلمه القيم والمعايير المقبولة في المجتمع

لقد تغلغل الافتراض الراسخ بأن الآباء يمارسون تأثيرًا مباشرًا وقويًا في أبنائهم بواسطة عملية التنشئة الاجتماعية، وهو ما تؤكده نتائج البحوث والنظريات المتعلقة بالنمو البشري، إضافة إلى معظم المعتقدات الثقافية في هذا السياق. ومن ثم إذا كان الأطفال ناجحين، فهذا يعود إلى الوالدين؛ وإذا لم يكونوا ناجحين، فاللوم كذلك يقع على الوالدين وفقًا لهذا الافتراض.

غير أن باحثين طعنوا في هذا الافتراض، مُسلِّطين الضوء على دور التأثيرات البيولوجية في نمو الأطفال، فعلى سبيل المثال، تُظهر الدراسات الجينية السلوكية أن الأطفال المُتبنَّين يُشبهون آباءهم البيولوجيين أكثر من آبائهم بالتبني في خصائص أساسية كالشخصية والذكاء والصحة النفسية إضافةً إلى ذلك، انتقد بعض الباحثين التركيز على التربية، مُؤكدين أن عوامل أخرى، مثل العلاقات بين الأقران والأصدقاء، تُؤثِّر تأثيرًا قويًا في نمو الطفل.

في هذا السياق.. يُؤكِّد الباحثون الذين يدرسون أهمية التربية على عدة قضايا، أولها، في العائلات المُرتبطة بيولوجيًا، يصعب الفصل بين التأثيرات الجينية والاجتماعية. على سبيل المثال، قد يكون الطفل الموهوب موسيقيًا قد ورث هذه الموهبة من والديه الموهوبين موسيقيًا أيضًا.

ومن المُرجَّح أن يُركِّز هذان الوالدان على الموسيقى في المنزل؛ ما يصعب معه تحديد ما إذا كان الطفل الموسيقي نتاجًا للجينات، أو البيئة، أو (على الأرجح) كليهما معًا. أما إذا كان الطفل مُتبنىً ويُربَّى على يد والدين غير مُولَعين بالموسيقى، فقد يأخذ التعبير عن تلك الموهبة أسلوبًا مختلفًا، أو قد يُكبت بنشاط وهكذا، غالبًا ما تُعدِّل الاستعدادات الوراثية (نقاط القوة والضعف) بالتجارب التي يُكوِّنها الوالدان.

تأثير الوالدين في الأبناء ثنائيُّ الاتجاه

يكون تأثير الوالدين في الأبناء ثنائيَّ الاتجاه وليس أحادي الاتجاه (مثلًا، من الوالد إلى الطفل أو العكس)، فالوالد الذي لا يتحلى بالصبر ويتسم بالعصبية وسرعة الانفعال قد يُسبب رد فعلٍ غاضبًا من الرضيع، في حين قد يُثير الرضيع المُعرَّض بطبيعته للضيق نفاد صبر الوالد.

الوالد الذي لا يتحلى بالصبر ويتسم بالعصبية وسرعة الانفعال قد يُسبب رد فعلٍ غاضبًا من الرضيع

وبغض النظر عمَّن بدأ سلسلة الأحداث، غالبًا ما يُصبح الوالدان والأبناء حبيسي دوراتٍ متصاعدة من الفعل وردود الفعل، وفي هذه الحالة الضيق ونفاد الصبر. ومع ذلك، ولأن الوالدين أكثر نضجًا وخبرة من الأبناء، فإنهم يؤدون دورًا أقوى في تحديد أنماط التفاعل الأولية، ويمكنهم إحداث التغيير بفاعلية أكبر بتغيير استجاباتهم (مثلًا، الاستجابة بصبر للرضيع المُضطرب).

دور الوالدين في تكوين بيئة الطفل

وأخيرًا، يؤدي الوالدان دورًا مهمًّا في تكوين بيئات الأطفال التي ينشؤون بها ويتأثرون بأجوائها، وبذلك تعرُّضهم لعوامل أخرى تؤثر في نموهم، مثل علاقات الأقران.

على سبيل المثال، يميل الآباء أكثر من الأطفال إلى اتخاذ قرارات تتعلق بالحي أو المكان الذي تقيم فيه الأسرة، والمدارس التي يرتادها الأطفال، وكثير من الأنشطة والفعاليات التي يشاركون فيها؛ وبهذه الوسائل، يُعرِّض الآباء أطفالهم لأقران معينين دون غيرهم. إضافةً إلى ذلك، يميل الأطفال إلى اختيار أصدقاء يشاركونهم اهتمامات وقيمًا متشابهة التي تنبع أساسًا من تجارب الأسرة المبكرة.

يميل الأطفال إلى اختيار أصدقاء يشاركونهم اهتمامات متشابهة تنبع أساسًا من تجارب الأسرة المبكرة

حتى العوامل السياقية العامة، كالفقر والثقافة والدخل وغيرها، يتوسطها الآباء الذين، على حد تعبير عالم النفس الأمريكي مارك بورنشتاين، هم "المسار المشترك النهائي لنمو الأطفال ومكانتهم وتكيفهم ونجاحهم".

وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات والمهتمين بالتربية، شاركونا آراءكم بالتعليقات أسفل هذه المقالة من واقع خبراتكم وتجاربكم في حقيقة تأثير الوالدين في الأبناء في عملية التنشئة الاجتماعية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة