التمرد حياة

 "لا تعطى الهوية مرة واحدة وإلى الأبد، فهي تتشكل وتتحول على طول الوجود" (معلوف، 1999) فالإنسان هو من يشكل هويته بيديه، وهو من يعطي لهويته شكلها يغيرها متى يشاء وكيفما شاء، فلأخذنا الإنسان المتمرد كمثال على تلك المقولة لوجدناه بالأمس كان عبدا للدنيا وما تمليه عليه، وفي المساء شيء ما تغير وأصبح يائسا رافضا لكل ما هو حوله، وفي الصباح وجدناه شخصا آخر أصبح إنسانا متمردا، ماذا حصل؟ ما الذي تغير ليتمرد، أو ماذا حصل له لييأس؟ كنت عبدا فلم هذا التحول؟ 

التنازع من أجل الحياة لم لا يكون سببا، فهو أمر مفطور عليه البشر، في الماضي كانت ظروف الحياة مناسبة تماما ليكون عبدا، ولكن الآن تغير كل شيء، بما في ذلك (هو) الظروف قد غيرت شيئا ما بشخصيته جعلته يرفض أن يكون عبدا بعد اليوم، أن يطالب بحقه بالحياة والحرية وهو بذلك يحقق ذلك القول للكاتب كنغ : "الحرية لا توهب طواعية من قبل المستبد يجب أن تنتزع بواسطة المقموعين" (كنج، 1963)، وحين يحاول المقموعين نزع حرياتهم سيجدون المستبد يقف في وجوههم، بنظر السيد سيكون بإمكانه تسمية التمرد أعمالا شيطانية، فالوضع كان من قبل مستقرا كفاية فما الذي دفع بهم لقول لا، سوى وسوسة شيطانية؟ ولكن دائما ما يكون النصر للأقوى إن كان المتمرد قويا كفاية سيحصل على مطلبه فقط إن فاقت قوته قوة سيده، فهل يمكن أن يكون سبب التمرد هو ضعف أصاب السيد، جعل العبد يستقوي عليه، وعلى كل الأحوال سيكون هناك ردة فعل من السيد مهما بلغ ضعفه. هل السجن حلا؟ لم لا يمكن أن يكون كذلك، يوضع المتمرد في السجن تكبت أنفاسه ويجبر على الصمت، أم أن السيد ليس قويا كفاية لفعل ذلك؟ هل حقا أصابه الضعف؟ ولكن السجن على كل الأوجه ليس بالفكرة السدية قد تجعل من ذلك الإنسان بطلا شعبيا، يهاتف الجميع باسمه يصبح قدوة لهم، وبنفس الوقت سيكون عبرة للكثيرين، ولكن ماذا بشأن تلك القلة التي لن تعتبر، سيصبح قدوة، فما الحل؟ ذلك المتمرد يسعى لأن يملك كل شيء، وعند فعله لذلك سيصبح سيدا ولهذا السيد سيكون هناك عبيدا آخرين تماما كما حدث معه سيحدث معهم ستدور الدنيا دورتها وسيتغير شيئا ما في نفوسهم يجعلهم يسعون لتغيير هوياتهم سيتمردون بعد أن ييأسوا، متى سيحدث ذلك، وكيف ذلك لا نعلم، قد يكون عندما لم يعد بإمكانه التحمل أكثر، فعندما يمتلئ فنجان الشاي يبدأ بالانسكاب.

ليس دائما ما يكون العبد متمردا، السيد يتمرد أيضا، نعم إنه يتمرد بطريقة ما، أذكر أن أحد زملائي كان يقول: "جميعنا مستعبدون بطريقة ما"، هذا يعني أن جميعنا أيضا متمردون بطريقة ما، فالسيد محكوما بقوانين أيضا قد يكون استعباده للآخرين هو نتيجة ضغط ممن هم أعلى منه مكانة، فالسيد يتمرد على أسياده باستعباده للناس الآخرين وهكذا. 

سأرجع لقول زميلي بالحقيقة إن كلامه صحيح فلو نظرنا إلى الحياة الواقع نجد أننا حقا مستعبدون، لا تعمل أي شيئا يحلو لك عليك أن تأخذ إذنا من عائلتك مجتمعك وأيضا دينك، فهل نصبح متمردون؟ من أجل تحقيق ما نسعى للحصول إليه ومحاربة الأهل والمجتمع، لما لا نجلس دون أن نسعى لتحقيق رغباتنا؟ أم علينا ذلك فنعتبر التمرد حقا من حقوقنا، نسعى به إلى تغيير الواقع من واقع سيء إلى واقع أجمل بل بالحقيقة قد يكون واقعا أسوأ.

دائما ما نربط مفهوم التمرد بالعبد والسيد وبالحقيقة هو ليس كذلك، التمرد لا يكون فقط بوجود عبد وسيد، هناك متمردون فكريا وهناك متمردون أخلاقيا، ليس التمرد بجميع حالاته صحيحا، فالمتمرد أحيانا يمشي على طريق خاطئ، وهذا المتمرد الخاطئ لن يوقفه سوى متمرد يمشي على طريق صحيح.

وهناك من يقول "أنا أتمرد، إذن نحن موجودون" (كامو، 1983)، التمرد على الذات هو الأمر الذي يجعلنا موجودون، فعند معرفة الإنسان عيوبه ومحاولته الوقوف بوجهها هذا ما يسمى تمردا على الذات هذا ما سيقود الإنسان لحريته الذاتية. التمرد لا يعني بنصية الأمر الخروج عن المعتاد والخروج عن السرب ولا يعني أيضا أن تقول لا دائما التمرد ليس كما يتخاطر بذهننا بل التمرد هو التمرد على الحياة وليس التمرد على من يسكنون بالحياة، التمرد هو التمرد على الذات وليس التمرد على أصدقاء الذات أو أعدائها، التمرد هو التمرد على الأفكار الخاطئة والمعتقدات المقيدة، التمرد بمعنى آخر يقود للحياة بل هو الحياة.

بقلم الكاتب


طالبة في كلية الطب البشري ، و مشروع كاتبة روائية ❤


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

طالبة في كلية الطب البشري ، و مشروع كاتبة روائية ❤