التلوث الضوئي: كيف يهدد الضوء الاصطناعي صحتنا وفطرة الأرض؟

من الأخطاء الشائعة لدى المجتمع البشري بأسره أن الكهرباء من صور الطاقة النظيفة، ولا تدخل في قائمة الملوثات، وهذا التصور يحتاج إلى تغيير؛ لأن الضوء الكهربائي على رأس الملوثات التي اجتاحت كوكبنا؛ لأن الضوء في الليل يمثل خطرًا داهمًا، واعتداءً سافرًا على الفطرة الكونية للكوكب، بما في ذلك الجنس البشري برمته؛ لما له من تأثيرات غير مباشرة؛ لأن طاقة الكهرباء المستغلة في الإنارة لا تتعدى 20% في جميع أنحاء العالم، على حين أن الطاقة المهدرة من هذا الضوء تربو على الثلاثين بالمائة.

وللعلم أن هذا الضوء المهدر لا يخدم أي غرض على الإطلاق، وغالبًا ما تُستخدم الإضاءة المفرطة بما يتجاوز ما هو مطلوب، سواء أكان للقيادة، أو التسوق، أو حتى مشاهدة كرة القدم ليلة الجمعة.

لا شك أن المصباح الكهربائي يُعد واحدًا من أهم الإنجازات التي حققتها الطفرة التكنولوجية للجنس البشري. فهو يحتل المرتبة الأولى في إدارة التطور، والسيطرة على الحريق، والمضادات الحيوية، والمواد المتفجرة. ولكن كما هو الحال مع أية تكنولوجيا جديدة تذهل البشرية، توجد دائمًا عواقب غير مقصودة تتخللها.

فبواسطة الضوء الكهربائي انطمست معالم الليل في شتى أنحاء العالم في هذه الحقبة، سواء كان ذلك خارج المدينة، أو داخلها خلال ما كان «ليلة» ذات يوم حسب الموقع الطبيعي للشمس.

وفي ظل التطورات المتعاقبة على الكوكب، على مدى عدة مليارات من السنين، وفي وجود دورة من الحياة تسير على وتيرة واحدة، تبسط الشمس ضوءها الساطع خلال النهار، وتختفي فيخيم الظلام على الليل.

تأثير التلوث الضوئي على الساعة البيولوجية والفسيولوجيا البشرية

وقد أدى هذا إلى تطوير إيقاع الساعة البيولوجية الفطرية في الفسيولوجيا البشرية؛ لأن إيقاع الساعة البيولوجية يعتمد على منظومة الدورة الشمسية من تعاقب الليل والنهار للحفاظ على دقتها.

ففي أثناء الليل، بداية من غروب الشمس تقريبًا، تنخفض درجة حرارة الجسم، ويتباطأ الأيض، ويخفت الجوع، ويميل البشر إلى النعاس، ويرتفع هرمون الميلاتونين ارتفاعًا ملحوظًا في الدم. وهذا الانتقال الفسيولوجي الطبيعي إلى الليل هو أصل فطري، والميلاتونين أمر حاسم لعملية الانتقال واستمرار الحياة كما ينبغي.

وفي الوقت الراهن نرى عيانًا بيانًا أن الضوء الشديد، ذا الطول الموجي القصير ـ الضوء الأزرق ـ هو الأكثر فعالية لقمع الميلاتونين وتأخير الانتقال به إلى فسيولوجيا الوقت الليلي؛ وفي الوقت نفسه، فإن الضوء الخافت، ذو الطول الموجي الطويل والأكثر طولًا، الأصفر والبرتقالي والأحمر، من ضوء المخيم أو الشمعة، على سبيل المثال، له تأثير ضئيل جدًّا.

أما ضوء الشمس الساطع فيحتوي ضوءًا أزرق، وهو ذو فائدة كبيرة في ساعات البكور حين نكون بحاجة إلى التأهب واليقظة، سواء أكنا في الهواء الطلق أو في الداخل. أمَّا حين يأتي الضوء الأزرق الفاتح بعد غروب الشمس، فإنَّ الجسم ينخدع فيتوهم أنه ما زال في حيز النهار.

الضوء الأزرق ليلًا يثبط الميلاتونين ويخدع الساعة البيولوجية

الروابط الطبية بين الإضاءة الليلية والأمراض المزمنة

منذ أكثر من ثلاثين عامًا مضت، كنت أول من أعرب عن قلقه الشديد إزاء العواقب الصحية الوخيمة المترتبة على استخدام الضوء الكهربائي في أثناء الليل، عندما تساءلت ما إذا كان الإفراط في الإضاءة الشديدة قد يزيد من خطر الإصابة بسرطان الثدي.

وفي ثمانينيات القرن العشرين، اكتشف الباحثون أن اتباع نظام غذائي غربي غني بالدهون قد لا يغير كثيرًا من خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الأفراد، وأشار لي أحد الأصدقاء في مركز فريد هاتشينسون «Fred Hutchinson» لبحوث السرطان في سياتل «Seattle» إلى بحث عن تأثير الميلاتونين.

وقد جرى تتبع المستويات المنخفضة من الميلاتونين «تأثير الإفراط في الإضاءة» إلى ارتفاع مستويات هرمون الاستروجين «في الأقل في القوارض»، وهو عامل خطر واضح لسرطان الثدي في غياب الحمية الدهنية.

وقد أظهرت الأدلة اللاحقة أنَّ النساء اللاتي يعملن في نوبة عمل ليلية يتعرضن لخطر أكبر للإصابة بسرطان الثدي، وتشير الأدلة إلى أن الاضطرابات الإيقاعية للساعة البيولوجية الناجمة عن الإفراط في الإضاءة في الليل، يمكن أن تكون مرتبطة بخطر السمنة والاكتئاب أيضًا.

وفي الواقع، قد يكون اعتماد جميع جوانب الصحة والرفاهية إلى حد ما على إيقاع الساعة البيولوجية المتزامن مع دورة طبيعية من الأيام المشرقة والليالي المظلمة.

لا بد أن نمعن النظر بدقة في علامة الخطر، وهو ما تضمنه «أطلس العالم الجديد لمستوى الإضاءة الليلية الاصطناعية» التي تخيم على العالم ليلًا، حسب ما نُشر في العام 2016م. يستخدم الأطلس البيانات المستمدة من القمر الاصطناعي «سويمي» «Suomi» القطبية الوطنية التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية «ناسا»، لتقدير التوهج ومستوى الإضاءة على مستوى الكرة الأرضية.

وتختلف الصور المرئية في هذا الأطلس من شخص لآخر حسب رؤيته وكيفية النظر إليها؛ فقد تبدو جميلة مدهشة عند شخص ما، وقد تثير الهلع والرهبة عند آخر.

إحصائيات أطلس العالم الجديد لسطوع السماء الاصطناعية

وفقًا لما ورد في الأطلس، تُظهر الخرائط الملونة للمدن والبلدان، بسبب الإضاءات الشديدة بألوانها الأكثر إشراقًا، أن أوروبا وأمريكا الشمالية تبدوان مشتعلتين، وتبعًا لذلك لا يمكن لثلث سكان الكرة الأرضية رؤية درب التبانة؛ ففي أوروبا تتعذر رؤيتها لدى 60% من السكان، في حين تصل هذه النسبة إلى نحو 80% في أمريكا الشمالية.

تعود «الإضاءة الخافتة» الحالية إلى الخمسينيات من القرن الماضي، في ظل موجة التوسع في إنشاء الطرق، بما في ذلك إنشاء نظام الطرق السريعة بين الولايات، بهدف حل مشكلة الازدحام المروري في الولايات المتحدة. بيد أن الطرق ازدادت ازدحامًا، وتفاقم على إثر ذلك التلوث، بما في ذلك التلوث الضوئي أيضًا، وبإلقاء نظرة خاطفة إلى الماضي، سنلحظ أن النتيجة التي رُسمت مسبقًا هي: بناء الطرق السريعة الواسعة التي سيستخدمها زيد من الناس إلى الحد الذي يؤدي إلى تضخم الكثافة المرورية بها، وتضاعف ازدحامها عما كانت عليه قبل إنشاء الطرق الجديدة.

ولفهم هذه الظاهرة، طوَّر خبراء الاقتصاد فكرة الطلب المستحث؛ ذلك أن المعروض من السلع الأساسية يعمل في واقع الأمر على خلق الطلب عليها. ومن ثم فإنه كلما زادت الطرق التي يُجرى تعبيدها؛ ازداد تبعًا لذلك عدد الأشخاص الذين يمرون بها، ما يدفع إلى تفاقم الازدحام.

في كتابه «اللغز» «The Conundrum» «2012م»، يعرض ديفيد أوين «David Owen» ببلاغة فكرة الطلب المستحث، منتقلًا بها من قضية الطرق الأكبر إلى المخاطر المترتبة على زيادة الكفاءة عمومًا. ومن الممكن أن يؤدي إنتاج الطاقة واستخدامها على نحو أكثر كفاءة، في غياب التعليم العام المنسق بشأن الحد من الاستخدام، إلى تفاقم مشكلة التلوث.

ويقدم ذلك مثالًا على الكفاءة في استخدام الطاقة؛ لأنه تصبح مصابيح الإضاءة أرخص في الاستخدام، ومع استخدام الناس لمصابيح إضاءة أكثر كفاءة، فإن إجمالي الطاقة اللازمة لاستخدامها يتنامى، إلى جانب التلوث الضوئي.

وعلى نحو ما أشار إليه أوين، أظهر تقرير رئيس نُشر في مجلة Science Advances في العام 2017م حدوث زيادة هائلة في سطوع المناطق الحضرية في العالم والنطاق الجغرافي للتلوث الضوئي في المدة من 2012م إلى 2016م.

وهذا على الرغم من حقيقة مفادها أن إضاءة الشوارع بمصابيح «LED» عالية الكفاءة بدأ تركيبها على نحو متزايد في معظم أنحاء العالم منذ العام 2012م، ولا سيما في أجزاء من العالم الصناعي بهدف «حفظ الطاقة». ولكن في ظل الإفراط في الاستخدام، يبدو الأمر وكأنه عكس ذلك تمامًا.

زيادة كفاءة الإضاءة تحفز الاستهلاك وتفاقم التلوث الضوئي

الصراع المؤسسي والحلول البيئية المستدامة

وقد تطورت حملات التسويق المكثفة لإضاءة الشوارع بإضاءات بيضاء مشرقة «LED» للمدن والبلدان إلى مستوى مذهل. أطلقت وزارة الطاقة الأميركية «DoE» ومجموعة من الشركاء الدوليين جهدًا أطلق عليه «الارتفاع واللمعان: إضاءة العالم بنحو 10 مليارات مصباح LED» «Rise and Shine: Lighting the World with 10 Billion LED Bulbs».

في سباق لنشر 10 مليارات من المصابيح بإضاءة قوية، وبكفاءة وجودة عاليتين، وبأسعار معقولة «مثل مصابيح LED»، وفي أسرع وقت ممكن. وهذا يعني أن عدد هذا النوع من المصابيح، البالغ عشرة مليارات، يفوق عددَ أفرادِ الجنس البشري على كوكب الأرض.

ردًّا على هذا الهجوم المتواصل على طبيعة الليل، بادرت الجمعية الطبية الأمريكية «AMA» إلى اعتماد بيان رسمي للسياسة العامة في العام 2016م. وكنت أحد الباحثين المشاركين في إعداد بيان الجمعية الطبية الأمريكية، وقد أوصيتُ أنا وزملائي بتقليل درجة سطوع منتجات مصابيح الليد «LED» الزرقاء التي تُنشر بواسطة المرافق في جميع أنحاء البلاد.

كان رد فعل وزارة الطاقة الأميركية «DoE» وجمعية هندسة الإضاءة بأمريكا الشمالية «IES» سريعًا وبدرجة عالية من الانتقاد لما أدلت به الجمعية الطبية، مؤكدين أن الجمعية لم تكن مؤهلة لتقديم أي بيانات بشأن الإضاءة.

ولكن رد الفعل هذا كان مخادعًا؛ لأنه لم يذكر أن بيان الجمعية الطبية الأمريكية «AMA» كان يهدف إلى الحد من الآثار السلبية للإضاءة المفرطة، ذلك أن التعديل التحديثي على مستوى البلاد كان سيتواصل بلا هوادة من دون أي اعتبار للبيئة أو صحة البشر.

لا غرو أن يكون للضوء الكهربائي فوائد كثيرة للجنس البشري عند استخدامه بحكمة. إنَّ الوصول إلى الجزء «المستخدَم بحكمة» يستلزم مشاركة كل العلوم الآن. ولكن لا بد أيضًا أن تتوافر الرغبة في الاستخدام الفعال للإضاءة الكهربائية من جانب الحكومة والجمهور بكافة فئاته.

وقد أصبحت إعادة التدوير الآن راسخة في الأذهان؛ لأن الأطفال منذ نعومة أظفارهم يُغرس فيهم وعيٌ جديد. وأصبح الحفاظ على المياه يمثل أهمية كبرى؛ وقِلة من الناس هم الذين سيتركون صنبور المياه مفتوحًا مدة أطول من اللازم. وهكذا فإن بعض الناس لا يقتصرون في استخدام الطاقة الكهربائية على قدر احتياجهم إليها في واقع الأمر.

إن تقنية الليد «LED» ليست هي في حد ذاتها المشكلة، في الواقع، قد يكون مصباح الليد «LED» جزءًا كبيرًا من الحل نظرًا لتعدد استخداماته. إن القضية في إضاءة الشوارع هي أن المنتجات الخاصة التي تروج لها شركات المرافق العامة ووزارة الطاقة الأميركية «DoE» قوية للغاية باللون الأزرق، ولا ينبغي أن تكون كذلك.

يمكن تسويق منتجات LED مختلفة تكون أكثر توافقًا مع بيئتنا وصحتنا اليومية. وهذا أمر بالغ الأهمية عند الإضاءة داخل المباني حيث نعيش ونزاول أنشطتنا فيها.

وهكذا فإن تدمير الليل في حياتنا على هذا الكوكب بهذا الأسلوب لا يختلف بأية حال من الأحوال عن مسألة تلوث المياه والهواء. إن حماية الظلام الطبيعي هي مسؤولية أخلاقية وعلمية مشتركة تضمن استمرار الحياة الفطرية السليمة على هذا الكوكب دون تشويه أو اختلال فسيولوجي مزمن.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة