عندما تستيقظ فى الصباح الباكر نشيط الذهن والجسد ما أول شيء يتبادر إلى ذهنك فعله ؟ نعم , إجابة صحيحة. حتماً ستكون إجابتك أتفقد الهاتف لأرى الوقت وربما أتصفح بعض المواقع الإلكترونية وقد اراسل بعض الأصدقاء لاطمئن على حالهم، وربما أجرى بعض الإتصالات الهاتفية من أجل العمل، وربما أشتري بعض احتياجاتي من السوق الالكتروني أو مواقع التسوق المعروفة أو ربما.....!
وتلك ال(ربما) لاتنتهى فتلك التكنولوجيا سهلت لنا عمل الكثير دون داعى للقيام من اماكننا حتى وانجزت لنا الكثير من الأعمال الروتينية المملة التي تستغرق الوقت والجهد والمال، ولكنها سلاح ذو حدين نحن نستفيد بحدها الجيد لكننا لا نبالي بحدها الضار القاتل الذي ينحر أرواحنا وانسانيتنا ووجداننا، فأصبح الأب يعود من العمل ليتناول الطعام ثم يمسك بالهاتف ولا يتركها لمدة قد تصل ستة ساعات أو سبعة، ويعتبرها وقت ترفيه له حتى يذهب للنوم ثم يستيقظ ليكرر ما يفعل سابقاً وهكذا تدور حياته... تذهب الأم صباحاً للعمل وعند عودتها تجلب الأبناء من المدرسة وتطهو الطعام وتغسل الثياب وتدرس الأبناء وتنظف المنزل ثم تجلس وقت فراغها المتبقى قبل النوم لتمسك بالهاتف لترفه قليلاً عن نفسها هي أيضاً حتى تذهب للنوم، ثم تستيقظ فى الصباح لتكرر ماتفعله سابقاً وهكذا تدور حياتها... .
يعود الابن ذو الستة أعوام من المدرسة ليتناول طعامه ويؤدي واجبه المدرسي ثم يكافئ بأن يلعب بجهازه اللوحي بضع ساعات حتى ينام، فيصبح هدفه الوحيد في حياته هو الحصول على مكافأته اليومية وهي اللعب بجهازه اللوحي وهكذا تدور حياته... .
عندما ينهى الأبن ذو السبعة عشر عاماً فصول التقوية الخاصة به ويعود للمنزل يلقي بكتبه على الأريكة ويمسك بهاتفه ليتصفح مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ،تويتر، وغيرها ثم يكمل باقى ساعات اليوم بإحدى الألعاب المشتركة مع أصدقائه على الهاتف حتى ينام ويستيقظ فى الصباح ليكرر ما يفعله سابقاً وهكذا تدور حياته... .
تجلس الابنة ذو الخمسة عشر عاماً في غرفتها بعد عودتها من مدرستها تمسك بهاتفها تحادث صديقتها ربما لساعة أو اثنتين أو أكثر ما الضير من ذلك؟ ثم تتصفح بعض المواقع لتشاهد أخبار الفن والأزياء الحديثة وذلك حتى تنام لتستيقظ وتكرر ماتفعله سابقاً وهكذا تدور حياتها... .
عفوا هكذا تدور حياتنا جميعاً...
انعدمت الحياة الإجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة فأصبحوا لا يرون بعضهم سوى في المناسبات العامة ثم ينعزل كل فرد في عالمه الالكتروني ليعيش بخياله فيه بدون حسيب ولا رقيب، ويتحول مع الوقت إلى شخص انطوائي لا يحب مجالسة الآخرين وخاصة الأطفال، فهم أكثر من يتأثر بذلك ويفضلون العزلة بصورة دائمة، فنفاجئ بهم بمرور الوقت مغيبين عن واقعهم لا يجيدون التعامل مع من حولهم ويخشون مواجهة المشكلات حتى لو كانت بسيطة ويفضلون الهرب من أي موقف يجعلهم موضع إهتمام الآخرين، وبذلك يتحولون لمرضى السلوك النفسيفي صبحون بحاجة للعلاج النفسي المعرفي ليساعدهم فى تغيير سلوكهم وعاداتهم التي أصبحت مزمنة بداخلهم، تحتاج لوقت ومجهود متواصل ومضني ليصبحوا أطفال أسوياء... .
تأتي المشكلة الكبرى وهي أبناء سن المراهقة الذين نتركهم للعالم الرقمي ليفترس براءتهم وأحلامهم ويزرع بها نباتاً مجهول الهوية لا نعرف طبيعته ولا نوعه، حتى نستفيق في يوم على حصاد مؤلم ومرير أنهم أطفالنا الذين بدأوا في النضج ولم يجدوا القدوة التى يقتدون بها ويسيروا خلفها، لم يجدوا الناصح سوى في عالم التكنولوجيا الذي يعتكفون عليه بالساعات لينبت بداخلهم الأفكار المتطرفة والاتجاهات الخاطئة والميول الغريبة... هم بحاجة لمنشأة تبنى عقولهم وتنبت بداخلها فكر منير وقبل ذلك تهدي أرواحهم المراهقة إلى الطريق المستقيم السوي وتعلمهم كيف يتعاملون مع التكنولوجيا متجنبين حدها الضار... نعم هم بحاجة لبعض الحزم والصرامة ولكن بطريقة العقل والاقناع، فهم كبار بقلوب يافعة وحماس متفجر لاكتشاف الحياة وفضول كبير لتعلم كل جديد ومشوق. لا يجب أن ننظر للتكنولوجيا أنها مجرد رفاهية لا تؤذي ونوقف عقولنا عن التفكير فى أضرارها وعيوبها، فالهواتف والأجهزة اللوحية والحاسبات الشخصية وشاشات عرض الأفلام والمسلسلات وغيرها تحتاج للرقابة التامة من الأسرة لتوعية الأبناء بسلبياتها وايجابياتها والحد من استخدامها المفرط بسبب أو بدون سبب، والتوعية بالأضرار الجسدية والصحية التي تسببها تلك الأجهزة فهي تؤثر بصورة سلبية قوية على الجهاز العصبي والأوعية الدموية والقلب، ناهيك عن الأمراض النفسية التي انتشرت بمعدل كبير فى الآونة الأخيرة تناسباً مع التطور الكبير فى التكنولوجيا العصرية الحديثة. العالم يتطور بسرعة كبيرة ومذهلة ولكنها مخيفة أيضاً، حيث يتناسب ذلك التطور عكسيا مع الحياة الاجتماعية والإنسانية والقيم والمبادئ والأخلاقيات أصبحت مثل أشياء قديمة بالية أكل عليها الدهر وشرب.
لذلك نتوجه بكلمات بسيطة وهامة لكل أب وأم... انتما ذلك الأساس المتين الذي يقيم بناء المستقبل..اذا كانت الأسرة مشتتة فأنتما من صنع ذلك..إذا كانت ضالة وتائهة فأنتما سبب ذلك.. إذا كانت فاشلة فأنتما من تسبب بذلك.. أعلم أن تلك الكلمات قد تكون جارحة أو صادمة لكنها للأسف الشديد هي الواقع الذي نحياه ونسعى جاهدين لإصلاحها عوضاً عن صنع المزيد من المال. دعونا نكتفى بما يسد حاجاتنا ونخصص ما تبقى من وقتنا لأبناءنا..نجتمع فى منزلنا الصغير ليحكي كل فرد منا عن همومه وما يواجهه خارج المنزل من مواقف جيدة وسيئة بدلاً أن نشكوها لأناس غرباء على مواقع التواصل الاجتماعي.. لنخصص الوقت الذي نقضيه مع وسائل التكنولوجيا لنزرع الدفء والسكينة فى منازلنا لنتعلم ما ينفعنا، ويصنع منا آباء وأمهات جديرين وجديرات أن نكون خلفاء الله في أرضه، ويجعل أبناءنا يفخرون بنا عندما نصل بهم إلى الأمان في ذلك العالم الذي أصبح بحر ظلمات عظيم يحتاج لسباحين ماهرين وغواصين محترفين للنجاة منه، ولن يكون ذلك ما لم نأخذ بالاسباب ومن أهمها اليقظة المبكرة واكتشاف الحياة الحقيقية التي نحياها، وأن جمالها في بساطتها ورقيها في هدوءها وفتنتها، في نقاء قلوبنا وصدق نوايانا وعدل ضمائرنا ونزاهة أحكامنا... سنحيا الحياة مرة واحدة وعلينا اختيار تلك الطريقة التي نحيا بها، فأما نحيا بعقل سليم وقلب سليم أو نحياها كما تشتهي الرياح فتسير بنا كما تشاء بينما نحن فقط نشاهد المصير الذى سنصل إليه، ولكن عندما نستفيق لن يكون من حقنا الإعتراض على ذلك المصير فنحن من أردنا ذلك ألّا نكون مسؤولين، ولكن ذنبنا سيكون أعظم إن كان أبناءنا قد ضلوا طريقهم بسببنا ومن أجل أشياء تافهة مادية ستدمر حياتهم وتهلكهم ببطء شديد لتصنع منهم آلات تركض خلف ماديات الحياة وشهوات النفس تاركين أرواحهم تظلم ويخبو نورها. فكونوا حريصين على تربيتهم جيداً وتعليمهم وتثقيفهم بما يتفق مع دينهم وبما يحمى عقولهم وقلوبهم، هم بحاجة لنا لنحميهم من عبث عصرنا ونحن بحاجة لهم ليحمونا من عبث عصرهم، فنحن جنودهم الآن وهم جنودنا غداً يحملون السلاح الذي سنعطيه لهم، فعلينا أن نجعله سلاح قوياً صالحا لكل زمان ومكان حتى يخوضوا معركتهم بقوة ويكونوا أبطالاَ كما كان أجدادهم من قبل، من بنوا الحضارات وصنعوا التاريخ وكانوا ومازالوا مثال يحتذى به رغم مرور السنين وقدم العصور إلا أن أثرهم مازال باقياً ما بقي الزمن... فما أعظم أن تكون غائباً حاضراً على أن تكون حاضراً غائباً.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.