التكنولوجيا وتزييف المعنى: كيف أضعف الذكاء الاصطناعي والتواصل الرقمي التفكير النقدي؟

من بين ما حطّه سيلُ ما بعد التكنولوجيا العَرِم، على نحو سيمولاكريّ؛ تضليل المعنى والواقع لدى العامة، التي تفتقر إلى أدوات التمحيص والنقد ومناهجه. فصارت دنيا اليوم بهذا كأنها طوفان رقمي تتلاطم أمواجه صورًا ورموزًا وأشكالًا، تعصف فيها المعلومات والمعاني عصفًا شديدًا من كل التيارات، من أجل محاكاة واقع يخصّ الأنظمة، سواء التي تسود نفسها أو تسودها سيدتها. فجاء من بين عبثهم بالمعنى وتزييفهم للواقع؛ أنك لا تكاد تجد واحدًا من العامة إلا وهو يقول في القضايا الكبرى ويحلّلها، ثم يقطع فيها بحكم الواثقين. 

ومردّ هذا في رأينا تلك الحرية المحرّرة من شروطها في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. إذ ثمة في غالبيتهم من قرأ كتابًا أو كتابين، أو نال شهادة ما في صنعة ما -ويا ليته لزم صنعته- أو ربما قد يكون لا هو من هؤلاء ولا هو من أولئك؛ فيتّخذ لنفسه منصة داخل عوالم الشاشات بكل جرأة ووقاحة، يريد بها أن يفيد الناس، وهذا في زعمه، أمّا حقيقته كما خبرناها من بعضهم؛ المال والظهور ليس غير، اللهم النزر منهم.

مسؤولية اعتلاء منصات التعليم والخطابة

إن اعتلاء منصات التعليم والخطابة والوعظ، كما هو متعارف عليه، إنما هو أمر يُقَلَّدُ ويُكَلَّفُ من لدن رجاله إلى من يرونهم أهلًا وكفؤًا له، فيُجِيزونهم عليه. إذن كما هو شاهد أمامنا، المسؤولية تُعطى ولا تُطلب. (ولنا في سِيَرِنَا ما يسدّ الحاجة في أمر المسؤولية وهل تُعطى أم تُطلب وما يقع في حكمها). 

فلننظر الآن نحو الموضوعات والقضايا والأفكار التي تُطرح وتُناقش على منصات السوشيال ميديا كتابةً وصوتًا وصورة، ولنحصِ منها -على سبيل المثال- مئة موضوع ونقوم بِتَنْخِيلِها نقديًا، فإن كان الحظ بجانبنا ستسقط تلك الموضوعات ليظل منها واحد أو اثنان كحد أكبر، يكونان مؤهلين للمقاربة والبحث العلمي، فضلًا عن أسلوب ونهج طرحها الشاذَّيْن عمّا هو متعارف عليه في صنعة الكتابة والإلقاء والخطابة على وجهها الحق. 

ليت شعري كيف سيتلقّى العاميّ -والعاميّ هنا قد يكون كذلك من حملة الشهادات العليا والجامعية- المعنى الحقيقي من إلقاءٍ وكتابةٍ على النحو الذي سبق ذكره؟ بل أين هو هذا المعنى الذي سيتلقّاه، وأين هو هذا المؤهل له؟ إنّا نأسف حقًا على العقود الماضية -وإن لم نشهدها- حين كان الذي يكتب أو يخطب أو يتكلم في قضايا العلم والمجتمع والنظام، النخبة المؤهلة لذلك بأعمالها وأفكارها. وكنتَ إذا ما أردت أن يُنشر لك كتاب أو مقالة أو أن تُقدم على حوار تلفزي؛ لا يستقيم لك الأمر إلا بعد معرفتهم وقناعتهم بشخصك وأعمالك السابقة ومسارك العلمي والثقافي. بعبارة أوضح: من أنت أولًا، ثم سواءً أكنتَ مع أو ضدّ.

اختلاط الحابل بالنابل في عصر الإنترنت

في الماضي القريب -قبل الإنترنت والغباء الاصطناعي- كنا نجد فئة قليلة من الناس هي التي تنهض جرأة بالقول في الموضوعات الدينية والاجتماعية والسياسية والعلمية والمعرفية والثقافية والقضايا الكبرى، إذ كانت هذه الفئة من مُلّاك أدوات النقد والتمحيص، دُربةً ومرانًا. أما اليوم فقد اختلط الحابل بالنابل، وظنّ كل من سوّلت له نفسه أنه يعقل علمًا يوجب زكاته (لقولهم زكاة العلم نشره) أن يقحم أنف نفسه بين هؤلاء القلة، الذين وجبت عليهم حقًا زكاة علمهم، فغلبت كثرة أولئك المضلّلين -وإن لم تكن عند بعضهم نية التضليل- قلّة هؤلاء ذوي المعنى الحق. فصار بذلك الواقع الرقمي يحمل ملايين المعاني؛ أزيد من نصفها باطلة، وربعها مضطرب الترتيب، والبقية هي التي يمكن النظر فيها على وجه الجدّ. 

ينبغي أن نعي جيدًا أن السعي خلف التكنولوجيا إنما هو عملية بناء صرح عظيم نحجب به المعنى الحق، وذلك لضخّها كثرة المعاني بأساليب فوضوية وعبثية على وجه التضليل المقصود. ولا يقولنّ قائل إنما هو حُسن استعمال التكنولوجيا أو إساءته؛ اصحُ يا صاح، إنها النفس وما أدراك ما النفس. بيد أن لنا رأيًا يقول: ربما لو ظلّت مفاتيح هذه التكنولوجيا بين أيدي مخترعيها فقط، وأداروها على الوجه الإنساني الذي يقتضيه العلم الحق، لهان الأمر ولما تأزّم المعنى بتأزم أخلاقنا وسياساتنا كما نشهده اليوم، ولكن الأنظمة تستولي عليها كلما ظهر واستُحدث منها شيء جديد، فتسخّرها نزولًا عند رغبة هواها وأمر إبليسها إلى ما هو عليه اليوم.

سقوط معنى «اقرأ» وتراجع البحث العلمي

لقد أسقطنا معنى لفظة «اقرأ» بسلاح تكنولوجي يُدعى «شاهد واحفظ ثم انسَ»، فأطحنا بهذا حقيقة معنى «البحث العلمي» بسلاح «انقر واسأل الغباء الاصطناعي»، فأمَتنا بهذين جميعًا خاصية العقل التي تقضي إعماله على الوجه الحق بضرب من الجهد من أجل حقيقة المعنى. فخارت بذلك عزيمة الناس وشحبت وذبلت قرائحهم، بعد اعتياد النفس واتكالها على التكنولوجيا، فيما تعرضه من معلومات جاهزة، بصرف النظر عن صوابها أو خطئها.

فيكون الحاصل مما سلف؛ خداع وتوهّم في النفس إثر تلك الدوامة التكنولوجية من المعلومات التي لها غايات بعيدة عن دعوة العلم والمعرفة. فيخرج فجأة أحدهم أو إحداهن -وهذا هو الأدهى- فيشرع في الكلام ويساجل ويعارض ويقول في شؤون الناس والمجتمعات. كما أن منهم من أصبحوا يعرضون النصائح بوصفهم مستشارين أسريين أو نفسيين أو غير ذلك، فنصّبوا أنفسهم على الناس وهم -أو هن- تالله لبما ينصحون لهم به أحوج. 

ولكن متى عثر التاجر المدّعي على زبائن قد فقدوا خاصية عقولهم، فلا جرم أن يأخذ في العرض عليهم كل ما استطاعه من منتوج، سواء أكان فاسدًا أم شبه فاسد، ولِمَ لا يفعل، وضرب الزبائن ذاك هو أكثر الناس فوق أرض اليوم؟ والأشد خطرًا أنهم ما زالوا في تكاثرهم الرُّويبضيّ: تجّارًا وزبائن، إلى أن تُنتزع المادة الأولية التي تقع تحت ملك الغرب، ولا نازع لها إلا بسلوك درب العلم الحق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة