لم يعد المال ورقًا يُتداول في الأيدي فحسب، بل أصبح كودًا رقميًّا يعبر القارات في ثانية، ومع صعود التكنولوجيا المالية (FinTech)، تغيّر مفهوم البنوك والتمويل والاستهلاك جذريًا. يعيش العالم اليوم ثورة مالية رقمية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والمال، وتختصر المسافة بين العميل والبنك لتضعها في شاشة الهاتف المحمول.
لم يعد غريبًا أن يدير الشخص أعماله وأموره المالية بهاتفه المحمول، ويمكنه تحويل الأموال وشراء المنتجات والحصول على قروض ودفع الفواتير والدخول في صفقات في أمكنة بعيدة دون أن يغادر الغرفة، فقد أصبح مصطلح (التكنولوجيا المالية) مصطلحًا دارجًا في السنوات الماضية، لقد غيّرت تقنيات الدفع الإلكتروني والخدمات المصرفية الرقمية وجه العالم المالي للأبد.
في هذا المقال نصحبك في جولة سريعة لنكتشف مراحل تطور التكنولوجيا المالية حتى وصلت إلى وجود كل الخدمات المالية على تطبيقات الهاتف المحمول، ونستعرض تاريخ التكنولوجيا المالية، من أول تلغراف مالي إلى العملات المشفرة والذكاء الاصطناعي المالي.
مفهوم التكنولوجيا المالية
مصطلح التكنولوجيا المالية أو FinTech من أهم المصطلحات المتداولة في الوقت الحالي، فهو يعبر عن التقنيات المبتكرة التي تُستخدم في القطاع المالي، اعتمادًا على التكنولوجيا والتطور الكبير في مجال الاتصالات، مثل المنصات الإلكترونية والخدمات المصرفية عن طريق الهاتف وأنظمة الدفع، إضافة إلى التطبيقات التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والعملات المشفرة والمستشارين الماليين عبر الإنترنت. ويمكن تلخيص مفهوم التكنولوجيا المالية بأنه أي ابتكار تكنولوجي يهدف إلى منافسة الأساليب المالية التقليدية في تقديم الخدمات المالية.
كل هذه الخدمات التي يُعبَّر عنها بمصطلح التكنولوجيا المالية لم تنشأ فقط في السنوات الأخيرة، وإنما تطورت على مدى نحو 100 عام لكي تصل إلى هذه المرحلة التي يمكن بواسطتها إدارة كل الأمور المالية بالهاتف المحمول، فيعد القطاع المالي من أسرع القطاعات التي تستفيد من التكنولوجيا.
وقد استُخدم مصطلح (التكنولوجيا المالية) أول مرة في إحدى المقالات التي نُشرت في صحيفة بوسطن جلوب عام 1967، وتحدثت عن إحدى الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية التي كانت تحمل أفكارًا كثيرة عن استخدام التطور التكنولوجي في المعاملات المالية، لكن المصطلح لم يصبح ذا شعبية حقيقية إلا مع بداية التسعينيات مستفيدًا من الطفرة التكنولوجية في ذلك الوقت.
تاريخ التكنولوجيا المالية وأجيالها المتعاقبة
لفهم أجيال التكنولوجيا المالية، يجب أن نعود للوراء قليلًا، عندما نعود إلى نهايات القرن التاسع عشر، ونرى كابلات التلغراف وأنظمة الاتصال التي ظهرت في ذلك الوقت، يمكننا أن نربط بينها وبين مشهد التكنولوجيا الحالي، فقد مهدت هذه الابتكارات لنقل المعلومات والأموال عبر مسافات طويلة، فيما يمكن عدُّه الجيل الأول من التحويلات المالية الإلكترونية البدائية، والسماح للناس بالاتصال بعضهم ببعض بكفاءة عالية، وهو ما نحتاج إليه لتحقيق مصطلح التكنولوجيا المالية.
أيضًا فقد أُنشئ أول خط إلكتروني لتحويل الأموال عام 1918 في الولايات المتحدة الأمريكية، واستفاد من خدمة التلغراف، قبل أن تظهر في خمسينيات القرن الماضي خدمات بطاقة الائتمان، وبعدها بطاقات الفيزا، وهو ما غيَّر تمامًا مفهوم الإنفاق والدفع وعلاقتهما بالاستهلاك. وبدأ معه الناس ينظرون إلى الأموال نظرة مختلفة، فقد أصبح هذا الكارت الصغير بديلًا عن كل تلك الأوراق المطبوعة.
وفي ستينيات القرن الماضي، كانت الخطوات واسعة في التكنولوجيا المالية، ولعل أهمها ظهور جهاز الصراف الآلي في لندن، وهو الذي فتح الطريق أمام مجموعة كبيرة من الخدمات المشابهة مثل أجهزة وآلات البيع الذاتية، فلم يعد الأمر يحتاج إلى وجود البائع أو المحلات المفتوحة، وإنما يتم الشراء من الآلة لتتوطد علاقة الناس بالتكنولوجيا المالية أكثر وأكثر.
ومع بداية السبعينيات ظهرت الأوراق المالية التي يتم تداولها في البورصة بصورة رقمية، وظهر بعدها نظام التسعير الإلكتروني، ثم ظهر نظام SWIFT (سويفت) لتوحيد المعاملات بين البنوك والمؤسسات المالية، وبفضله أصبح يوجد معيار عالمي لعمليات الأوراق المالية والتحويلات بين البنوك وبعضها، وبين الشركات والبنوك.
الخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية
كان ظهور الخدمات الرقمية سببًا في حدوث طفرة كبيرة في التكنولوجيا المالية وبداية تطور الخدمات المصرفية الرقمية في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، وهو ما أدى إلى نقل كثير من العمليات المصرفية إلى الإنترنت، فقد جرى توفير قدر رهيب من البيانات السوقية والتحليلات المالية والأخبار الحصرية عن المؤسسات والبنوك والشركات والمعاملات في كل مكان في العالم.
وفي عام 1994، أصبح عملاء البنوك في الولايات المتحدة قادرين على ممارسة بعض الخدمات المالية عبر الإنترنت (Online Banking)، مثل التحقق من الأرصدة ودفع الفواتير.
وفي البلد نفسه عام 1999، جرى تدشين أول بنك يعمل فقط على الإنترنت، وأتاح للعملاء كثيرًا من الخدمات المصرفية، ومكَّنهم من أن يكونوا روادًا في استخدام التكنولوجيا المالية التي ستصبح صيحة العصر بعد سنوات قليلة.
ومع الوقت، ظهرت كثير من البنوك التي تعمل على الإنترنت، وظهرت منصات التداول على الإنترنت، وهو ما أدى إلى ظهور كثير من شركات الخدمات المالية، وأدى بدوره إلى تطور سوق الأسهم وتفاعل الناس مع حركات البورصات في كل مكان في العالم.
وفي نهاية التسعينيات، كانت الطفرة الكبيرة التي صنعتها شركة (باي بال) التي أنشأت أول نظام للدفع عبر الإنترنت بهذه السهولة والسرعة والفاعلية والخيارات المتعددة في طرق الدفع الرقمية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الميلاد الحقيقي للتكنولوجيا المالية التي نعرفها الآن.
العملات الرقمية والتمويل الرقمي والبلوك تشين
على الرغم من الأزمة المالية التي تعرضت لها الشركات في عام 2008، فإن قطاع التكنولوجيا استطاع أن يعود مرة أخرى بعدد من الحلول المبتكرة التي كان من بينها العملات الرقمية، فقد اخترعت عملة (البيتكوين) عام 2008 التي تعتمد على تقنية البلوك تشين Blockchain الثورية؛ وهو ما دفع إلى مزيد من الابتكارات فيما يخص العملات المشفرة والتمويل اللامركزي ومعالجة المدفوعات السوقية. وحينئذ ظهر تأثير العملات المشفرة بوضوح في تحدي الأنظمة المركزية التقليدية.
ولكي تستطيع البنوك مواكبة هذا التطور وتسرِّع من عملية التحول الرقمي في البنوك، دخلت معظم البنوك الكبيرة في شراكات مع شركات التكنولوجيا للاستفادة مما يحدث وتحقيق المكاسب المالية، وعدم الابتعاد عن المشهد الذي كان يسير بسرعة كبيرة، وهو التعاون الذي أدى إلى ظهور كثير من الابتكارات الجديدة، وأصبح للبنوك بنية تحتية رقمية ضخمة، إضافة إلى كثير من التنظيم.
وهكذا كان من الطبيعي أن يجري دمج كل ما توصلت إليه شركات التكنولوجيا والبنوك مع الهواتف المحمولة، فقد أصبح يمكنك القيام بعدد من الخدمات المالية دون الذهاب إلى المصرف أو حتى استخدام الصراف الآلي، ويمكنك الدفع بواسطة قارئ البطاقات المحمول والهاتف عبر تطبيقات الدفع عبر الهاتف المنتشرة، وأصبح لمعظم الشركات والمؤسسات تطبيقات مالية للتسهيل على العملاء.
وبرز دور الذكاء الاصطناعي المالي في تحليل البيانات الضخمة وكشف الاحتيال وتقديم مشورة آلية (Robo-advisors) للعملاء بكفاءة عالية. ووفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي (World Bank)، فإن التكنولوجيا المالية تخلق فرصاً جديدة وكبيرة للوصول إلى الخدمات المالية، لا سيما في المناطق التي تفتقر إلى فروع البنوك التقليدية.
وكان لجائحة كورونا عام 2020 دور كبير في إدخال كثير من المستخدمين إلى نطاق التكنولوجيا المالية وتسريع تبني البنوك الرقمية (Neobanks)، فقد أصبح الاعتماد على الخدمات الرقمية أمرًا واقعًا وأكثر أمانًا؛ وهو ما أدى بدوره إلى طفرة كبيرة في عدد الشركات والمؤسسات والمصارف التي تستخدم التكنولوجيا المالية لإرضاء العملاء وللتواجد في مشهد المنافسة.
التكنولوجيا المالية في المنطقة العربية
تشير الأرقام إلى أن إيرادات قطاع التكنولوجيا المالية في السوق العالمي تجاوزت 190 مليار دولار في العام الماضي، وتركزت معظم هذه الأموال في الخدمات المصرفية الرقمية والمدفوعات عن طريق الإنترنت وبرامج الإقراض وإدارة الاستثمارات والتأمين وإدارة الشؤون المالية الشخصية.
وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA) التي توجد بها الدول العربية، فإن حجم سوق التكنولوجيا المالية أو ما يُعرف بـFinTech في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وصل إلى أكثر من مليار ونصف مليار دولار في العام الماضي، مع توقعات بزيادة هذا الرقم في السنوات القادمة، حيث يعد قطاع التكنولوجيا المالية أحد أهم القطاعات التي تلقى قبولًا على مستوى التمويل والتداول، وتستحوذ على نحو 25% من الاستثمارات الجريئة.
ولعل أكثر ما يميز المنطقة العربية هو وجود نسبة كبيرة من الشباب الذين يملكون بدورهم خبرة كبيرة في التعامل مع التكنولوجيا واستخدام أدواتها مثل الأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، وهو ما نحتاج إليه لزيادة التوسع في قطاع التكنولوجيا المالية، فيفضل هؤلاء الشباب إجراء المعاملات وإدارة الأموال بالهواتف المحمولة.
وهكذا أصبحت التكنولوجيا شريكًا في كل شيء، حتى في إدارة المال ودفع الفواتير ومتابعة الأسهم والأعمال والحصول على استشارات وقروض. وقد يأتي اليوم الذي تصبح فيه النقود التي نعرفها ذكريات أو توضع في المتحف لتشاهدها الأجيال القادمة.
وفي نهاية هذا المقال نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات حول استخدام الهاتف في الإدارة المالية، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.