تواجه مدينة الإسكندرية الساحلية المعروفة بلقب عروس البحر المتوسط تهديدًا متزايدًا يطال بنيتها التحتية ومبانيها العريقة، يتمثل في العلاقة المعقدة بين التغير المناخي وانهيار المباني. فقد شهدت الإسكندرية انهيار أكثر من 280 مبنى خلال الأعوام العشرين الماضية، ويعتقد العلماء أن للتغير المناخي يدًا في ذلك. فلم تعد الظواهر المناخية دلائل نظرية فقط، بل أصبحت كارثة واقعية بدأت تلتهم البنية التحتية وتهدد حياة المواطنين. هذا التهديد ليس مقتصرًا على الإسكندرية وحدها، بل معظم المدن الساحلية في العالم قد تواجه المصير ذاته إذا لم تُتخذ تدابير عاجلة للحد من آثار تغير المناخ.
هذا المقال يغوص في الأبعاد العلمية لهذه الأزمة، ويوضح لماذا الإسكندرية ليست وحدها في مواجهة هذا المصير.
إن التغير المناخي ليس زيادة في درجات الحرارة، بل هو إعادة تكوُّن عنيفة لمنظومة الطقس والمياه على كوكبنا. وفي مدينة الإسكندرية، يتجلى هذا الخطر في صورة مقلقة ومباشرة: انهيار المباني المتكرر. فالأمر لا يتعلق فقط بمخالفات البناء، بل بعملية تآكل صامتة تحدث تحت أقدامنا. تكشف الدراسات الحديثة، ومنها دراسة بارزة للعالم المصري عصام حجي، عن ارتباط وثيق بين انهيار المباني، وتآكل الشواطئ، وتسرب مياه البحر إلى أساسات المدينة.
العلاقة الخفية: من تآكل الشواطئ إلى انهيار المباني
التغير المناخي ليس زيادة الحرارة فقط، بل هو تغير في منظومة الطقس والمائي. وأثبتت الدراسات وجود ارتباط بين انهيار المباني وتآكل الشواطئ. فقد كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Earth's Future عن أن الإسكندرية شهدت انهيار أكثر من 280 مبنى خلال العقدين الماضيين، بمعدل ارتفع من انهيار واحد سنويًا إلى ما يقارب 40 انهيارًا سنويًا، وأن هناك أكثر من 7000 مبنى آخر معرض للخطر.

ولكن، ما الذي يحدث تحت الأرض؟ العملية تبدأ بتآكل الشواطئ واختفاء الرمال التي كانت تعمل حاجزًا طبيعيًّا. هذا يسمح لمياه البحر المالحة بالتسرب إلى التربة، فتختلط بالمياه الجوفية وترفع منسوبها، لتصل في النهاية إلى أساسات المباني. هذه المياه المالحة تسبب تآكلًا كيميائيًا للخرسانة وحديد التسليح، وتُضعف قدرة التربة على التحمل، ما يؤدي إلى انهيارات مفاجئة. يضاف إلى ذلك عوامل أخرى مثل سوء الصيانة ومخالفات البناء، ما يزيد الأمر سوءًا.
الأسباب المناخية لانهيار المباني في الإسكندرية
يمكن تلخيص أسباب انهيار المباني في الإسكندرية في بعض النقاط، وأبرزها:
-
ارتفاع منسوب سطح البحر: يُعد ارتفاع منسوب سطح البحر الناتج عن ذوبان الجليد والاحترار العالمي أحد أهم العوامل. وتشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) إلى احتمال ارتفاع مستوى سطح البحر بين 0.29 و1.10 متر بحلول عام 2100. في الإسكندرية، يُسهم هذا الارتفاع في تسرب المياه المالحة إلى طبقات المياه الجوفية الساحلية، ما يؤدي إلى ارتفاع مناسيب المياه الجوفية الساحلية والإسراع بوصولها إلى أساسات المباني، مما يُسرع تآكلها، ثم انهيارها. وقدرت دراسة أن "7 آلاف مبنى آخر في دائرة الخطر" في الإسكندرية.
-
تآكل السواحل: تتأثر شواطئ الإسكندرية بالتآكل المستمر بفعل ارتفاع منسوب البحر وسوء التخطيط العمراني، ما يسرّع من خطر غرق أحياء بأكملها مثل بحري والأنفوشي وكرموز.

-
الظواهر الجوية المتطرفة: تزيد شدة وتكرار العواصف والأمطار الغزيرة بفعل التغير المناخي. هذه الظواهر تُسهم في تلف البنية التحتية وتهالك شبكات الصرف، ما يؤدي إلى تجمع المياه وتأثيرها على أساسات المباني في المناطق الساحلية.
التغير المناخي خطر يهدد الإسكندرية وحوض المتوسط
كل مدن جنوب وشرق المتوسط، الممتدة من تونس حتى الإسكندرية، تواجه الخطر ذاته. فالبحر المتوسط يُعد نقطة ساخنة مناخيًا، فترتفع حرارته بمعدل أسرع من المتوسط العالمي. فقد زادت حرارة مياهه السطحية بمقدار درجتين ونصف تقريبًا منذ عام 1982، مما أدى إلى:
-
زيادة معدلات تبخر المياه.
-
تغير في مسارات الرياح.
-
زيادة حدة وتواتر العواصف الشديدة.
لذا فإن العواصف العنيفة التي شهدتها الإسكندرية ليست صدفة، بل هي نمط مناخي متوقع أن يزداد قسوة في المستقبل.
الحل في الطبيعة: رؤية علمية لإنقاذ الإسكندرية
نحن في زمن يتحدث فيه العلم بقوة. العالم المصري عصام حجي يرى أن الحلول يجب أن تكون "مع الطبيعة، لا ضدها". فبدلًا من محاربة البحر، يجب أن نفهم آلياته ونعمل بتوافق معها.

ما هذه الحلول الذكية؟
-
تطوير الشريط الساحلي: عبر مشروع متكامل لإعادة تغذية الشواطئ بالرمال، بهدف توسيع المسافة بين البحر والمباني.
-
تثبيت الرمال بالنباتات: زراعة أنواع معينة من النباتات الساحلية التي تتحمل الملوحة، حيث تعمل جذورها على تثبيت الكثبان الرملية وتمنع تآكلها بفعل الرياح والأمواج. هذه التقنية تُعرف بالحلول القائمة على الطبيعة، وهي إستراتيجية عالمية أثبتت فعاليتها وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالحواجز الخرسانية التقليدية.
-
الوعي والتمويل: يؤكد د. حجي على أن وطننا العربي يتعرض لخطر مناخي كبير، والأمر يتطلب وعيًا مجتمعيًا بخطورة الموقف، وتمويلًا كافيًا للدراسات والبحوث، وتطبيق الحلول على أرض الواقع.
دعوة للعمل قبل فوات الأوان
صرح العالم المصري الكبير، فإن زيادة درجات الحرارة لكثيرين في وطننا العربي قد لا تتجاوز كونها تغيرًا في درجة مكيف الهواء. لكن الحقيقة أننا أمام تهديد وجودي يتطلب تحركًا فوريًا. إن إنقاذ الإسكندرية ومدننا الساحلية الأخرى ليس مشروعً هندسيًّا، بل هو اختبار لوعينا وقدرتنا على التكيف مع واقع مناخي جديد، فإما أن نستمع للعلم ونعمل به، أو سندفع جميعًا ثمنًا باهظًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.