أصبح تعلم اللغة الإنجليزية من الضرورات لمن يريد العمل في وظيفة براتبٍ مجزٍ في أي بقعة من العالم؛ فهي على رأس المؤهلات المطلوبة للتقدُّم لأي وظيفة في كبريات الشركات العالمية والمحلية، وهذا مما لا مراء فيه؛ فاللغة الإنجليزية هي لغة التواصل العالمية ولغة العلم في العصر الحالي.
اقرأ أيضًا يوم اللغه الانجليزية
إحلال المفردات الإنجليزية محل العربية
من المعروف أن أهمية تعلم اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات موضوعٌ قد انتشر في منصات التواصل الاجتماعي، فكثر المعلمون والمتعلمون لهذه اللغة على اختلاف الجدية في التعلم من شخص لآخر، وفي هذا الأمر فائدة عظيمة ولا ريب للمتعلم الجاد، ولكن الإشكال والركيزة التي كُتب لأجلها هذا المقال هو أن تعلُّم اللغة الإنجليزية بالأخص لم يقتصر تأثيره في الإفادة من الميزات التي يمنحها تعلمها للشخص بل تعدى تأثيرها إلى أن أصبحت المفردات الإنجليزية في كلام أغلب متعلميها طاغيةً على المفردات العربية.
فبات الناس يلجؤون إلى كلماتٍ إنجليزية للتَّعبير عن أشياءٍ لها في اللغة العربية -فصيحةً كانت أم عامية- ألفاظ كثيرة أدق في الدلالة على المعنى والإشارة إلى المراد بأوضح العبارات.
وهم يُقدِمون على استبدال المفردات العربية بالمفردات الإنجليزية منقسمين إلى فريقين:
أحدهما: الفريق المنبهر بالتقدم الذي حققه الإنجليز خاصة والغرب عامة. فهم يرون أن تعلم اللغة الإنجليزية والتجرد، بل والانسلاخ، من اللغة العربية لغتهم الأم مدعاة للفخر؛ لأنهم حسب ظنهم يصيرون في زمرة المتقدمين ويتبرؤون من وصمة العالم الثالث.
وثانيهما: الفريق المتأثر بكمية المواد التي يتعرض لها باللغة الإنجليزية مقارنةً بكمية المواد التي يتعرض لها باللغة العربية. فهو يتعلم باللغة الإنجليزية ويتواصل بها مع مدرائه وعملائه والعالم من حوله، فإمكانية تعرضه لمواد باللغة العربية قليلة جدًّا جدًّا، على الرغم من أن اللغة العربية هي اللغة التي يتواصل بها مع محيطه ويشارك أفكاره مع الآخرين بها.
لكنه لا يعرف عنها سوى شذرات تعلَّمها في المدرسة ثم اشتغل وانشغل بغيرها عنها، فأصبح يجهلها ولا يعرف إلا الفتات عنها، وخاصة أن اللغة الدارجة بين الناس غير تلك التي نحذر من ضياعها ونعتب على من يهمل تعلمها قبل أي لغة أخرى؛ إذ إن العامية ليست لسانًا واحدًا، بل هي ألسنة شتى تجتمع تحت مظلة اللغة العربية الفصيحة الأصيلة.
فهي التي توحِّد كل المتحدثين باللسان العربي وهي التي تحوي كيان الإنسان العربي بكل تفاصيله، فبها يقرأ العربي تاريخه وبها يتذوق أدبه شعرًا ونثرًا، وبها يتعلم علوم دينه، وبها يتعبد بتلاوة كلام ربه. فاندثار العربية معناه محو هوية الإنسان العربي وكل ما يتصل به من قريبٍ أو بعيد.
اقرأ أيضًا اللغة الإنجليزية لغة عالمية.. هل بسبب الاحتلال البريطاني أم ماذا؟
الأثر النفسي للجهل باللغة الأم
والمتأملُ لحال الفريقين يجد أهمية إقناع الفريق الأول بأن الجهل باللغة الأم ومعرفتها معرفة سطحية له من الآثار التي لا تُحمد عقباها الكثير، أهمها الآثار النفسية المرتبطة بعدم ثبات الهوية اللغوية في التعبير لدى الشخص. فهو لا يستطيع ترجيح إحدى اللغتين على الأخرى في تصوره للعالم. فاللغة بحد ذاتها تُعد الوعاء الذي يحوي الكينونة التي يتصور الإنسان عن طريقها الأشياء.
فالكلمات هي التي تشكِّل إدراك الإنسان لكل ما حوله، وهي التي تحدد كيفية فهمه لمشاعره؛ إذ إن الإنسان الذي تجرد من لغته الأم لا يستطيع فهم معاني مفرداتها حتى البسيطة منها، فيلجأ للغةٍ أخرى لها بناء لغوي تُفهم به الأشياء على غير ما تُفهم به في لغته العربية، لتسعفه في التعبير عمَّا في نفسه، ولكن التذبذب ما بين مفردةٍ من هنا وأخرى من هناك يجعل وصول ما يعنيه ناقصًا، وإن فهم من يُخاطبهم ما يريد قوله فلن تصل المشاعر بالوهج نفسه والتأثير نفسه ما لو كان الكلام بلغةٍ تملك كيانه كله فتخرج كلماته دقيقة وصادقة فلا يُشعر من يكلمهم بأنه غريبٌ لا ينتمي لأي من أهل اللغتين.
اقرأ أيضًا حقائق مثيرة تصيبك بالذهول عن اللغة الانجليزية
مبررات صانعي المحتوى العرب
وأما الفريق الثاني فقد تناوله مشاهيرُ صانعي المحتوى التعليمي العرب على منصة يوتيوب بالنقد والتوضيح والتبرير إلى غير ذلك من النقاشات التي دارت حول هذه النقطة بالتحديد. ومبررات هذا الفريق لها أوجه، فمنهم من يقول إن سبب استخدام الكلمات الإنجليزية هو وجود مصطلحات أو لنقل أسماء إنجليزية لا مقابل لها في اللغة العربية ولا غنى عنها لمن يتعلمون العلوم الحديثة وللمشتغلين بها، وخاصة العلوم التقنية.
فهي أسماء لا بد من إيرادها كما هي. ومنهم من يبرر تغلغل الكلمات الإنجليزية في ثنايا كلامهم بأن اللغة الإنجليزية قد طغت على اللغة العربية؛ لأنهم يتكلمون الإنجليزية أكثر من كلامهم بالعربية (الفصيحة والعامية) بحجة أن ذلك ما يضطرهم إليه مجال عملهم وما يقتضيه العصر من مواكبة التقدم السريع الذي يحدث في العالم.
المآخذ على كلا الفريقين
كلا الفريقين -أيًّا كانت المبررات التي يضعانها مسوغًا لاستبدال المفردات العربية بأخرى إنجليزية- يستخدمان كلماتٍ إنجليزية أثناء حديثهما، رغم وجود اللفظ العربي الصريح الواضح الذي لا يحتاج حتى إلى دراية عميقة بالعربية، مُظهرين أن اللفظ الإنجليزي أكثر روعة وأفضل من اللفظ العربي. والأمثلة على ذلك كثيرة منها "enjoy" بدلًا من "استمتع" و"over" بدلًا من "زيادة" و"brand" بدلًا من "ماركة" و"easy" بدلًا من "سهل" و"create" ومشتقاته!
مع أن الكلمات العربية التي تأتي مرادفةً لهذا الفعل واشتقاقاته كثيرة جدًّا، وهي أدق في التعبير، ولها وقع على النفس رشيق. وأمثال هذه الكلمات كثيرة أعجز عن حصرها؛ فهي متفرعة ومتشعبة، وكل أهل اختصاصٍ تجدهم يستخدمون الكلمات الإنجليزية التي يتعرضون لها في مجال اختصاصهم في الحياة اليومية مستسهلين ذلك لدرجة أن تأثير إحلال الألفاظ الإنجليزية محل العربية قد استشرى في القنوات الإعلامية العربية إلى أن صار الناس يستسيغون كلمات أعجمية ويتكلمون بها، وكأنها من مفردات لغتهم مثل "scroll- like-trend-post-shorts-view-comment" والقائمة تطول.
ماذا عن الإعلام والترجمة؟
ومما منح هذه الكلمات القوة لاحتلال مكانها في الوسط العربي اعتراف الإعلام العربي بها وخضوعه لها دون محاولة الحفاظ على هوية اللسان العربي عن طريق استخدام كلمات أنسب وأدق بالعربية. فاللغة العربية أقدر اللغات على توليد الألفاظ وأغناها بالمفردات.
ومن ذلك أيضًا الأثر الذي أمسى يخيِّم على الترجمة إلى العربية. فالفهم القاصر لحجم ما تحمله اللغة العربية من مفردات وقدرتها العجيبة على توليد الألفاظ بعضها من بعض والاكتفاء بالفهم المباشر والحرفي لمألوف وتافه الألفاظ مع فهمٍ أعمق للغة الإنجليزية فذلك لا يجدي نفعًا في عملية الترجمة.
نعم يوجد من يترجم ترجمة راقية ولكن الأعم الأغلب يُترجمون المعاني والكلمات الإنجليزية بصورة حرفية تُظهر مدى عجز المترجمين في جانب اللغة العربية رغم أنهم قد يكونون مهرة في الإنجليزية، لكن الإنجليزية لغةٌ ذاتُ معانٍ مباشرة ليست كالعربية التي تمتاز بعمق دلالات ألفاظها وأن بها لكل شيءٍ مفردة دالة ولكل حركة وسكنة كلمة تشير إلى الخيط الرفيع بين المعنى الظاهر والخفي. فأي لغة أعظم وأعمق من العربية؟!
وكما يقول الشيخ علي الطنطاوي: "ونحن اليوم أشبه العصور بعصر المنصور والمأمون، أمة كانت معتزلة منطوية على نفسها، ثم اتصلت بأمم غيرها لها مدنيات ولها علوم، فإذا استمرت على عزلتها علت عليها تلك الأمم بعلمها وقويت، وإن تعلَّمت ألسنتهم لتفهم علومهم أضاعت لسانها وعصبيتها، فلم يبق إلا أن تنقل كتب الأمم إلى لسانها فتزداد به غنىً في الأفكار وفي وسائل التعبير ثم تفهمها وتسيغها وتهضمها كما يقولون ثم تنشئ مثلها إنشاءً" (كتاب فكر ومباحث رقم الصفحة 173).
تحذير: صار التلفظ بهذه الكلمات -المائعة- علامة من علامات الثقافة والرُّقي والتحضر، وهذه المظاهر لا تعني إلا شيئًا واحدًا هو الجهل التام بتاريخ الحضارة العربية والانهزام المطلق لثقافةٍ دخيلة دُست بالسم وغُلفت بالعسل. فالحذر الحذر!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.