توجد أسباب عدة قد تدفع الشخص إلى التعلق بمن يؤذيه، مثل أن يكون لديه أمل كبير في تغيير هذا الشخص، وهو ما يجعله يقدم له مزيدًا من الفرص، أو الخوف من الهجر والوحدة، وبالتالي الرضا بالعلاقة المؤذية. كما أن بعض الناس يعانون من إدمان كيميائي للعلاقة، فيما يعرف نفسيًا باسم (رابطة الصدمة).
وفي هذا المقال نشرح لك لماذا نتعلق بشخص يؤذينا، وما هو الفرق بين الحب الصحي والتعلق المرضي، وما هي التكلفة الحقيقية للبقاء في علاقات مؤذية، وكيف تتخلص من التعلق بشخص مؤذٍ.
التعلق المرضي بالشخص المؤذي يرتبط غالبًا بالخوف من الهجر ورابطة الصدمة، ويؤدي مع الوقت إلى استنزاف نفسي وجسدي وفقدان تدريجي للهوية والثقة بالنفس.
لماذا يستمر الناس في علاقات مؤذية لهم؟
- علاقة الصدمة: أحد أقوى الأسباب وأكثرها شيوعًا في استمرار الشخص في علاقة مع شخص يتسبب له في الأذى، حين يمشي الشخص المؤذي على وتيرة الأذى ثم الندم ثم الحنان المفرط، ثم العودة إلى الأذى مرة أخرى. وهو التذبذب الذي يجعل الشخص الآخر مترقبًا للحظات الحنان، ليتحول الأمر إلى إدمان كيميائي للدوبامين.
- التعلق القلق: بالنسبة لكثير من الأشخاص الذين عاشوا في بيئات غير مستقرة، فإنهم غالبًا يستمرون في العلاقات حتى ولو كانت مؤذية، لأنها تشبه نمط العلاقات التي نشؤوا عليها، ويصبح الأمر مألوفًا لديهم وأكثر أمانًا من العلاقات المجهولة.
- الاستثمار العاطفي: كثير من الناس يقع في فخ الأمل في التغيير، ويبحثون عن الصورة القديمة للشخص المؤذي حينما كان حنونًا وعطوفًا، ويبذلون كثيرًا من الجهد في التحمل للوصول إلى هذه الصورة، ويستمرون في العلاقة ويقدمون الفرص تلو الأخرى رغم الأذى المستمر.
- تدني الاستحقاق: هناك أيضًا أشخاص لا يثقون بأنفسهم ويعتقدون أنهم لا يستحقون المعاملة الجيدة أو أنهم السبب في تدني العلاقة، وبالتالي يغضون الطرف عن الأذى ويستمرون في الخسارة.
- الخوف من الهجر: قد يكون التعلق بالشخص المؤذي ليس حبًا في الشخص نفسه بقدر ما هو خوف من المصير المجهول، حيث الهجر والوحدة والفراغ، واعتقاد الشخص بأنه سيفقد قيمته أو هويته إذا خرج من العلاقة المؤذية نفسيًا.

ما الفرق بين التعلق الصحي والتعلق المرضي؟
بطبيعتنا البشرية نميل إلى الارتباط والتعلق خاصة في العلاقات العميقة، إلا أننا يجب أن نفرق بين التعلق الصحي والتعلق المرضي العاطفي من خلال النقاط التالية:
الحرية والاستقلالية
- التعلق الصحي يجعل الطرفان يكملان بعضهما البعض، إلا أنه يمنح كل طرف منهما حياته الخاصة والقدرة على ممارسة اهتماماته، وبالتالي تصبح الحياة أفضل جودة.
- التعلق المرضي يجعل الشخص يشعر بعدم اكتماله أو وجوده إلا في وجود الطرف الآخر، وبالتالي يصبح وجوده شرطًا لاستمرار الحياة، ويتخلى عن علاقاته وهواياته وأنشطته لإرضاء الطرف الآخر.
الشعور بالأمان
- في التعلق الصحي، ونتيجة الثقة والوضوح، يشعر كل طرف بالأمان في وجود الآخر ولا يحتاج إلى مراقبته أو التأكد من حبه في كل لحظة.
- أما في التعلق المرضي، فتسود مشاعر القلق والغيرة القاتلة، ويحتاج الشخص إلى مراقبة شريكه للاطمئنان، وهو ما يجعل الحياة دائرة من الخوف من الهجر والخيانة.
النمو الشخصي
- في التعلق الصحي، يساعد كل طرف الآخر للوصول إلى أفضل حال، وبالتالي النجاح والتطور الشخصي، ويفرح كل منهما الآخر بالتميز وتحقيق النتائج.
- أما في التعلق المرضي، فيكون هناك طرف يسعى إلى التطور والنجاح ويحاول إبقاء الآخر في حالة ضعف، وينظر إلى نجاحه أو محاولته التطور باعتبارها تهديدًا للعلاقة.
التواصل والصراعات
- في العلاقة الصحية، يكون الحوار والاحترام هما لغة حل الخلافات والتعبير عن الآراء دون أن تكون هناك مشاعر انزعاج أو خوف من رد الفعل.
- أما في التعلق المرضي، فغالبًا ما تكون هناك إجراءات الصمت العقابي واللوم الشديد والتلاعب العاطفي التي تجعل الطرف المؤذي يجبر الطرف الآخر على تجنب إغضابه.
الطاقة النفسية
- غالبًا ما يؤدي التعلق الصحي إلى الإحساس بالأمان والهدوء والسكينة.
- أما التعلق المرضي فيستنزف الطاقة النفسية للشخص الضعيف ويجعله دائمًا في حالة من التوتر والإرهاق النفسي.
ما هي تكلفة البقاء في علاقات مؤذية؟
- التكلفة النفسية: غالبًا ما يفقد الشخص هويته ويبدأ بنسيان نفسه ويتحول إلى صدى لرغبات الآخرين، وهو ما يزيد من خطورة الإصابة بالقلق والاكتئاب المزمن واضطرابات النوم، وبالتالي تآكل الثقة بالنفس والشعور بعدم الاستحقاق.
- التكلفة الجسدية: مع هذا القدر من التوتر والضغوط النفسية قد يصاب الشخص بآلام في القولون العصبي والصداع النصفي، بالإضافة إلى ضعف جهاز المناعة وآلام الظهر والرقبة نتيجة التشنج العصبي المستمر.
- التكلفة الاجتماعية: على المستوى الاجتماعي والمهني، يتأثر الشخص سلبيًا حيث ينسحب عن أصدقائه ونشاطاته وهواياته، ويتراجع أداؤه وتقل إنتاجيته نتيجة استنزاف الطاقة النفسية والجسدية، وهو ما يفقده كثيرًا من الفرص ويدفعه للتراجع بدلاً من التطور والتقدم.
- تكلفة الفرصة البديلة: مع الاستمرار في العلاقة المؤذية، يجد الشخص نفسه وقد مرت الأيام والسنين وفقد كثير من الوقت الذي كان يمكن أن يقضيه في سلام أو في علاقات أكثر أماناً أو في تحقيق أحلامه، وبالتالي لا يمكن تعويض العمر الذي يمر.
كيف نتخلص من التعلق بشخص مؤذٍ؟
إذا كنت تسأل كيف أخرج من علاقة مؤذية؟ فإن الأمر يتطلب بعض الحزم في اتخاذ القرار والاعتراف بأن العلاقة مؤذية، وقبول الحقيقة بأن الابتعاد عن الشخص المؤذي هو الحل، واتخاذ خطوات لتعويض الفراغ العاطفي، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال الخطوات التالية:
- قطع الاتصال: من أجل التخلص من العلاقة المؤذية يجب أن يكون قطع الاتصال نهائيًا، حيث لا سبيل للعودة مرة أخرى، وذلك من خلال حذف الأرقام، والتوقف عن متابعة الحسابات، وتجنب التواصل الاجتماعي بأشكاله المختلفة.
- الاعتراف بالأذى: من المهم أن يعترف الشخص بأنه تأذى من العلاقة ويواجه نفسه بعيوب الشخص الآخر والآلام التي تسبب فيها حتى لا يضعف مرة أخرى ويعود لنفس التعلق.
- ملء الفراغ العاطفي: غالبًا ما يصبح الإنسان ضعيفًا بعد العلاقات، وبالتالي يمكنه ملء ذلك الفراغ بتعلم مهارة أو ممارسة هواية جديدة أو الاندماج في العمل أو الدراسة.
- تعزيز حب الذات: لكي يرفع الشخص ثقته بنفسه ويصبح أكثر قدرة على الاستغناء عن الشخص المؤذي، يجب أن يطور نفسه ويعتني بصحته النفسية والجسدية ويمارس الرياضة.
- طلب الدعم: في بعض الحالات قد يكون التخلص من التعلق بشخص مؤذٍ صعبًا ويحتاج إلى الدعم سواء من الأشخاص المقربين أو من الأخصائي النفسي.
- التخلص من الذكريات: من الأفضل أن يتخلص الشخص من كل ما يذكره بالعلاقة المؤذية سواء الهدايا أو الصور أو الرسائل أو أي شيء يمكن أن يجعله يشعر بالندم ويفتح الباب للألم أو الرغبة في العودة.

في الختام، يجب أن تدرك أن قرار الرحيل عن علاقة مؤذية ليس فراقًا فقط، بل هو إعلان استقلال لنفسك وهويتك التي تلاشت تحت وطأة الأذى. قد يكون كسر رابطة الصدمة مؤلمًا في البداية كأي عملية تعافٍ من الإدمان، لكن الثمن الذي تدفعه من صحتك وعمرك في سبيل البقاء هو الأغلى على الإطلاق.
تذكر دائماً أنك تستحق حباً يمنحك الأمان لا القلق، ويدفعك للنمو لا للذبول. ابدأ اليوم بأول خطوة نحو ذاتك، فالاستغناء عن المؤذي هو قمة الرقي بالنفس. ونحن بانتظار مشاركتك لتجربتك أو رأيك في التعليقات: كيف استطعت أو تخطط لتجاوز علاقة استنزفت طاقتك؟ شارك المقال ليكون طوق نجاة لغيرك.
وفي نهاية مقالنا عن أسباب البقاء في علاقات مؤذية، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة. كما يسعدنا أن تشاركنا رأيك في التعليقات ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.