لم تكن طفولتها كبقية الأطفال الذين عرفوا الحنان في لمسة أم، أو الأمان في نظرة أب. ولم تكن تعرف ما الذي يعنيه مصطلح الأبوة؛ كانت طفولتها محاطة بجدران باردة، تخلو من أي دفء يُذكر؛ فالبيت الذي نشأت فيه لم يعرف للابتسامة مكانًا، ولا للهدوء طعمًا، ولا للراحة ملاذًا.
فالأصوات فيه صاخبة، تكاد تخترق الجدران، وقد كسرت سكينة من فيه؛ فالقسوة كانت اللغة الوحيدة المتداولة، والصرامة كانت المبدأ الذي يسير به كل شيء.
وكان يُحظر عليك أن تُبدي رأيك مهما كان بسيطًا؛ دورك أن تُنفذ الأوامر، صحيحة كانت أم خاطئة، دون التفوه بكلمة واحدة، وإلا فإن العقاب يقع عليك وبصرامة.
كبُرت في هذا الجو القاسي، وتعلمت منذ الصغر أن تُخفي مشاعرها؛ فالبكاء العلني أو إظهار الضعف كان ممنوعًا. فكانت تعيش في خوفٍ دائم، وروحها تتألم من أصوات الغضب والصراخ حولها، ومن احتمالية أن يُوجَّه اللوم إليها في أي لحظة.
حُرمت من اللعب، ومن الحديث بحرية، ولم يُسمح لها بتكوين صداقات مع من يماثلنها في العمر. فكانت الطفولة نفسها ممنوعة عنها؛ فمن المفترض عليها أن تُخزِّن خوفها كله، وغضبها في أعماقها، وأن تتعلم الصمت وسيلة للبقاء على قيد الأمان.
فكان قلبها صغيرًا جدًا على ثقل كل هذا الألم، لكنها مضت في حياتها، تحمل على كتفيها ميراثًا من المعاناة لم تكن قد اختارته. كانت تحاول أن تصنع لنفسها مساحة صغيرة من الثَّبات وسط كل تلك العتمة، وذلك الظلام الحالك.
ففي كل ليلة، كانت تبحث عن مهربٍ من قسوة الواقع؛ فتغلق عينيها وتنسحب إلى أعماقها، إلى مكانٍ سريٍّ ينتظرها، كانت قد صنعته لنفسها. ذلك المكان لم يكن مرئيًا، لكنه كان الأكثر واقعية بالنسبة لها؛ عالمٌ صغير لا يشاركها فيه أحد، ولا يملك أحد القدرة على اقتحامه أو التحكم به.
في ذلك المكان، كانت تُطلق العنان لروحها لتفرح كما تشاء، وتضحك بلا خوف، وترقص بلا قيود، وتطير بخفة كما لو أن جناحين قد نبتا لها فجأة.
في ذلك العالم الخاص، لم يكن يوجد صراخ أو تهديد، لم يكن فيه من يُشعرها بالذنب أو يُحاصر طفولتها؛ كان فقط دفء الحرية الذي حُرمت منه. ذلك الملاذ لم يكن خيالًا، بل كان الأكسجين الذي مكَّنها من الاستمرار، والنافذة الوحيدة التي تتنفس منها حين كانت كل الأبواب موصدة.
لكن ما يلبث الواقع أن يوقظها، لأنه أقوى من كل محاولاتها للهروب؛ فيقتحم عالمها بصوت الصراخ والتهديد، ويُعيدها باستمرار إلى دائرة الخوف التي سكنت قلبها منذ الصغر.
فكان الغضب يبدو لها كظلِّ وحشٍ ثقيل يتربص بها في كل لحظة، ويهدد بأن يتجذَّر في داخلها، وأن يتحول إلى جزء من ملامحها، ويُطِل برأسه في تعاملها مع الآخرين. وكانت تُرعبها فكرة أن تفقد ما تبقى من براءة الطفلة التي كانت تحاول التشبث بها، ولو بخيط رفيع.
ومع مرور السنوات، لم يعد الغضب عابرًا، بل أصبح يسكنها كضيفٍ دائم لا يغادر؛ فكبُر معها، والتصق بروحها، حتى أصبح ملامح داخلية يصعب إخفاؤها.
وكانت تُدرك أن البيئة التي نشأت فيها لم تترك لها خيارًا آخر؛ فالغضب كان الحاضر الأول في كل موقف، والصرخة هي اللغة السائدة التي تُستَخدم كرد فعل على أي خطأ، مهما كان بسيطًا أو بريئًا. وكانت أصعبها تلك الصرخات الصامتة، التي لا تجد لها ملاذًا ولا طريقًا للخروج.

لم تكن ترغب يومًا أن تشبههم، ولا أن تكرر ما عاشته، لكنها اكتشفت مع الوقت أن هذا الإرث المرير قد استقر في دمها، يسري في عروقها كأنه قدر لا مفر منه. فكانت نوبات الغضب تُفاجئها في لحظات الضيق، تُقلب ملامحها وتحوِّلها إلى شخص غريب عنها، غريب حتى عن أحلامها.
وما إن تهدأ العاصفة، حتى تغرق في بحرٍ من الندم، تُوبخ نفسها بقسوة أشد مما عانته يومًا من قسوة الآخرين. كانت تخشى أن يتذوق أحد من حولها، وبخاصة من تُحب، الألم ذاته الذي نهش طفولتها.
ومع ذلك، ظل بداخلها خيط رفيع، هش لكنه عنيد، وكان لديها يقين وإيمان بأن الحياة لا بد أن تمنحها فرصة للخلاص، وأن الباب المغلق سيفتح يومًا. وكانت تؤمن أن باستطاعتها أن تُغيِّر المسار، وأن تُعيد كتابة القصة بطريقة مختلفة. لكنها لم تكن تعرف كيف، ولا متى، ولا أين ستجد تلك اللحظة الفاصلة.
حتى في منزل والدها، الذي كان يُفترض أن يكون مأمنها وملاذها، لم تجد الراحة ولا الطمأنينة؛ فكان البيت في نظرها أشبه بجدران صمَّاء، تُردِّد صدى القسوة ولا تعرف صوت الحنان.
ولم يكتفِ الأب بصرامته التي أثقلت قلبها الصغير، بل مضى أبعد من ذلك، فتزوج على والدتها، وأدخل إلى البيت من تشاركهم تفاصيله قسرًا. فكانت غريبة اقتحمت عالمًا هشًّا لم يكن يحتمل مزيدًا من الانكسارات.
كل زاوية في البيت تحولت إلى شاهد صامت على الغربة؛ فمائدة الطعام التي لم تعد تجمع العائلة كما كانت، والمنزل الذي تقاسموه مع أخرى لم تختر وجودها، والدهاليز التي كان من المفترض أن تُشعرها بالأمان، صارت تضيق بها وكأنها تطردها في كل مرة تمر فيها. حتى رائحة البيت تغيَّرت؛ لم تعد تحمل دفء الذكريات القليلة التي تعلقت بها، بل امتلأت بمزيج ثقيل من الخذلان والاغتراب.
وكانت ترى والدتها وهي تحاول الثَّبات بصمت، وتنحني أمام قسوة الواقع، وتبتلع الغصَّات كي لا ينكسر البيت أكثر. وفي عيني تلك الطفلة الصغيرة، صار المشهد كله أقسى من أن يُحتمل؛ بيت لم يعد بيتًا، وأبٌ فقد معناه كحامٍ وسند.
في ذلك المكان، بين جدرانٍ خلت من الدفء، أدركت أن الأمان حلمٌ بعيد المنال؛ فلم تجد في بيتها سوى صدى خطواتها المرتجفة، وخوفٍ صامتٍ يثقل أنفاسها. وفي قلبها المرهق نَبَتَ إحساسٌ بالحرمان المبكر، إحساسٌ جعلها تكبر قبل أوانها، وتتعلم أن الحياة لا تمنح الطمأنينة بسهولة.
ومن رحم هذا الحرمان، جاء قرار الزواج وهي ما تزال أقرب إلى الطفولة منها إلى النضج؛ زواجٌ لم يكن خيارًا بقدر ما كان امتدادًا لقهرٍ جديد، يُرغمها على الانتقال من بيتٍ لا يشبه البيت إلى بيتٍ آخر مجهول.
فلم يكن خيارها، وإنما فُرِضَ عليها والدها بتهديدٍ وإصرار، حتى وجدت نفسها تُساق إلى مصيرٍ لم تعرف جُزَئيَّاته، وكانت كمن تُدفع من بيتٍ لم تعرف فيه معنى الأمان إلى بيتٍ آخر مجهول الملامح، وتحمل في داخلها خليطًا مربكًا من المشاعر؛ وقلقًا عميقًا من أن يعيد القدر كتابة القصة ذاتها، ورجاءً خافتًا بأن يكون هذا الزواج نافذةً تفتح صفحةً مختلفة قد تُمْسَحُ بعضٌ من جراحها القديمة.
دخلت حياتها الزوجية وهي طفلة؛ فكانت ممزقة بين الاستسلام لواقعٍ مفروضٍ عليها، وبين أملٍ صغيرٍ بالكاد يضيء في أعماقها؛ أملٌ أن تنقذها هذه المرحلة من ثقل البدايات.
حاولت أن ترى في الزواج نافذةَ ضوءٍ، أو بابًا يطلُّ على حياةٍ جديدة، لكنها كانت ترتجف في داخلها من فكرة أن الغضب المترسخ في طفولتها قد يتسلل معها إلى بيتها الجديد دون استئذان. وكانت تسأل نفسها بصوتٍ مكتوم: «هل أستطيع أن أكون مختلفةً فعلًا؟ هل أستطيع أن أكسر هذه الدائرة التي طوقتني طويلًا؟»
حين وضعت طفلها الأول بين ذراعيها، شعرت أن العالم قد تبدَّلَ. كان صغيرًا جدًا، لكن أثره في قلبها كان عظيمًا. نظرت في عينيه، ورأت براءةً لم تعرفها من قبل، ورأت انعكاسًا لنفسها كما كانت تتمنى أن تكون.

فالأمومة جعلتها تقف أمام مرآة ذاتها بصدق؛ رأت الغضب الذي يسكنها، وخافت أن ينفلت يومًا فيجرح هذه الروح البريئة. وكانت تخشى أن تكرر مع أطفالها نفس الحكاية التي عاشتها، وأن تصبح امتدادًا لذلك الماضي القاسي.
ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلةٌ جديدة؛ فلم تعد الحياة مجرد أيامٍ تتعاقب، بل أصبحت مسؤوليةً ورسالةً ذات هدفٍ نبيلٍ عليها تحقيقه. فقررت أن تكسرَ السلسلة، وأن تمنح أطفالها طفولةً مختلفة، حتى لو اضطرت أن تحاربَ نفسها كل يوم.
ومرَّت السنوات الأولى كما لو أنها تسير بخطٍّ مستقيمٍ هادئ؛ حياةٌ ظاهرها ساكنٌ، تتخللها تفاصيل يومية صغيرة تمنح شعورًا بالاستقرار. فصدَّقت أن القدر قد استجاب لنداءاتها أخيرًا، وأنها نجحت في كتابة فصلٍ مغايرٍ عن ماضيها. كانت هادئة، وجدت الطمأنينة، وأصبح منزلها هو عالمها كله. ولكن هذا الاستقرار لم يكن سوى سطحٍ هشٍّ يُخفي تحته شرخًا عميقًا؛ شرخٌ لم يظهر إلا حين انكسرت الثقة.
لم تكن الخيانة الأولى، بل كانت جرحًا ثانيًا في نفس المكان، لأنها سامحته حين ظنَّتْ أن الحب قادرٌ على ترميم ما تهشَّمَ من روحها، وأن السماح قد يُعيدَ الأمان إلى قلبها. فغفرت وسامحت بكلِّ صدقٍ، ومنحته فرصةً على أمل أن ما مرَّ به كان مجرد غلطة، أو نزوة. وَمنَحْتُهُ فرصةً ليُثبت صدقه وخوفه على فقدان أسرته. لكنه أعاد الكرة بلا تردد، وبطريقةٍ أكثر بشاعة. وكان صفحُها عنه تصريحًا له بالعبور مجددًا نحو كسرها، فهو على يقين أنها لن تتركه؛ فلا ملجأ ولا سند لها.
لحظةٌ واحدة كانت كفيلةً بأن تزلزل كلَّ ما حاولت أن تبنيه، وأن تعصف بأركان منزلها. آنذاك، وجدت نفسها أمام مفترقِ طرقٍ، كلاهما أصعب من الآخر؛ إما أن تبقى في منزلٍ تتداعى جدرانه فوقها وفوق أطفالها، أو أن تختار طريقًا جديدًا، مجهولًا، محفوفًا بالمخاطر، قد يُرديها في الشارع، ويهدد بأن يُنتزع منها أغلى ما تملك: فلذات كبدها. وزاد ألمها أن الشريك، الذي رأته يومًا الدنيا بعينيها، قد تخلَّى عنها في أقسى اللحظات، تاركًا إياها وحيدةً في مواجهة المصير.
لم يكن قرار الافتراق سهلًا؛ كان يشبه أن تقتلعَ قلبها بيديها. ومع ذلك، أدركت أنه السبيل الوحيد لحماية كرامتها أولًا، ولزرع بذور الطمأنينة في أرواح أطفالها ثانيًا. فكان قرارها قهرًا كالعقاب، لكنه في أعماقها كان فعلَ حبٍّ؛ حبٍّ لأطفالها، وحبٍّ لصوتها الداخلي الذي ظل يرفض أن يعيد إنتاج الألم ذاته مرة أخرى.
خرجت من بيتها بحقيبةٍ صغيرة، وقلوب أطفالها ينظرون إليها بخوف. وفي تلك اللحظة، شعرت كعصفورٍ خرج من قفصه بجناحٍ مكسور، لا يعرف كيف يطير، ولكنه يعرف أنه لا يستطيع التوقف. كانت بلا سند، وبلا شهادة، وبلا عائلةٍ تساندها. وجدت نفسها في مواجهة العالم وحدها، تقف على أرضٍ مهزوزة، وتحمل عبءَ مستقبلٍ مجهول.
ومع ذلك، لم تكن الصعوبات داخل جدران البيت فقط، بل في نظرات الآخرين وكلماتهم. تعرَّضت أحيانًا لظلمٍ لم تقترِفه، واتهاماتٍ لا أساس لها، ونالتها تعليقاتٌ جارحة كان يمكن أن تُحبِط أيَّ روح.
بل وواجهت مواقف حاول فيها بعضنا أن ينالوا من كرامتها وحدودها، لكنها لم تسمح للضعف أن يتسلل إليها، وتمسَّكت بقيمها، وحافظت على نفسها، وواجهت كل ذلك بصمتِ المتأمِّلة، وعزمِ القوية. لكن ثقل الأيام كان أحيانًا يفوق قدرتها على الاحتمال؛ في ليالٍ كثيرة، انهارت تحت وطأة ما يحدث. فلجأت في مرحلةٍ عصيبةٍ إلى المهدئات؛ علَّها تُخفِّفَ من شدة الانكسار.
شعرت بخذلانٍ لم يسبق له مثيل، ولم تستطع أن تسامح من تسببوا لها في كل ذلك الأذى، غير أن يدًا حانية كانت دائمًا بجوارها: أمها، التي لم تتركها يومًا، بل احتضنت ضعفها، وشجَّعتها، وقوَّتها لتنفض غبار الحزن عن روحها، وتستمر من جديد.
في ليالٍ عدة، كانت تجلس قرب النافذة، وأطفالها نائمون بجوارها، تبكي بصمت حتى لا يراها أحد. كانت دموعها تختبئ في الوسادة، وصوتها المبحوح لا يسمعه إلا قلبها. وفي كل صباح، كانت ترتدي قناع القوة، وتُخفي وراء ابتسامتها بحرًا من الانكسارات.
وحين بدا أن الطريق مسدود، مدَّت يدها إلى طوقِ نجاةٍ مختلف: العلاج النفسي. كانت في جلساتها الأولى مرتبكة، تُخفي ارتجاف صوتها؛ ولكنها سَمَحَتْ لنفسها تدريجيًا أن تنكسر أمام المرآة الآمنة.
تعلَّمت أن دموعها ليست عيبًا، ولا شيئًا مخزيًا، وأن جراحها ليست ذنبًا اقترفته، وأن فهم ذاتها هو أول خطوةٍ لتضميد الألم. ومن حينها وُلد قرارها بأن تتخصصَ في علم النفس؛ لتفهم ما مرَّتْ به، وتتمكن من مداواة نفسها وأطفالها.
ليالٍ طويلة قضتها على مكتبٍ صغير، كتب علم النفس مفتوحة أمامها، وأكواب قهوةٍ باردة بجانبها. كانت تكتب الملاحظات وتقرأ بتركيز، ثم ترفع عينيها نحو وجوه أطفالها النائمة، وتهمس: «سأتعلم كي أكون سندًا لكم، لا عبئًا عليكم».
لم يكن الطريق سهلًا، لكنها عملت في مجالات متعددة؛ عملت في المشتريات، وفي السكرتاريا، وفي وظائف مؤقتة، تتنقل بين الأدوار فقط لتؤمن لهم حياةً كريمة، وفي الوقت نفسه تُكمل دراستها الجامعية، ثم دراستها العليا من ماجستير ودكتوراه؛ ومع كل خطوة كانت تبني لبنةً جديدة في جدار قوتها.
في ليالٍ طويلة، حين كان الغضب يطرق بابها والضيق يثقل صدرها، جلست تفكر: كيف يمكن أن تخلق لأطفالها عالمًا بعيدًا عن الألم؟ كيف يمكن أن تنقذهم من صراخها الذي يتسرب رغمًا عنها أحيانًا؟
ومنذ تلك اللحظة وُلِدَ عالمُ السحاب؛ فكانت تقول لأطفالها: «تعالوا لنلعب لعبةً جميلة، لعبةً لم نعتد عليها؛ سنذهب جميعنا إلى السماء، ونجلس فوق الغيوم»، فاجتمعوا حولها، وقالت لهم: «تخيَّلوا أننا الآن نصعد إلى السماء، ونجلس فوق الغيوم، انظروا، هناك الأرض من تحتنا».

فتتسع أعينهم دهشة، ويبدؤون برسم مشاهد من الأعلى؛ أحد أطفالها يقول: «ماما، هناك بيت صغير تضيئه شمعة»، ويقول آخر: «انظري أمي، انظروا هناك، إنه طفل يركض خلف طائرٍ ملون»، أما ابنتها فتقول: «أوه، بحرٌ كبير ابتلع قاربًا ثم أطلقه من جديد».
تحوَّل هذا الخيال إلى طقسٍ يومي؛ أصبح الأطفال يطلبونه بأنفسهم بقولهم: «ماما، هيا نذهب إلى السماء هذه الليلة»، فتجلس بينهم مبتسمةً على الرغم تعبها، وتقود الرحلة في السماء وسط الغيوم.
فلم يعد يوجد مكان للغضب؛ كانت تستثمر تلك الطاقة المتفجرة في اللعب والضحك، وتعلمت أن تُحوِّل نوبات غضبها إلى سيناريوهات خيالية، إلى قصصٍ مليئةٍ بالمغامرات. كانت تقول في سرِّها: «إذا كنتُ قد تلقيتُ الغضب في طفولتي كعقوبة، فسأجعل منه مع أطفالي وسيلةً للإبداع والفرح».
ومع مرور الأيام، بدأ الأطفال يلمسون الفرق في التغير الإيجابي والمريح في تعامل الأم معهم؛ أصبحوا ينظرون إلى أمهم وكأنها امرأةٌ جديدة، أكثر قربًا وأكثر دفئًا، وأكثر أمانًا.
ولم يعودوا يخشون ملامح وجهها المتجهمة، بل صاروا ينتظرون تلك اللحظة التي يجلسون فيها معها ليرحلوا جميعًا إلى «عالم الغيوم والسماء». وفي أحد الأيام، عاد ابنها الصغير مسرعًا من المدرسة، ورمى حقيبته جانبًا وهو يقول بلهفة: «ماما! لديَّ قصةٌ جديدة؛ هل نستطيع أن نرويها للغيوم اليوم؟ فقد تشاجرت اليوم مع صديقي في الصف، لكنه بعد قليل جاء واعتذر لي؛ تخيلي لو رأينا ذلك من فوق، كيف كان سيبدو؟».
فابتسمت الأم، وجلست إلى جانبه، في حين قفزت أخته لتضيف: «وأنا، ماما! اليوم فاجأتني المعلمة، ومدحتني أمام الجميع، وأريد أن نضع هذا المشهد في قصتنا فوق الغيوم!».
ضحكت الأم وهي تنظر إليهما بحنانٍ لم يعتادوا عليه من قبل، وقالت: «إذن الليلة سنصعد معًا، ونشاهد كل ما حدث من الأعلى؛ سنرى كيف تبدو المواقف عندما نراها من الأعلى، أصغر بكثير مما نشعر به ونحن داخلها». حينها تبادلا نظراتٍ مليئةٍ بالحماس، وكأنهما اكتشفا سرًّا جديدًا.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الأطفال يهرعون إليها كل مساء، يروون تفاصيل يومهم؛ الصغيرة والكبيرة، الإيجابية والسلبية، واثقين أن أي موقف مهما كان بسيطًا يمكن أن يتحوَّل إلى حكاية في عالمهم المشترك بين الغيوم. وهكذا، لم تعد الأمومة مجرد مسؤوليةٍ تثقل كاهلها، بل أصبحت علاجًا لها أيضًا.
كانت بطلتنا في القديم تبكي بسرعة على أصغر المواقف؛ حتى إن أطفالها الصغار كانوا يندهشون من هشاشتها. فدمعتها كانت سريعة، وكانت ابنتها الصغيرة تقترب منها وتسألها ببراءة: «ماما… لماذا تبكين؟» فتفتح لها حضنها وتبتسم بين دموعها، محاولةً أن تخفي ارتباكها، لتخبرها أن رذاذ العطر دخل في عينيها.
أما اليوم، وبعد أن تعلمت السيطرة على غضبها وتحول لحظاتها العصيبة إلى رحلات خيال فوق الغيوم، فقد تغيَّر كل شيء؛ لم تعد الدموع تعرف طريقها إلى عينيها كما في السابق. وعندما يسألها أحد أبنائها بدهشة: «ماما، لم نعد نراكِ تبكين كما في السابق؛ هل هذا يعني أنكِ لم تعودي حزينة؟»
فتردُّ بصوتٍ واثق يمزج الحنان بالقوة: «لأني أصبحت أقوى بكم؛ فالدموع لم تختفِ، لكنها تحوَّلَت لقصص نقولها معًا، فوق الغيوم».
على الرغم هذا كله، لم تكن الحياة وردية دائمًا؛ فقد جاءت أيامٌ قاسية، أيامٌ صعبة؛ انقطع فيها مصدر الدخل، وتحوَّل البيت إلى ساحةٍ من القلق. فكانت تشعر بالعجز أمام احتياجات أطفالها البسيطة، وتغرق في إحساسٍ ثقيلٍ بالتقصير، ولا سيما أنها هي عصب المنزل، ومن دونها سينهار الجميع. فعليها أن تقف متماسكة، حتى وإن كانت ترتجف من الداخل، وأن تبتسم لهم وإن كانت الدموع تشتعل في عينيها.
ولم يكن الطريق سهلًا؛ في الكثير من المرات كانت تفقد السيطرة، ولكن دون أن ترتفع نبرتها بصراخٍ صاخب يؤذي الحاضرين. فهي لا تنوي الاستسلام، وستستمر في النهوض كلما شعرت أنها ستنهار.
فكانت في كل مرة تعود لتجلس مع أطفالها، تشرح لهم، وتعتذر منهم عن أي إساءة قد تصدُرَ منها بقصدٍ أو دون قصد. كانت تستطيع أن تُحوِّل المواقف إلى دروس؛ وهكذا شيئًا فشيئًا، تعلمت كيف تُوجِّه غضبها بطريقةٍ إيجابية، كيف تجعل من لحظات الانفعال بدايةً لحكايةٍ جديدة فوق الغيوم.
كانت الليالي تمرُّ طويلة، يتناوب فيها الخوف مع الصمت، لكنها لم تسمح لليأس أن يبتلعها، أو يتسلل إلى أوصالها. كانت تقول في نفسها: «قد لا أستطيع أن أضع الطعام الذي يحلمون به على الطاولة، لكن يمكنني أن أضع أمامهم خيالًا يسند أرواحهم». وهكذا، كانت تستحضر عالمَ «الغيوم»، لتخبئ خلفه وجعها، وتمنحهم بديلًا عن القلق الذي يسكن الجدران.
ومع كل رحلةٍ خياليةٍ فوق الغيوم، كانت تجد أنها لا تحمي أطفالها فحسب، بل تحمي نفسها كذلك؛ فكانت الغيوم كالمكان الآمن لها ولأطفالها، وأصبحت تلك اللحظات القصيرة من الحلم المشترك بمنزلةِ استراحةِ محاربٍ تُعيد شحن قلبها بطاقةٍ تكفيها لمواجهة يومٍ آخر.
من ناحيةٍ أخرى، في ذلك الوقت وتلك الظروف، كانت تتقلب بين الشعور باللا حول ولا قوة، وبين لوم نفسها على ما لا تستطيع تغييره. كانت دموعها تنهمر بصمتٍ، تخفيها عن أطفالها حتى لا يروا ضعفها، ولكنها لم تستسلم لهذا الحزن؛ كانت تختبئ خلف ابتسامةٍ مرهقة، وتقول لهم: «هيا نذهب إلى الغيوم الليلة»، إلى المكان الذي نحبه كلنا لنجلس فيه ونتحدث ونضحك ونحن نرى العالم من الأعلى.
كانت وكأنها تعلن لهم أن الفقر قد يحرمهم من أشياء كثيرة، لكنه لن يحرمهم من الحلم. كانت تمنحهم بالخيال ما لم تستطع منحه بالواقع، ومع مرور الوقت، لم يعد الذهاب إلى السماء مجرد لعبةٍ أو خيال، بل أصبح علاجًا صامتًا يرمم قلوبهم جميعًا. في هذا العالم، لم يكن يوجد فقرٌ ولا غضبٌ ولا قسوة؛ بل كان يوجد فقط حريةٌ وضحكاتٌ تتطاير كالأجنحة.
بالنسبة لها، كانت السماء عالمًا واسعًا، مساحةً لتفريغ المشاعر، وساحةً لتصحيح ما اعتقدت يومًا أنه أخطاءٌ ارتكبتها، لكن في الحقيقة لم تكن إلا آثار الظلم الذي عاشته في طفولتها.
أما أطفالها، فقد تحوَّل هذا العالم إلى مدرسةٍ للحبِّ والإبداع. فيه، كانوا يكتبون قصصهم الصغيرة، ويرسمون أحلامهم، ويتحدثون عن مغامراتهم فوق الغيوم وكأنها حقيقة، ويؤمنون بأن هناك مكانًا آمنًا، بعيدًا عن القسوة والألم، ملاذًا يمكنهم فيه أن يكونوا على حريتهم، ويستكشفوا خيالهم بلا قيود.
ومع مرور الوقت، تعلمت مع أطفالها أن الغضب ليس شرًّا مطلقًا، بل طاقةً يمكن توجيهها على نحوٍ صحيح. وأدركت أن الغضب يمكن أن يهدم كما يمكن أن يبني إذا وُضع في مكانه المناسب، كما فهمت أن الرحمة لا تعني غياب الانفعال، بل تعني القدرة على ترويضه وتوجيهه بطريقةٍ آمنةٍ وفاعلة، ليكون وسيلةً إيجابية للتغيير.
فكانت تقول في نفسها بصوتٍ هادئٍ ولكنه واثق: «لقد ورثت الغضب من طفولتي، لكنني لن أورثه لأطفالي؛ سأمنحهم بدلًا من ذلك القدرة على تحويل الألم إلى إبداع، ومنحهم الأدوات ليصنعوا عالمهم الخاص بعيدًا عن القسوة».
مع مرور السنوات، بدأت تشعر أن عالم الغيوم لم يكن فقط لأطفالها، بل كان لها أيضًا؛ فقد كان بمنزلةِ جسرٍ للمصالحة مع طفولتها التي لا تزال تُرمِّم أثرها إلى الآن.
ففي كل رحلةٍ فوق الغيوم، كانت تُعيد بناءَ الطفلة التي انكسرت دومًا، وكانت تمنح نفسها ما حُرِمَت منه، وتقول: «ها أنا أتعلم أن أكون أمًّا مختلفة». ووجدت في أمومتها فرصةً للشفاء، وفرصةً لإعادة كتابة قصتها من جديد، ولم تعد أسيرةً للماضي، بل صارت قادرةً على تحويله إلى درسٍ، رغم بعض الصعوبات التي قد تواجهها.
هذه الحكاية ليست مجرد سيرةٍ ذاتية، بل رسالةٌ لكلِّ أمٍّ شعرت يومًا بالعجز، أو واجهت نوباتِ غضبٍ لا تستطيع السيطرة عليها، أو مرَّت بأوقاتٍ من الفقر جعلتها تبكي بصمت.
فالرسالةُ تقول: يمكنكِ أن تصنعي عالمكِ الخاص، وأن تبتكري مساحةً آمنةً لكِ ولأولادكِ، حتى لو كانت في الخيال. ويمكنكِ أن تُحوِّلي الغضبَ إلى قصة، والحزنَ إلى حلم، والعجزَ إلى مساحةِ إبداع. ما دام يوجد أملٌ في الأعماق، يمكن تحقيقه وتغيير الأمور من الأسوأ إلى الأفضل. فقط آمِني بنفسكِ، أَحِبِّيها، وكوني عونًا لها.
اليوم، تنظر إلى أطفالها وترى في أعينهم بريقًا فريدًا، وتدرك أنهم لم يحملوا عناء طفولتها، بل حملوا معها خيالها. وتعرف أن عالم الغيوم سيبقى في ذاكرتهم، ليس فقط كقصصٍ قبل النوم، بل كرمزٍ للحب، والأمان، والقدرة على تحويل المستحيل إلى ممكن. ولقد تعلمت أن الغضب يمكن أن يكون بدايةَ الرحمة، وأن الفقر لا يستطيع أن يسرق الأحلام، وأن الأمومة ليست مجرد عطاءٍ للأطفال، بل علاجٌ للروح أيضًا.
هي اليوم مصدر قوةٍ وفخر، ليس فقط لأطفالها، بل لكل من يعرف قصتها. حين ينظرون إليها، يرون في ملامحها شهادةً حية على أن الانكسار لا يعني النهاية، وأن الإنسان قادرٌ على أن يصنع من ضعفه قوةً، ومن دموعه طريقًا.
تنظر إلى نفسها في المرآة، ترى انعكاسَ عينيها يلمع بصدقٍ جديد، وتبتسم بثقةٍ لم تعرفها من قبل، ثم تهمس بصوتٍ ممتلئٍ باليقين: «كنتُ بلا سند، لكني صرتُ سندًا، كنتُ أبحث عن بطلٍ يحميني، فاكتشفت أن نفسي كانت دومًا بطلي».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.