هذه ليست مجرد حكاية رمزية، بل هي تجسيد حي لمفهوم التصعيد الانفعالي، وهو ذلك الانحدار السريع الذي يبدأ بفكرة صغيرة، وينتهي بانفجار مدمر، إذ يتضخم الشعور داخلنا لدرجة تجعلنا نفقد القدرة على كبح جماحه.
إن التصعيد الانفعالي لا يطرق الأبواب بصراخٍ صاخب، بل يتسلل في صمتٍ مخيف عبر متوالية نفسية تبدأ بموقفٍ عابر، سرعان ما يتلقاه العقل بتفسيرٍ مشوَّه يحوِّل الحدث إلى طعنة، فتتولد وخزة ضيق لا تلبث أن تشتعل غضبًا جامحًا، ليبدأ العقل بتضخيم المشهد عبر استدعاء جروح الماضي، ونبش قبور الآلام القديمة، وربطها باللحظة الحاضرة، لتكتمل الدائرة بسلوكٍ مندفع؛ إما بانفجار عدواني يمزق الروابط، أو بانسحاب مدمر يقطع حبال الوصل.
المثال الحي: حين يصبح الصمت طعنة؛ فتخيل أنك تشارك شريك حياتك تفصيلًا مهمًا من يومك، فيرد عليك بنبرة عادية أو انشغال عابر، فالحدث في ظاهره استجابة هادئة، وبمجرد أن يمر الموقف العابر يبدأ في مختبر العقل الداخلي تفاعل كيميائي مدمر؛ إذ تبدأ الشكوك والظنون في التكاثر، فتخاطب نفسك بأن الطرف الآخر لا يهتم بك، وأن وجودك في حياته ليس سوى أثر هامشي، فهو لا يراك، لتنتهي بيقين مرير بأنك تخوض معاركك وحيدًا للأبد.
وعندئذٍ ينفصل الشعور عن كونه مجرد ضيق من موقف بسيط، ليصبح مزيجًا سامًا يتغذى على الرفض، والوحدة، وندوب الماضي العميقة في الروح؛ وعندها لا تجد مخرجًا إلا الانفجار بكلمات قاسية تزعم أنك لم تكن مفهومًا يومًا، أو الهروب بصمت عقابي يقطع ما تبقى من حبال الوصل، في حين أن الحقيقة قد تكون مجرد إرهاق عابر لدى الطرف الآخر، لكن المنشار الذي يسكن رأسك هو من صبغ الهدوء بلون الإهانة المتعمدة، وهذا هو تأثير الحصان الجامح وغياب اللجام.
في علم النفس، تُشبَّه المشاعر بالحصان الجامح، فالمشاعر تتكون من طاقة فطرية قوية وضرورية، ولكن المشكلة ليست في قوة الحصان، بل في غياب الفارس الذي يمسك بالزمام، وحين تكون المشاعر غير منظمة تتحول من طاقة لحمايتك إلى وسيلة لإيذائك.
يعود هذا الاختلال في التوازن النفسي إلى ثلاثة مسببات محورية:
1. أولها التشوهات المعرفية التي تجعل المرء يقع في فخ الشخصنة، فيرى كل ما يمر به استهدافًا لذاته، أو ينجرف نحو التهويل الذي يجعل من الخدش الصغير كارثة وجودية.
2. أما الثاني فهو الاختطاف العاطفي، إذ يفرض الجهاز الحوفي في الدماغ سيطرته المطلقة، معطِّلًا بذلك القشرة الجبهية المسؤولة عن المنطق، الأمر الذي يدفع الإنسان إلى رد فعل متهور يسبق إدراكه للعواقب.
3. وينتهي الأمر بضعف التنظيم الانفعالي، وهو العجز عن ممارسة التهدئة الذاتية أو قنوات التصريف الصحي للمشاعر، وهو ما يترك الدفة بيد العاطفة وحدها فتقود السفينة نحو الغرق، فالوعي يكمن في كيفية التوقف عن عصر المنشار.

إن الوعي الحقيقي لا يكمن في قمع المشاعر أو إنكار شدة ومرارة الألم، بل في القدرة على مراقبة الشعور ورصده وهو ينمو ويكبر في مهدِه، ففي لحظة التصعيد الحرجة، عليك أن تستوقف ذاتك لتسأل نفسك: لماذا يغطي هذا الوجع على حجم الموقف الحالي؟ وهل رد فعلي وسلوكي هذا موجه للفعل ذاته أم لتفسيري الخاص لذلك الفعل؟ وما هو ذلك الجرح القديم الكامن الذي أيقظه هذا الموقف البسيط؟
تذكر دائمًا أن التصعيد الانفعالي يبدأ كهمسة داخلية بسيطة وخافتة، فإن لم تنتبه له وهو في مداه الأول، ستجد نفسك تلتف بكامل قوتك حول منشار الحياة، متوهمًا أنك تذود عن كرامتك، في حين أنك في الحقيقة تمزق روحك بيديك؛ فمعظم معاركنا الكبيرة والمستمرة ليست مع الآخرين، بل مع الطريقة التي نختار بها رؤية أفعالهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.