التشنج عند الأطفال.. ما السبب وما العمل؟

التشنج عـَرضُ لمشكلات عدّة، وأسبابه متنوعة. وفيه يحدث تغيرات مؤقتة ومفاجئة في الحركة أو الإحساس، نتيجة فرط نشاط عصبي. أما التشنج المرتبط بمرض الصرع، فله أنواعه المتعددة، وهو تكرار نوبات التشنج (بسبب اختلال النشاط الكهربائي للمخ) أكثر من مرّة، وعلى فترات مختلفة متقاربة أو متباعدة زمنياً.

الأسباب، والأعراض

  • تشنج الطفل حديث الولادة في الأسبوع الأول قد يعود لضرر خلايا المخ أثناء ولادته أو بعدها. فنقص الأوكسيجين الواصل لدماغ الطفل (ولادة متعسرة أو التفاف الحبل السري حول رقبته، بعض الأطفال المبتسرين)، وإصابات الرأس/ أنزفة المخ يضر بخلايا مخه. وغالباً ما تحدث نوبات التشنج بعد الولادة بساعات أو أيام مع تغيّر بحدقة العين ونقص شديد في خضاب/ هيموجلوبين الدم.
  • التهاب الأغشية المحيطة بالمخ، والحبل الشوكي "الحمى الشوكية": قد يحدث في أي وقت بعد الولادة. وتظهر علي الطفل أعرض: كضعف الرضاعة، والقيء، وارتفاع أو انخفاض في درجة حرارة جسمه، ثم تظهر نوبات تشنج مع تغيّر درجة وعيه.
  • التغيّر في كيمائيات دم الطفل: كزيادة نسبة الصفراء "البيليروبين" (16- 20 مج%)، فتترسب في بعض أجزاء المخ ممّا قد يؤدّي إلى مضاعفات كالشلل الدماغي، والصمم، والتخلف العقلي، ونوبات التشنج. ومن أهم أسباب هذه المشكلة عدم توافق فصيلة الدم (RH) عند الزوجين.
  • نقص السكر في دم الطفل (أقل من 30 مج%) (في الأطفال المبتسرين أو المولدين لأم مصابة بالسكري أو تسمم الحمل). ويحدث التشنج عقب ولادتهم مع حدوث نوبات توقف مؤقت للتنفس، وزرقة في أجسامهم.
  • نقص الكالسيوم والماغنسيوم في دم الطفل (عندما تكون الأم مصابة بالسكري). وقد يحدث نقص الكالسيوم عند الاعتماد على اللبن الحيواني (يحتوي على نسبة عالية من الفوسفات) ممّا يؤدّي إلى ارتفاع الفوسفات على حساب الكالسيوم في الدم. كذلك يؤخذ في الاعتبار نقص البوتاسيوم وفيتامين ب 6 في الدم.
  • التيتانوس (الكزاز) Tetanus Neonatorum تلوث والتهاب بقايا الحبل السري ببكتريا الكلوستريديا اللاهوائية (Colistridium tetani). ينتج الميكروب سموماً تصل إلى دم الطفل وتؤثر على جهازه العصبي. فبعد أسبوع (فترة حضانة الميكروب) تبدأ نوبات التشنج مع ظهور انقباض الفكين وشد في العضلات، وتقوّس في الظهر. وقد يحدث توقف مؤقت للتنفس. وثمّة حاجة للمصل المضادّ للتيتانوس فور توقع الحالة ومضادّات حيوية مع العناية بتطهير السرة.
  • أمراض القلب، والكبد والكلى. فالتهاب الكليتين غير الميكروبي (glomerulonephritis) وقد يؤدّي إلى ارتفاع ضغط الدم الشديد وحدوث تشنجات عند الطفل.
  • الإغماء عند الأطفال (Infantile syncope) نتيجة لتوقف التنفس الفجائي لثوانٍ معدودة. وتحدث غالباً عندما يكون الطفل خائفاً، أو مرعوباً، أو في حالة غضب شديد، أو يبكي بصورة شديدة. وفي أثناء ذلك يتوقف تنفس الطفل وقد يصبح لونه باهتاً أو مائلاً إلى الزرقة، وقد يفقد الوعي «إغماء». ويحدث حجز لكمية من ثاني أكسيد الكربون في المخ، وعدم طرده في هواء الزفير. وثمة ارتخاء بالعضلات، ثم يتبع ذلك اهتزاز للأطراف مع شد خفيف بالعضلات، ويمكن أن يتقوّس الظهر.

    وغالباً ما يحدث تبول ثم يعود الطفل لوعيه ثانية. وهذه النوبات تحدث غالبا بين عمر 6 أشهر إلى سنتين وتتوقف تماماً عند عمر 5 سنوات. والفرق بين هذه النوبات ونوبات الصرع أن زرقة الجسم وتوقف التنفس (ازرقاق الشفتين علامة ظاهرية لنقص الأكسجين في الدم، ويحدث الازرقاق نتيجة ابتلاع أجسام غريبة تعيق التنفس.. الزوران/ الشرقة) يسبق اهتزاز العضلات، كما أن رسم المخ الكهربي يكون سليماً. أما إذا زادت فترة توقف التنفس عن 30 ثانية فيجب عرض الطفل فوراً على الطبيب لتشخيص الحالة ومعرفة السبب.

  • التشنج الحراري: (Febrile convulsions) بسبب ارتفاع مفاجئ وشديد في درجة حرارة الطفل (39 درجة مئوية أو أكثر» وتركها لتؤثر على نشاط المخ. فاختلال من منظم الحرارة في المخ (Hypo thalamus) يؤدّي إلى تشنجات خفيفة في عضلات الوجه والرقبة، والأطراف العليا والسفلى. وأسباب تلك الحمى متعددة منها: التهاب اللوزتين والجهاز التنفسي والأذن الوسطى، والنزلات المعوية الشديدة (حوالي 5% من الأطفال ما بين 6 شهورـ 4 سنوات). وغالباً ما تحدث نوبات التشنج بعد نحو 8 ساعات من بداية ارتفاع درجة الحرارة.

    أمّا نوبات التشنج التي تحدث بعد يوم أو يومين من ارتفاعها فليست تشنجات حرارية. تكون النوبات التشنج الحراي انقباضيةـ انبساطية للعضلات مع دوران مقلة العين لأعلى، وخروج زبد أبيض من الفم. وقد يحدث قيء وتبول أثناءها ومدتها ما بين 5 - 15 دقيقة يتبعها فقد الوعي لمدة قصيرة جداً. ثم إفاقة، وغالباً ما تكون نوبة تشنج واحدة لا تتكرر أثناء المرض نفسه.

    أمّا إذا تكررت هذه النوبات أكثر من 4- 5 مرات فثمة احتمال بالإصابة بالصرع. كما أن تكرار هذه التشنجات قد يؤدّي إلى تكوين "بؤرة صرعية"، لذا يجب التعامل معها بجدية وسرعة إبلاغ الطبيب عند حدوث أول نوبة منها.

  • تشنجات الصرع Epilepsy (من الميلاد - الخامسة عشر عاما) ومعدلاته عالميًا فيمثل حوالي 1% من سكان العالم من مختلف الأعمار. ومن بين 100000 شخص يتمّ تشخيص 20 - 55 حالة سنوياً ومعظمها من الأطفال. أمّا تشنجاته فمتكررة كثيراً ولمدة طويلة وتسمّى نوبات الصرع. وتعود لأسباب منها عضوية مثل: العامل الوراثي، والشلل الدماغي، وضمور خلقي/ مكتسب بالمخ (مشكلات ترويته)، وبعض أمراض التمثيل الغذائي، وإصابات الرأس الخطيرة، ومضاعفات الحمى الشوكية الخ.

    وفي كل هذه الحالات يجب أن استبعاد الأسباب السابق ذكرها والمؤدية أيضاً لحدوث نوبات تشنج. وقد تكون هذه النوبات بلا سبب عضوي أو ما يسمّى الصرع الغامض (Idiopathic epilepsy).

الصرع عند الأطفال

  • أنواع "الصرع الغامض" كثيرة منها: الانقباض العضلي Myocolonic epilepsy) :) وتحدث النوبات في كحركة مفاجئة تثني فيها الأطراف والظهر. وقد تحدث في الأطفال خلال السنة الأولى من العمر، وتتميّز بأن يضم الطفل أطرافه وثنيها مع ثني الرأس والجذع في حركة مفاجئة ثم إرخائها تدريجياً. وتنتهي هذه المشكلة تلقائيا عند عمر 3 سنوات. وقد تحدث النوبات في الأطفال والكبار، حيث يتم السقوط على الأرض بصورة فجائية. وهناك النوبات العامة (الكبرى، والصغرى)، والصرع الموضعي (Focal motor epilepsy): والنوبات اللاسلكية (Akinetic seizures): والنفسية الحركية (Psychomotor epilepsy).
  • قد يكون الطفل ذكيًا لكن تتكرّر عليه "حالة غيابه عن الواقع" عدّة مرّات. وتأتي "حالة الغياب" في أقل من ثانية فينقطع فجأة عن العالم الخارجي، وتتحول عينه إلى وضع شخوص في غضون ثانية أو ثوانٍ. ويبدو في حالة "سرحان"، بينما هو نوع من التشنجات أو الصرع. كطفل جالس على المائدة ويمسك بملعقة ويرفعها إلى فمه، وفجأة تتوقف الملعقة قبل وصولها، ثم يعاود الكرة فيرفعها دون جدوى. هذا التوقف الفجائي يُشير إلى أن هناك نشاطاً كهربائياً منشراً بخلايا المخ، وأدّى إلى انقطاع وعيه وإدراكه. ورغم توقف كل الأنشطة في جسمه إلّا أنه لم يتحرّك أو يسقط لأن حالته لم تؤدِ إلى فقد الانبساط المتمثل في حركة السقوط، ولكن هناك حالات أخرى قد تؤدّي إلى سقوط المصاب بها. وحالة الغياب هذه يترتب عليها إصدار أحكام خاطئة على الطفل المصاب بها لتكرار حدوثها. فقد تحدث في الحصة الدراسية عشرات المرّات، فلا يستطيع الطفل أن يتابع المدرس لأنه يسمع المعلومات بشكل متقطع فلا يكتمل معناها في ذهنه. ومن ثم يحكم عليه المدرس "بالبلادة أو التخلف العقلي". مثل هذه الحالة عندما تشخص وتعالج يتحول لطفل من "بليد وعنيد وولد لا يسمع الكلام" إلى ولد مطيع ونشيط. فعلى الأسرة والمربين عدم تعنيف الطفل توهماً منهم أنه "لا يسمع الكلام أو يعاند".
  • ثمّة عادات حركية (Tics and habit spasms) غالباً ما تحدث ما بين 8 - 12 عاماً. وهي انقباضات في عضلة أو مجموعة من العضلات (كعضلات الوجه). والطفل يشعر بوجودها وقد يستطيع التحكم بها إذا وجد أحداً منتبها إليها. وقد تزداد هذه الحركات بالإثارة أو عندما يريد الطفل لفت الانتباه. ومثال لهذه الحركات الارتجاف الشديد للعضلات مع إحداث صوت مدوٍ. وغالباً ما تكون هذه العادات الحركية نتيجة الشد العصبي والقلق النفسي. يجب معرفة الأسباب ومحاولة وقف هذه العادة. كما يجب على المحيطين بالطفل عدم لفت الانتباه إليها أو التعليق عليها.

تشخيص مشكلة التشنج: وصف النوبة، والكشف المبكر عن السبب. إجراء الفحوص التشخيصية كرسم المخ الكهربائي والأشعة المقطعية بالحاسب الآلي، والتصوير بالرنين المغناطيسي، وإجراء فحوصات الدم، ورسم خطة العلاج.

ما سُبل التعامل معه؟

  1. لا بدّ من مراجعة الطّبيب. وبانتظار وصوله إذا كانت الحرارة مرتفعة، تخلع الثياب، ويبرد الجسم بماء فاتر. تمديد الرضيع على بطنه للمحافظة على تنفسه ولكيلا يحدث اختناق إذا تقيأ، مع تجنب إعطاء دواء إلا بموافقة الطّبيب.
  2. وضع وسائد حول الطفل من كل الجهات، وإبعاد أيّ أجسام مؤذية.
  3. توعية الطفل الذي لا يعاني من أنواع خطيرة من التشنجات.. لكيلا يكثر من استثارة العطف ممّا ينعكس - سلباًـ على حالته فلا يستطيع الحياة طبيعياً، وبالتّالي تعوق هذه التصرفات نموه وتحصيله العلمي.
  4. يجب أخذ الحيطة فلا يسبح طفل مصاب بالصرع بمفرده، ولا يمشي على مرتفع يحتمل سقوطه منه. وعند حدوث نوبة الصرع يجب وضع المريض في مكان آمن بعيداً عن الخطر. والمحافظة على وضعيته كي لا يبلع لسانه، ثم توضع قطعة قماش، أو بلاستيك بين أسنانه كي لا يؤذي لسانه.
  5. التعرُّف على ملابسات ووقت حدوث نوبات صرع الأطفال: هل تحدث في النوم أم في اليقظة؟ كي يحسن التعامل معها.. دوائياً، وأسرياً، واجتماعيا، ودراسياً.. شفى الله تعالى فلذات الأكباد.

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب وأكاديمي في جامعة القاهرة