التشجيع جنون أم ظاهرة ثقافية؟


كثيرًا ما نسمع عن كون التشجيع هوساً لا يصح أو لا يصلح إلا للمجانين، وخصوصاً في وطننا العربي، إذ نجد كثيرين ينظرون بشيء من الدونية والاحتقار لمشجعي كرة القدم بذريعة أنها مضيعة للوقت والمال، زد على ذلك كون أن عائدها بالنسبة لهم شبه منعدم إن لم يوجد في تصورهم حتى. فهل يصح إذن أن ننتقد هؤلاء المناصرين الرياضيين أم أننا بعيدون كل البعد عن فهم مدى ارتباطهم بهذه الرياضة؟ 

دعونا نتحدث أولاً عن بداية هذا النوع من المناصرة... يعود بزوغ فجر التشجيع إلى سنة 1940م عند راقصي السمبا البرازيلية، حيث أسست أول مجموعة منظمة للتشجيع تحت اسم تورسيدا، وراحت هذه الظاهرة تنتشر عبر العالم، ولعل أشهر كلمة نسمعها حين الحديث عن مثل هذه التكتلات كلمة ''التراس'' والتي تعني باللاتينية المتطرفين واعتبرت شعار هذه التنظيمات كناية عن كونهم تمردوا على كل القيود الاجتماعية في سبيل تأييد فرقهم...

ويجدر بالذكر أن الالتراس ليست بتنظيمات عشوائية، بل هي شبيهة بدويلات صغيرة لها علم ونشيد وطني أيضاً وتحكمها قوانين صارمة فعلى سبيل المثال لا الحصر: لا يحق لأي من الأعضاء التوقف عن الغناء والتشجيع داخل الملعب ولا الجلوس نهائياً حتى... وبالحديث عن الغناء، فقد أبدعت كل الفرق على مرّ التاريخ مقاطع رائعة تغنَّى في أفراحها كالأغنية الشهيرة للريدز ليفربول ''أنت لن تسير وحيدا'' أو أغنية الفتيان الخضر التراس لرجاء المغربي ''في بلادي ظلموني'' التي بلغت صدىً عالمياً، ولا يصح الحديث عن الالتراس دون ذكر الكبيرين الأرجنتينيين ''البوكا والريفر'' أو دون الحديث عن الأشهر والأعتى دورتموند وبايرن الذات يحولان الملعب لحفل من الموسيقى والألوان. 

كل هذا جميل لكن الأسوأ قادم إذ انحرفت هذه الظاهرة من تأييد سلمي إلى نوع من أنواع الشغب، فصارت بعض الجماهير تستخدم العنف وتمارس الإرهاب النفسي والفعلي على الحكام واللاعبين، ترمي بالألعاب النارية داخل المستطيل الأخضر وتهدد علناً المدربين مما يسيء لسمعة كرة القدم باعتبارها رياضة تجمع بين الأمم لا تفرق بينها، فهذه التيارات ذهب لاعتبار كل تكتل مشابه معادياً لها في مشهد درامي يمثل أبرز مظاهر العنصرية ويناقض جوهر اللعبة الأكثر شعبية.

حاصل القول إن هذا النوع من الدعم الحماسي ليس إلا أداة تفصح عن عقلية الجمهور المنظم والواعي وعن نقيضه المشاغب، ولا يحق لأي أحد ممارسة المضايقة على المشجعين من باب أن بعضهم مشاغب، فهذا ظلم وجور في حقهم، غير أن التواجد ضمن هذه التظاهرات يغيّر الكثير في نفسية المشجع المنظم حتى، ومن يخالفني الرأي أدعوه لقراءة كتاب ''سيكولوجية الجماهير'' لغوستاف لو بون. لا جديد يذكر ولا قديم يعاد، الجماهير جوهر كرة القدم التي نعشقها بحلوها ومرها، لكن رغم أنها تولد الحماس والفرجة إلا أنها تولد العنصرية والشغب أيضاً فكما يقول المثل ليس كل ما يلمع ذهباً كأصفر دورتموند.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب