التسلسل المنطقي للأحداث


مقدمة

هناك أيام يستحسن أن يظل المرء فيها راقدا في فراشه , ومع ذلك فإن الأمور كانت تبدو جيدة في الصباح , حيث كنت قد توقعت المشاركة في حفل مع الأصدقاء , لكن مطرا غزيرا قد أيقظك فتخليت عن الحفل وقررت الخروج للتنزه في أى مكان للنزهة , وما إن غادرت منزلك حتى إنفجر إطار السيارة فأضعت وقتا كبيرا في تغيير الإطار تحت الأمطار التي لم تتوقف , وتحركت بسرعة لتعويض تأخرك , وبعد فترة وجيزة جرحت أصبعك أثناء تقشير الخضراوات أو الفاكهة مثلا , وفي نهاية النهار تخاصمت مع زوجتك , ثم كسرت كأسا آخر أثناء وضعه في مكانه , ويتضح من خلال هذه الأحداث وكأن سوء الحظ ملازما لك طوال اليوم .

كيف يمكن تفسير الأمور بعقلانية ؟

بالنظر إلى الجانب العقلاني يتضح الآتي : من منا لم يتعرض لكل هذه المتاعب,  والتي تتكرر كثيرا إلى درجة أننا نردد المثل الفرنسى المعروف المصيبة لا تأتي بمفردها أبدا , مما أدى إلى ظهور عبارة يستخدمها الصحفيون كثيرا عندما يعلنون عن وقوع حوادث متشابهة وهو مصطلح قانون تسلسل الأحداث .

ومثال على ذلك : حدوث خمسة حوادث طيران في غضون اثنين وعشرين يوما , من بينها إحتراق طائرة فرنسية في أثناء هبوطها في مطار تورنتو عام 2005 , ومن الطبيعى مع تلك الحوادث المتتالية أن يكثر الحديث عن قانون تسلسل الأحداث , وهذا القانون يوحى بوجود مبدأ كوني تتجاذب بمقتضاه الوقائع من طبيعة متشابهة مثل حوادث الطيران السالف ذكرها .

هل يمكننا أن نفسر تسلسل الأحداث ؟

يمكننا بالطبع التعرف على السبب المشترك بين الأحداث , فمثلا : قد يبدأ يوم سيئ يعكر مزاجنا , ويدفعنا إلى القيام بأفعال طائشة متسلسلة , وأيضا يدفعنا إلى حساسية أكبر تجاه كل مايزعجنا , فمثلا وقوع جرائم متشابهة في منطقة ما يؤدي إلى إفتراض وجود قاتل بالتسلسل.

مايدفعنا إلى البحث عن تفسير تسلسل الأحداث المتشابهة هو إقتناعنا بأنها لا يمكن أن تكون عرضية , وهذا هو الإنطباع الذي تولد لدينا إذ أن هناك الكثير من المصادفات يصعب إخضاعها كلها إلى عامل الصدفة.

مانوع المبررات التي سترضينا ؟

ألا يمكن ونحن نحلل الأحداث المتتالية , أن نكون مخطئين في تقديرنا ؟ بإستطاعتنا عند تحليل الحالة موضوعيا إدراك كيف أن تسلسل الأحداث ليس مفاجئا بالقدر الذى كنا نعتقده , وهذا يعنى أنه ليس بالضرورة وجود سبب خاص يمكنه إنتاج هذا التسلسل من الأحداث , وبالفعل فإن حدسنا غالبا مايخدعنا عندما يتعلق الأمر بتقدير حظوظ وقوع الأحداث , وخصوصا إذا كانت نادرة.

لماذا يثير تسلسل الأحداث إهتمامنا بغير حق ؟

غالبا مانكون على حق عندما نشهد على وقوع حوادث غير عادية , بيد أن خطأنا يتمثل في في النتائج التي نستخلصها عبر إعطاء دلالة لهذه الظواهر. إن الحدث الذي يعتبر بعيد الإحتمال , يتوافر على حظوظ ضئيلة الوقوع , ولذلك فهو يدهشنا عند حدوثهولكن هناك أحداث أخرى بعيدة الإحتمال إلى درجة أننا نكون شبه متأكدين من إمكانية وقوع بعضها, وفي هذه الحالة سيكون العكس هو المثير للإستغراب .

الخلاصة

من خلال إنبهارنا ننسى الأحداث العديدة التي لم تقع , وهذه الغرابة تستغل إلى حد كبير من قبل المنجمين وقارئى الطالع , إنهم من خلال مضاعفة توقعاتهم ينجحون في معاينة تحقق بعضها ويعتمدون على ذاكرتنا الإنتقائية للإحتفاظ بهذه الأخيرة فقط , ومن الممكن أن تخفي عنا كل المحاولات الفاشلة عن قصد .

والعبرة إذا كنا ننتظر حدوث معجزة محددة , فهي لن تحدث على الأرجح , ولكن توجد بالرغم من كل شىء معجزات كثيرة قابلة للتصور بحيث سيكون تحقيقها مؤكدا.

وبهذا المعنى فإن قانون تسلسل الأحداث لا يعتبر قانونا حقيقيا ولا يمكن بالتالي إستخدامه للقيام بالتوقعات , فعندما يظهر السبب المفسر للأحداث يختفي مصطلح قانون تسلسل الأحداث .

 

بقلم الكاتب


كاتب مقالات فى مختلف المجالات وخاصة فى المجال النفسى وأى مجال يفيد المجتمع الذى أحيا فيه


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات فى مختلف المجالات وخاصة فى المجال النفسى وأى مجال يفيد المجتمع الذى أحيا فيه