مثّلت الترجمة في ألمانيا الحديثة ظاهرة فكرية تتجاوز حدود النقل اللغوي إلى كونها ممارسة فلسفية وتأويلية تسائل اللغة والفكر والهوية الثقافية، فمنذ عهد لوثر الذي أقلم النص المقدّس مع لسان الجماعة، إلى تنظيرات شلايرماخر حول الترجمة الأصيلة والتغريب، ظلّت الترجمة موضوعًا مركزيًا في تشكيل الثقافة الألمانية.
هذا المقال يفتح نافذة على التاريخ الفكري للترجمة كما تجلّى في أعمال أعلام مثل غوتشيد، غوته، شليغل، وفون هومبولت، ليكشف كيف أصبحت الترجمة وسيلة للنهضة الثقافية والفكرية، لا مجرد تقنية لغوية.
الجذور المبكرة بين الإثراء اللغوي والتأثير الفرنسي
بدت ألمانيا في القرن السابع عشر متَّبعة للموروث الذي أقرَّه لوثر Luther المتمثِّل في أقلمة النصِّ المنطلق مع اللِّسان المستقبل، وباستمرار موروث عصر النهضة، عدتُ الترجمة إثراء للثقافة واللِّسان مع التحذير من الدَّخيل والنسخ، فلا يجب اختراق اللِّسان الأجنبي لسان الأم الذي عليه التطوُّر في ذاته.
يوهان كريستوف غوتشيد (Johann Christoph Gottsched)، منظِّر أدبي ومترجم ألماني، أستاذ الشعرية بجامعة ليبزيغ Leipzig، كان في القرن الثامن عشر دون شك أحد آخر ممثِّلي التأثير الفرنسي، فقد بحث عن نقاء الأدب الألماني تأثُّرًا بالأدب الفرنسي، فكان نصُّه في 1751 تأمُّلًا منطلقه ترجمته الألمانية لكتاب هوراس فن الشعر. فقد حلَّل الصعوبات التي واجهها: التركيب اللاتيني المنمَّق، الأسلوب الذي غالبًا ما يكون موجزًا، الكلمات التي تحيل إلى مسمَّيات ومقامات لفترة أخرى. فسجَّل بدقَّة فوارق الكثافة بين النصَّين: سبع مئة بيت ألماني مقابل خمس مئة لاتيني.

وقد عرض في بحثه نقد فن الشعر 1743 محاسن الترجمة: «دلالة الترجمة [بالنسبة للكاتب] هي مثل أن ينقل رسَّام مبتدئ نموذجًا. فالأعمال الكبرى لأشهر الأعلام تمَّ نقلها طوعًا من طرف فنانين محدودين أو مبتدئين [...]. وفي ظلِّ نقلهم للصُّورة، يتمعَّنون بانتباه كبير كلَّ تفاصيل الأصل [...]. وكذلك ينجزون مئات المسوَّدات[...] ويتعلَّمون مئات التقنيات وطرق الإنجاز التي لم يعرفوها من قبل. فتصبح أياديهم أكثر مهارة قادرة على التحكُّم في الريشة بثقة أكبر. والأمر نفسه ينطبق على المترجم».
فالترجمة تمثِّل للكتابة ما تمثِّله نسخ النماذج للرسَّامين، فالنُّسخ هي ما أفضت إليه الدراسة المتأنية للفن وكذلك تمعُّن للقواعد والتقنيات التي تسمح للطالب بأداء ذلك، والترجمة تستدعي إدراكًا للكلمات ولتعلُّمها يوصى بالاطِّلاع على ترجمات أنجزها متمرِّسون، وتفحُّصها مع مقارنتها بالأصول وفقًا للمبادئ المذكورة.
وفي منتصف القرن الثامن عشر ارتسمت معارضة نمط الترجمة الفرنسية الكلاسيكية: بتطبيع وتجنيس النصِّ المنطلق عن طريق مؤالفته مع قوانين الحضارة واللِّسان المستقبلين. وبرأي أنطوان برمان Antoine Berman، فقد تمَّ إنشاء نظرية الترجمة الألمانية بوعي لمجابهة الترجمات على النمط الفرنسي.
غوته ونماذج الترجمة الثلاثة
يوهان فولفغانغ فون غوته (Johann Wolfgang von Goethe) (1749ـــ1832) تحدَّث في كتابه الديوان الغربي الشرقي (1819) عن ثلاثة أنواع ترجمة يرتبط كلُّ نوع منها بطريق أو بأخرى بفترة رقي ثقافي قومي:

الطريقة الأولى للترجمة [والتي يطلق عليها في يومنا هذا الإستراتيجية العامة للترجمة] تسمح لنا بتعريف الدول الأجنبية بمصطلحاتنا الخاصَّة، والحل الأمثل لهذا التوجُّه، ترجمة نثرية بسيطة، حتَّى ولو كان النثر ماحيًا لكلِّ سمات فن الشعر، لكنَّه يقدِّم خدمة جليلة في نقل الأجنبي ببراعة ليجعله مؤثِّرًا في حياتنا اليومية الأصيلة، وترجمة لوثر الألمانية للإنجيل يمكنها أداء ذلك الأثر على الدوام.
المرحلة/ الطريقة الثانية للترجمة هي تلك التي يبحث فيها المترجم عن مؤالفة المضمون الأجنبي فقط، ليعيد إنتاجه بحسب فكره الخاص، وبكلامه الخاص، وذلك ما يمكن تسميته بالمرحلة المحاكاتية؛ لأن مترجمي تلك المرحلة يتميَّزون بتغيير الأعمال الأجنبية، بهضم مضامينها مع إعادة تأليفها بألفاظهم الخاصَّة. ومثال ذلك [الفرنسيون معاصرو غوته] يستعملون هذه المنهجية في ترجماتهم لكلِّ أنواع الأعمال الشعرية، وفي مثال ذلك في ألمانيا بترجمات فيلاند Wieland. فالرَّغبة في إرضاء المعاصرين بمؤالفة الأجنبي هي ما يميِّز طريقة الترجمة هذه.
المرحلة/ الطريقة الثالثة للترجمة، الأكثر رفعة حيث تتميَّز بالعمل على الوصول إلى تطابق مثالي بين النصِّ الأصل والنصِّ المترجم، فسيتحقَّق ذلك بانصهار أصالة النصِّ المصدر في قوالب الصِّيغ والبنى الجديدة (تلك المتعلِّقة باللِّسان المستهدف). ومثال تلك المرحلة، برأي غوته، هو يوهان هينريتش فوس Johann Heinrich Voss بترجمته (1793) لــ (أوديسة وإلياذة) هوميروس.
وتجاوز نوع الترجمة هذا قدرة القراء الهائلة على التحمُّل؛ لأنَّ المترجم الذي يتعلَّق بالنصِّ الأصل سيفرِّط بشكل ما في أصالة أُمَّتِهِ، فمبدئيًا وجب تعويد ذوق الجمهور [المستهدف] على مثل هذه الترجمة حتَّى تقبل من طرف غالبية القرَّاء، فمثلًا لم يستطع فوس في بداية طريقه الترجمي إرضاء الجمهور، لكن بفضل ترجماته، بدأ الجمهور يتجاوب شيئًا فشيئًا مع نمط الترجمة هذا.
وفي كتابات حول الأدب صرَّح (1824) غوته قائلًا إنًّ «المترجم هو الوسيط في التعاملات الفكرية العامَّة». «حيث اختار هذه المهمَّة لتعزيز توسُّع تبادل الأفكار بين الناس».
وبرأي شليغل Schlegel «فالمترجمون غالبًا ما يستخدمون ترجماتهم للحثِّ على الرقيِّ بشعرية عصرهم». «وأفضل أعمالنا الدرامية [الألمانية] كتبت باتباع النموذج الفرنسي» ليوصي بـ«الاستلهام من شكسبير لأنَّه بمثابة ترياق للمسرح الألماني». والتوجُّه الآخر، هو المثاقفة، تلك التي مارسها فرنسيو تلك الفترة: مثل أنطوان هودار Antoine Houdar de la Motte الذي لخَّص بترجمته في 1714 كتب الإلياذة الأربعة والعشرين إلى اثني عشر. وبرأي غوته، فمردُّ ذلك، قراءته للأصل بمنظار الجنس الأدبي السائد في عصره وهو التراجيديا.
العصر الذهبي للفلسفة الألمانية والتبصر في الترجمة
فقد كانت ألمانيا التي عرفت طفرة فلسفية وأدبية كبيرة مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، أرضًا خصبة وملائمة للتبصُّر في الترجمة. هذه الأخيرة درست على أنَّها إشكال تأويلي وفلسفي - لساني. ففي تلك الفترة أنجز المؤلِّفون، الفلاسفة والشُّعراء الألمان عددًا معتبرًا من الترجمات الكلاسيكية: فترجم فريديريك شلايرماخر (1768ــ1834) لأفلاطون Platon، وترجم أوغست ويلهالم شليغل (1767ـــ1845) August Wilhelm Schlegel لــ شكسبير Shakespeare، سرفنتيس Cervantes وبتراركاPétrarque، وترجم ويلهالم فون هامبولدت (1767ــ1835) لــ سوفوكليس Sophocle.
فالترجمة برأي فريديريك شليغل (1772ـــ1829) هي من باب أولى مرتبة من مراتب الفكر، وعوض تشخيصها على أنَّها نشاط بسيط مرتبط باللِّسان والأدب. فقد عُدت عامة مصدرًا لرقي وثراء اللِّسان والثقافة [الألمانية] الوطنيَّة. وقُدِّمت على أنَّها التقاء بين الألسن والثقافات، التقاء يحتِّم على القارئ القيام بمجهود لمواجهة تنوُّع النصِّ واللِّسان الأجنبي. ومن ثمَّة تتمثَّل مهمة المترجم في توجيه لسانه صوب اللِّسان الأجنبي، صوب الملامح التعبيرية والأسلوبية للأصل. وبالنسبة لــ هامبولت، ليس للترجمة معنى حتَّى تنجح في «جعل لسان وفكر الأمة يكتسبان ما غاب عنهما أو حضر بطريقة مختلفة».

وحسب فريديريك شلايرماخر، يمكن انتحاء نهجين مع النصِّ الذي سيترجم: «فإمَّا ترك مؤلِّف النص الأصل في حاله قدر الإمكان والدفع بالقارئ إلى مواجهة غرابة النص الأصل، أو يترك المترجم القارئ مرتاحًا قدر الإمكان بتقريب النصِّ الأجنبي إلى لسان وأسلوب السياق المستقبل». وبرأي شلايرماخر فالنهج الأوَّل هو الأصيل. ولأنَّ من مهام الترجمة تجاه الثقافة الألمانية لتلك المرحلة جلب الأساليب والأجناس التي يمكن محاكاتها، فيبدو من الطبيعي هيمنة التوجُّه إلى الأمانة للملامح العميقة للأصل، ومن ثمَّة فالكاتب هو من سيترك بسلام.
فالترجمة لم تدرس على أنَّها نقل للكلمات والجمل وكفى، بل للثقافات، حيث تحمل كلُّ واحدة منها نظرتها الخاصَّة للعالم. وتصوُّر نظرتها للعالم هذا كان بالغ الأهمية عند فون هامبولت «الكلام هو عصب النصِّ». وأن تترجم حسب ويلهالم فون هامبولت معناه «الانتقال من إقليم مزوَّد بتصوُّرات عن العالم وصور محدَّدة إلى آخر بملامح مختلفة».
ففكرة التأثير المتبادل للكلام على الآراء وللآراء على الكلام التي لم تناقش كثيرًا كإشكال خاص بالترجمة حتى منتصف القرن الثامن عشر، أصبحت بعد ذلك سمة للعصر، لتتَّخذ منحى آخر متمثِّلًا في تعذُّر الترجمة: أو بمعنى آخر فكرة استحالة النقل من العوالم المختلفة وبين الألسن المختلفة. وذلك على الرغم من رواج الفكرة التي ترى بأنَّ التنوُّع بين الألسن سيؤدِّي كذلك إلى تنوُّع جذري في كيفية رؤية العالم، وهو طرح ناقشه المنظِّرون الرومانسيون الألمان ليأتي بعدهم اللِّسانيون «النسبيون» كــ إدوارد سابير Edward Sapir وبنيامين وورف Benjamin Whorf، ولا أحد منهما استطاع الخروج باستنتاج جذري عن تعذُّر الترجمة. لنشهد بعد ذلك ميلاد الرأي القائل إنَّ تنوع الألسن اللامنقوص هو الشرط الضروري لوجود الترجمة. فمثلا يولي هامبولت قيمة إيجابية للتنوُّع الجوهري بين الألسن، حيث نجد في الحفاظ عليه عند النقل، سببًا لوجود الترجمة: «فالترجمة ستبلغ مبتغاها الأوحد إذا أدَّت إلى الإحساس بالغرابة».
فعدم قابلية الألسن للقياس فسَّرها بشكل إيجابي ولتر بنيامين أو رومان جاكبسون، في مقاله الشهير حول الترجمة حيث دعَّم فكرة بأنَّ «الألسن تختلف أساسًا فيما يجب التعبير عنه، وليس فيما يمكن التعبير عنه».
أوغست ويلهالم شليغل (176ـــ1845) ناقد، مترجم ومؤرخ أديب ألماني، تبصَّر كذلك في الترجمة، فتساءل في رسالته إلى السيِّد ريمار (1828) Monsieur Reimer: «عن الغاية من إعادة تأليف الشعر؟ فكان يعتقد بوجوب توفير نسخ لأولئك الذين لا يمكنهم الاطِّلاع على الأصل، بغرض تذوُّق عذوبته قدر الإمكان. فعلى المترجم عدم إثارة إشكاليات سبق حلُّها في النص». «ومن الواجب كذلك إرفاق الترجمة التي قد تغرِّب القارئ، بمدخل، مثل ترجمة رميو وجولييت لشكسبير إلى الألمانية من طرف شليغل. ففي كلِّ أعمال شكسبير المسرحية، يأخذ القارئ إلى عالم غريب عنه، حيث يجب أوَّلًا الاندماج معه».
ويلهالم فون هيمبولت (1767ـــ1835) بعد تحصيله العلمي، ثمَّ دراسته للإغريقية والفرنسية، تلقَّى مبادئ الفلسفة والإدارة. ليدرس بعدها لمدَّة ثلاثيات ثلاثة فقه اللِّسان والعلوم بجامعة غوتينغن Göttingen رفقة جورج كريستوف ليشتنبرغ Georg Christoph Lichtenberg واطَّلع على مؤلَّفات إمانويل كانط Emmanuel Kant، ومن بينها مؤلَّفه النقدي الأوَّل من الثَّلاثة، وقد ألهمه نقد كانط للعقل الخالص تفكيره النَّحوي، أمَّا الثاني والثالث فعرَّفاه بالأنثروبولوجيا وعلم الجمال. وكان هيمبولت صديقًا لــ غوته وبشكل خاص لــ فريديريك شلايرماخر، حيث كان هذان الشاعران مصدر إلهامه في تبصُّره بالجمال الذي غالبًا ما كان مبتكرًا.
وأقام هيمبولت في باريس من 1797 إلى 1799، وبنهاية إقامته الباريسية، سافر إلى إسبانيا وبالتحديد إلى إقليم الباسك. ليكتشف كذلك اللِّسان والثقافة الباسكيين. وإليه كانت فرصة لوضع مبادئ الوصف اللِّساني الحديث بأسبقية الخمسين عامًا: الدراسة الآنية للألسن، الدراسة الوصفية غير المعيارية، أهمية المدوَّنات والمحدِّثين وكذلك أهمية الفئات النحوية التي تصف بدقَّة المظاهر الخاصَّة بالألسن المدروسة، ذلك ما دفع به إلى إقصاء الفئات النحوية اللاتينية للسان مثل الباسكي. ليحاول بعدها (1827ـــ1829)، وضع معالم للنحو الشامل.
ومن أعماله استخلصنا فلسفته اللسانية التي جرى تسليط الضوء عليها من طرف إرنست كاسيرر Ernst Cassirer في فلسفته للأنواع الرمزية، وكذلك ما أطلق عليه الفرضية الهمبولتية، حيث بشكل مستبق تحدَّد من خلالها فئات من الكلام المنطوق فئات فكرنا. فكلُّ لسان يحمل في طياته صورة شاملة عن العالم. وقد اهتمَّ هيمبولت بشكل خاص بالبعد الشَّامل للكلام. فباللِّسان فقط يمكن للفكر أن يدرك نفسه. والكلمة تحيل إلى تفكير موضوعي.
فريديريك شلايرماخر والمنهجان الأساسيان بين الترجمة الفورية والترجمة الحقة
فريديريك شلايرماخر (1768ـــ1834)، عالم لاهوت بروتستانتي ألماني، مترجم أفلاطون، صاحب مقال الطرق المختلفة للترجمة (قدَّمه في 24 جوان 1813 بالأكاديمية الملكية في برلين). وترجمه أنطوان برمان.

«كلُّ إنسان بداخله لسان» ألسنا بحاجة إلى ترجمة خطاب شخص آخر مشابه لنا تمامًا لكن أحاسيسه ومزاجه مختلف؟ [...] وأكثر من ذلك ففي بعض الأحيان نجد أنفسنا مضطرين إلى ترجمة خطابنا بعد مدة لنجعله أكثر بيانًا وانسجامًا [...]
ودائمًا مع الترجمة من لسان أجنبي إلى لساننا، فيمكن التمييز بين ميدانين مختلفين. الترجمان الذي يمارس وظيفته في مجال الأعمال والمترجم الحقيقي الذي يكون في ميدان العلم والفن. ففي مجال الأعمال، الترجمة هي نشاط آليٌّ كليًّا... لكن فيما يتعلَّق بنتاج العلم والفن، فإذا أردنا نقله من لسان إلى آخر، وجب اعتبار أمرين قد يغيِّران العلاقة كليًا... فكلَّما كانت الألسن متباعدة في جذورها وفي الزمن، كلَّما كان صعبًا إيجاد كلمة في لسان تكون ذات ارتباط وثيق بكلمة من لسان آخر، ولا يمكن لأيِّ شكل من مرونة اللسان تغطية بدقَّة تعدُّد العلاقات مثل الآخر... والوضع يختلف في ميدان الفن والعلم، وحيث يسيطر الفكر، والذي هو والخطاب واحد، وليس الأمر هنا يخصُّ الكلمة باعتبارها علامة اعتباطية بل وضعت بتدبُّر وثبات.
الأمر الثاني الذي يجعل من الترجمة الأصيلة ليست مجرَّد نقل شفوي بسيط هو الآتي. فدائمًا عندما لا تكون الخطابات مرتبطة بأشياء محسوسة أو بوقائع خارجية يكفي ذكرها، ودائمًا عندما يفكِّر ذلك الذي يتكلَّم بطريقة متحرِّرة بشكل ما، ومع ذلك يرغب في التعبير، فسيجد نفسه في علاقة ازدواج مقابل اللِّسان، ولا يمكن فهم خطابه بشكل صحيح إلا من خلال فهم تلك العلاقة.
فكلُّ إنسان يسيطر عليه اللِّسان الذي يتحدَّث به، فهو وخطابه نتاج لذلك، ولا يمكنه التفكير بدقَّة أكبر خارج حدوده، فشكل وحدود التوفيق مرسومة مسبقًا باللسان الذي نشأ وترعرع فيه، فإدراكنا وخيالنا يرتبطان بذلك اللِّسان. وزيادة على ذلك، فكلُّ إنسان يفكِّر بشكل مستقلٍّ سيسهم في صياغة اللسان.. ولهذا السبب يتطلَّب استيعاب كلِّ خطاب متحرِّر وراقٍ طريقتين، فمن جهة انطلاقًا من روح اللسان بما فيه من عناصر مكوِّنة، كلسان مقدَّم موسوم ومشروط بتلك الروح، وتتولَّد وتحيا بالروح نفسها داخل الذات المتكلِّمة. ومن جهة أخرى تتطلَّب لاستيعابه انطلاقًا من أحاسيس من أخرجه كعمل له، حيث لا يمكن إبرازه وتوضيحه إلا من طريقة وجوده.
إعادة الصياغة والمحاكاة أم ترجمة حقَّة؟
ألا تبدو الترجمة مسعى فيه شيء من الجنون؟ ولذلك تجدنا محبطين في بلوغ ذلك الهدف، فلو أردنا، الوصول إلى التفكير جليًّا في ذلك، فسيستدعي ذلك بداعي الضرورة الروحية المهارات الفكرية، وليس بالمعنى الحقيقي لفن اللسان، طريقتين أخريين لإدراك مؤلَّفات الألسن الأجنبية التي تسعى أحيانًا جاهدة للتخلُّص من صعوباتها، وأحيانًا تجاوزها، لكن سنتخلَّى كلِّيًا عن فكرة الترجمة المقترحة هنا، والطريقتان هما إعادة الصياغة والمحاكاة. فإعادة الصِّياغة تريد إبعاد لا عقلانية الألسن، لكن بطريقة آلية محضة.
ومن جهتها تتَّبع المحاكاة لا عقلانية الألسن، لكن العمل لن يكون نفسه، وروح اللسان الأصل تصبح غائبة وغير ظاهرة.
فإعادة الصياغة تستعمل استعمالًا كبيرًا في ميدان العلوم، والمحاكاة تستعمل في الفنون الجميلة... ولا يمكن معالجة أيِّ واحدة منهما بسبب التشويه الكبير للتصوُّر الذي تمثِّله، فقد استعملت هنا كحدود للمجال الذي يهمُّنا.
وبعد، ما السبيل.. المتَّخذ..؟ وبرأيي، ليس هنالك إلا اثنين. إمَّا أن يترك المترجم الكاتب في حاله إلى أقصى حدٍّ ممكن ويدفع بالقارئ للتعرُّف عليه، أو أن يترك القارئ مرتاحًا قدر الإمكان ويعمل على تقريب الكاتب منه.. فالترجمة الأولى مثالية في نوعها في حالة ما إذا تعلَّم الكاتب الألمانية وكذلك المترجم للاتينية، فسيترجم عمله المكتوب أصلا باللاتينية، وبهذه الطريقة يتصرَّف المترجم حقًّا.
أما الأخرى من جهتها، لا تبين الطريقة التي ترجم بها الكاتب، بل الطريقة التي كتب بها بالألمانية أصلًا بما أنَّه ألماني.. وجليٌّ، أنَّه باتباع هذه الطريقة والتي وجب من خلالها الترجمة يُتَرجَمُ لكاتب وكأنَّه هو نفسه من كتب بالألمانية.
فالحالة الأولى هي الفهم التعليمي والذي يتم على مستوى الجملة فيسبب الارتباك والمشقَّة والنفور، وهو سبب عدم وصولها إلى وضوح البديهة على التمام، والفهم النابض بالحياة للكلِّ. لكن هنالك فهم آخر لا يمكن لأيِّ مترجم محاكاته.. فتفكيرنا ينصبُّ في أولئك الأشخاص الذين يوجدون كليًّا من وجهة نظر روحية، داخل لسان آخر بمنتجاته، وحينما ينغمسون في دراسة عالم آخر، فسيتركون عالمهم وسيغدو لسانهم أجنبيًا بشكل كلِّي.. ومن ثمَّة فالترجمة لها علاقة بوضع يقع في منتصف الطريق بين الاثنين، فوجب على المترجم أن يكون من أهدافه تقديم صورة ومتعة لقارئه مماثلة لما تتركه قراءة النصِّ بلسانه الأصل على القارئ المثقَّف.. والذي.. يواصل إدراك الفوارق بين اللِّسان الذي كتب به النصَّ ولسان الأمِّ.
حوصلة لأفكار شلايرماخر
أبرز فريديريك شلايرماخر في طرحه حول الترجمة إشكاليات عدة مرتبطة بالترجمة بين الألسن أكثر من تلك المتعلِّقة باللسان في نفسه:
أولًا: أشار إلى أهمية إعادة صياغة الخطاب المنجز في اللسان نفسه بعد مرور فترة محدَّدة، لأن الألسن الطبيعية تتطوَّر دائمًا ومعها طريقة التعبير كذلك، ليستشهد هنا بالتطوُّر التاريخي للألسن البشرية وعواقبه على التواصل حتى داخل اللسان الواحد.
ثانيًا: فقوله بوجوب إعادة صياغة الكلام بمرور فترة زمنية معيَّنة عليه، لأنَّه أخذ في الحسبان تطوُّر لهجة كلِّ شخص.
ثالثًا: أبرز التأثير المتبادل بين اللسان الذي نتكلَّم به والفكر. فلا يمكن للفكر أن يتعايش بمعزل عن اللسان، واللسان الذي يتحدث به شخص ما يؤثِّر على طريقة تفكيره. كذلك، يؤثِّر تشكيل الأفكار من طرف المتكلِّمين بلسان معيَّن بطريقة متحرِّرة على ذلك اللسان وتعديله.
رابعًا: فرَّق شلايرماخر في ميدان الترجمة بين لسانين، بين الترجمة الفورية (ترجمة الخطابات والنصوص الخاصّة بالأعمال، والتي يطلق عليها حاليا النصوص والخطابات البراغماتية) والترجمة الحقَّة (حيث نجد ترجمة النصوص الأدبية والفلسفية أو النصوص التابعة للعلوم الإنسانية أو العلوم باختصار).
وأخيرًا: قدَّم طرق الترجمة المختلفة التي قد يتبنَّاها المترجم. وكان مدافعًا عن الترجمة التي يمكن وصفها على أنَّها مصدرية، تغريبية، والتي تقدِّم العمل الأجنبي إلى القارئ المستهدف وتدفع به إلى بذل مجهود عقلي وفكري لفهم العمل الأجنبي في غرابته وأصالته.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.