التربية والثقافة أو مسألة المعنى في عالم إشكالي

بقلم: دينيس سيمار

ترجمة: نورالدين البودلالي

أثناء المناقشة النقدية للجدل السلبي لمسألة التنوير Aufklärung لدى مدرسة فرانكفورت الأولى (هوركهايمر وأودورنو) وخلال الحوار مع ماكس فيبر حول سيطرة العقلانية الأداتية و«خيبة أمل» العالم، لم يسعى يورغن هابرماس (1981) إلى إبراز الجانب المظلم، أو الشرير أو المأساوي ل«وهمية مفاهيم العالم»، وإنما ميزة الفعالية، والبنائية والإيجابية. فالعالم «المحبط»، العالم «المتحرر من الوهم»، العالم الحديث، عالمنا نحن، يتميز بتأملية غير منقطعة تجعل من الممكن لتأويلات محتملة للعالم تظهره كما هو عليه: تأويلات للعالم... تأويلات فقط. وحين يكون تفسيراً للعالم، على وجه التحديد، مدركا حقا لطابعه التأويلي، القابل للخطأ والنسبي، عندها لا يمكن للحقيقة أن تتأتى عن طاعة عمياء لنظام متعال، وإنما عن تفاعل لغوي الغاية النهائية telos منه التوافق. وقد كتب جون غروندان بحق في فصل مخصص لهابرماس (1933، ص105-106) قائلا: «التوافق اللغوي، التواصلي، مدعو إذن أن يحل محل السلطة التي فرضتها ذات يوم الخرافة. لن يتم حينها فرض المبادئ المعرفية والتفاعل الاجتماعي من فوق؛ إذ يمكنها بل عليها، بالأساس، أن تكون موضوع حوار مستنير([i])». تعزيز الحوار أو ال«المناقشة المستنيرة» تنتج إذن عن «تنقية مفاهيم العالم من الأسطورة» وتتلازم و الوعي بمحدودية البشرية واستحالة الوصول إلى نقطة أرشميدية حول المعرفة، والمعنى والحقيقة. لهذا لا نملك حلا آخر سوى أن نقوم بحوارات بيننا، أن ننخرط في خط حواري و تبادل للرأي المنطقي لسبر الحقيقة والمعرفة (Grondin, 1993; Simard 2004).

يمكننا قول ما جاء في كلام ميشيل فابري (2011)، وهو يستوحي جون ديوي، بطريقة مخالفة: إننا نعيش في عالم إشكالي، أي غير أفلاطوني، كما يقول نيتشه، عالم حيث كلمات مثل «عقل»، «تربية»، «حقيقة»، «جمال»، «خير»، « ثقافة»، «عمل فني»، «قيمة»، «معرفة» «نقل»، التي استمدت قوتها البديهية من تقليد فكري ، إنساني وعقلاني طويل، لم تعد كلمات «جوهرية»، وإنما مسائل. هي قضايا بالمعنى النبيل للكلمة، تستدعي العقل، «نقاشا مستنيرا». وفي حوار غير معروف كثيرا أجرته معه أنيتا هوكار، تحدث بول ريكور بكلمات نراها جد صائبة حبث يقول: «يبدو لي أن تهيئ الناس للدخول في هذا العالم الاشكالي هي مهمة المربي الحديث» (Ricoeur, 1996, p. 95). سنتفق كون هذه ليست سوى وجهة نظر للعقل، إذ على مستوى حياتنا اليومية، الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، والمهنية، نقوم لتجربة أشكلة العالم الذي نعيش فيه، عالم يفرض علينا باستمرار أن نعيد تقييم أنفسنا لإيجاد توازنات سيكولوجية، وأخلاقية، واجتماعية، وايديولوجية، وسياسية جديدة. بطبيعة الحال، هذا العالم الإشكالي هو العالم الحديث، عالمنا نحن، عالم، وكما رأى جون ديوي ذلك من قبل، الذي نتحمل مسؤوليته كاملة، عالم تهيمن عليه ردة الأفعال، كما يقول هابرماس، ويسمح بتعددية في التأويلات التي تبدو من حيث هي كذلك: «وجهات نظر» يمكن مناقشة أسسها (Grondin, 1993, p. 105).

يمكن للعيش في عالم من هذا القبيل، وكما يلاحظ في العادة، أن يؤدي إلى ردود أفعال جد متنوعة، بل ومتعارضة، حول مسألة المعنى ومسؤولية النقل الثقافي، والتي لا يبدو لنا بعضها مقبولا: بين ردة فعل عقائدية، من جهة، التي تحصر مسألة المعنى في معنى وحيد، لا يقبل الجدال وثابت، وردة فعل النسبية التي لا تقل شدة، من جهة أخرى، التي تتساوى فيها كل المعاني دون أدنى مناقشة ممكنة. ردود الأفعال تتعارض، كما يشير إلى ذلك ميشيل فابري (2011)، مع الفكرة التربوية ومع مسؤولية النقل الثقافي في الإطار المدرسي وداخل القسم. أكثر من ذلك إنها متعارضة وغير مقبولة، فهي تتجنب تماما المسألة السياسية التي تكمن بقلب هذه المسؤولية في عالم اليوم، تجاه عالم اليوم، العالم الحديث، «المفجوع»، «الفائق من أوهامه»، الإشكالي. بالفعل إن هذه المسألة، وبشكل بارز جدا، مسألة سياسية، أي ذات علاقة بالصالح العام للمجتمع، كما رأت حنا أردنت (1972) بشكل واضح. من زاوية النظر هذه، فالمدرسة، التي تتحمل مسؤوليتها كاملة بجدية في النقل الثقافي، ليست مؤسسة كباقي المؤسسات: إنها مؤسسة اجتماعية وسياسية بشكل كامل تهم بالدرجة الأولى المدينة الحاضرة، العيش المشترك، الشأن العمومي res publica، لكونها تحدد لكل، حسب تعبير دوركهايم (1938/1990)، «ما يجب التفكير فيه بالخصوص»، « مواضيع محددة»، «حقائق على العقل الاشتغال عليها»، «مواقف» و «عادات» يجب التعاقد حولها. لذا فضعفها لا يؤثر فقط على جانب من جوانب الحياة الاجتماعية فحسب، بل على الحياة الاجتماعية، والأخلاقية والسياسية برمتها. وقد عبر إيف لورفيل بشكل واضح قائلا: «ليست التربية كباقي عناصر الحياة العامة التي لا يؤثر فشلها إلا على جانب قطاعي محدود، دون أن يمس في الباقي. إنه يؤثر على الاستقرار، وعلى إعادة انتاج أسس العالم، كما تقول حنا أردنت» (2002، ص.160). 

الهامش

[i]- علينا أن نضيف أن «عملية رفع الأسطرة عن مفاهيم العالم» ترافقها «تمايز مجالات الصلاحية». يقول جون غروندان: «إن الأسطورة، حسب هابرماس، تخلط بين مجالات الصلاحية الخاصة بكل من المعرفة، والعدالة والصدق. سيتم التمييز بين هذه المستويات في فترة الحداثة (المعرفية، القانونية والأخلاقية، والفنية)، سانحة المجال أمام موضوعية بمجالات للتوافق اللغوي، الشرط اللازم لتوافق مستنير» (1993, ص. 115).

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

Ø ولد في 25-03-1958 بمدسنة الدارالبيضاء، المغرب؛ Ø حصل على الإجازة سنة 1984 من شعبة الفلسفة، تخصص علم النفس، كلية الآداب والعلوم الانسانية، جامعة محمد بن عبدالله، فاس؛ Ø نشط بجمعية الشعلة، وأصبح مندوب فرعها بمدينة سطات لولايتين متتابعتين، نظم خلالهما ندوة في ثلاثة مواسم تحت لافتة «ندوة الفلسفة» نشطها كل من المرحوم أحمد السطاتي وعلي أومليل ومحمد سبيلا ومحمد وقيدي ونورالدين الزاهي وأحمد الأشعري؛ Ø له كتابين لم ينشرا بعد: «علم النفس السوفياتي» لأنجيولا ماسوكو كوستا وذلك تحت اشراف الدكتور غالي أحرشاو، و«حول علوم التربية» لميشيل دوفولاي؛ Ø نشر العديد من المقالات المحررة و المترجمة التربوية منها والفكرية، بمجلة "نقد وفكر" و مجلة "مجلة علوم التربية" وعلى صفحات جريدة الاتحاد الاشتراكي، ثم بمدونات: "إكسير" و "كوة" و "معنى"؛ حاليا صاحب مدونة "نوالوردين البودلالي"