يشكل النمو المتزايد لمعدلات العنف ومؤشراته في المجتمع داخل المؤسسات التعليمية وخارجها، مقدمة منهجية للبحث في مسألة التربية الأخلاقية بأبعادها ومظاهرها الإنسانية.
أما أبعاد التعليم التي تُدرس غالبًا تصب في خضم الظروف الاجتماعية والاقتصادية، التي تعانقها مع واقع اجتماعي محدَّد، فيفرض كل مجتمع قيمه ومعاييره وقوانينه، ومع ذلك تتعرض القيم والأعراف إلى عملية تغيير، ومقدار التغيير يقاس في كلٍّ من دائرتي الزمان والمكان.
اقرأ أيضًا كيف تحفر اسمك في ذاكرة طلابك؟
التربية الأخلاقية في العصر الحديث
والضرورة في المرحلة التي تفقد فيها هذه القيم قدرتها على أداء دورها وممارسة وظيفتها الأخلاقية تشتدُّ؛ لأن الإنسان يجد نفسه في حالة ضياع أخلاقي، وذلك بسبب فقد القدرة على توجيه أفعاله إلى المسارات الأخلاقية الصحيحة.
وهذا هو ما كان في طيِّ النسيان؛ أي أن لحظة الخسارة التي يفقد فيها الإنسان قدرته على توجيه سلوكه، وتحديد أهدافه الأخلاقية تولد الحاجة العلمية للبحث عن مظاهر القيم وآثارها الوظيفية من أجل الكشف عن العوامل والمتغيرات المجتمعية التي تؤثر في أداء نظام القيم في المجتمع.
وضمن دائرة هذه العملية المجتمعية للقيم يمكن القول إن التربية الأخلاقية تأخذ مكانها في عمق الوضع الأخلاقي في المجتمع، ودورها من أهم وأخطر العوامل في توليد منظومة القيم أو في انهيارها.
يهتم التعليم اليوم بالضرورة بالتربية الأخلاقية باختلاف عما هو سائد في البيئة المدرسية، ويريد التربويون الجدد تحقيق تربية أخلاقية لا تتعارض مع النمو الطبيعي للطفل، ولا تتركه لها، فهم يمتلكون نزوات مفرطة حين أعلنوا رغبتهم في إنشاء حركة عالمية للتربية الأخلاقية على غرار الاتحاد العالمي للتعليم الجديد.
ومهما كان الأمر، فإن التربية الأخلاقية تنبع من مبدأ التطور الحر للطفل، والفكرة المشتركة عند المعلمين الجدد هي الانطلاق من مبدأ الحرية في مواجهة الاضطهاد والهيمنة اللذين تمارسهما المدرسة التقليدية.
وذلك بدوره يمكن أن يبرر الافتراض الأساسي للتربية الأخلاقية التي لا تبدأ من الخارج، بل تلك المشتقة من مصادر داخلية للطفولة، في حين يسعى التربويون الجدد لإيجاد معادلة تربوية بين طبيعة الطفل والتربية الأخلاقية الممكنة، وفي الوقت نفسه العفوية ضرورية لتحقيق التربية الأخلاقية المنشودة.
اقرأ أيضًا كيف تصل إلى الاجتهاد
أنواع التربية الأخلاقية
وفي هذا السياق يمكن التمييز بين عدة أنواع من التربية الأخلاقية مرتبطةٍ بمحتوى موضوعي، فتربية الطفل الأخلاقية تعني أنه يتعلم التمييز بين الصواب والخطأ، ومواجهة تحديات هذا الاختبار.
وحينها نواجه نوعين من التربية الأخلاقية، أحدهما ذو طابع قسري، حيث يُملي على الفرد ما يجب أن يفعله، والآخر ذو طابع تعليمي مجاني يتيح للفرد اتخاذ قراره الأخلاقي بحرية، وفي كلتا الحالين يواجه الطفل نوعًا من السخافة الأخلاقية.
وهنا تبرز المشكلة الكبرى للتربية الأخلاقية، والتي تتجلى في نقطة الاتصال بين التعليم المجاني الذي يريد الطفل أن ينمو أخلاقيًّا وفقًا لطبيعته، وبين هذه التي توجه أفعال الطفل وتجبره على السلوك وفقًا لمعايير خارجية محددة سلفًا.
ويشهد العصر تحولات وتغيرات عميقة، والاكتشافات العلمية والتكنولوجية تختطف التقاليد، وتدمر القيم، وتزعج أعراف الوجود التقليدية التي أصبحت عاجزة عن مواكبة التغيرات الاجتماعية الشاملة والعميقة، وبدأت تتفكك، وبدأت معدلات الجريمة، والعنف، وتعاطي المخدرات بالارتفاع، وبدأنا نشهد دمارًا بيئيًا منظمًا ومخيفًا على الأرض وفي الجو والبحر.
وإن الضمير الذي يشكل جوهر طبيعتنا البشرية ومركزها، يشكل في الوقت نفسه مصدر طاقتنا الأخلاقية، وبوتقة تكويننا البشري.
وبالتالي يجب أن ينطلق الومض التعليمي الأول من الرغبة الحقيقية في مساعدة الأطفال والشباب لتطهير قلوبهم وتكوين حسِّهم الأخلاقي من أجل بلوغ النضج البشري، وصقل أنفسهم لتغدو طبيعتهم البشرية على مبدأ القيم الأخلاقية.
وثم يأتي الفلاش التربوي الثاني، والذي يتمثل في السماح للأطفال والشباب بتمثيل القوانين الأخلاقية للسلوك من أجل بناء علاقة تواصل حقيقية مع الكون والآخر والنفس.
وأما الفلاش البيداغوجي الثالث، فيتبع مساره بامتلاك ثقافة حقيقية ومعرفة أصيلة بالكون، ثم بالعمل على بناء معرفة فعالة بالتقنيات والوسائل والإمكانيات المتاحة، من أجل الحصول على مهنة أو وظيفة تسمح للشخص بالاستمرار في العيش بشرف وكرامة.
وتشكل هذه الأبعاد الثلاثة للتعليم بوتقة يمكن الاعتماد عليها في تشكيل الفرد، وتهيئته للعيش في مجتمع استنزفته الحداثة والثورات المتتالية في مختلف المجالات، وتشكل ثقافة الروح والقلب الأساس للتغلب على المجتمع الأكبر والتحديات.
اقرأ أيضًا التعليم بين الماضى والحاضر
نظرية الهرم المقلوب
وعلى الرغم من أهمية هذه الأبعاد التعليمية البشرية؛ فإن الواقع اليوم يخبرنا بوجود تعليم حديث قائم على هرم آخر مقلوب، يركز على عملية متسارعة من الإعداد المهني، تتمحور حول التكنولوجيا وعلوم الكمبيوتر على حساب الجوانب الروحية والأخلاقية للتعليم.
ومع ذلك فإن النظرة الحكيمة والمتوازنة للتعليم تفضل التعليم القائم على الثقافة الإسلامية والأخلاقية؛ لأن الثقافة الأخلاقية هي الأساس الحقيقي للثقافة المادية والعقلية.
والتعليم الوجداني، وهو فن الدخول في علاقة مع الآخر من خلال الحب الحقيقي، هو حجر الزاوية في عملية تكوين شخصية الطفل، الحب الحقيقي يرمز إلى الحياة دون غايات نفعية وشخصية.
وبهذا النوع من الحب في العلاقات بين الرجال والنساء فإنه يؤدي في النهاية إلى الإخلاص والولاء بين الناس في العلاقات الاجتماعية المختلفة، وعندما يبدأ الحب من أساسٍ أخلاقي، يتصرف الإنسان دائمًا لتحقيق أهداف عالية تتعلق بالآخرين الذين يقعون في دائرة الحب.
ويمكن للآباء أن يكونوا آباء ومعلمين وموجهين حقيقيين في هذه الأدوار الثلاثة، ولا يمكنهم أن يكونوا كذلك إلا بالحب الحقيقي، وهو جوهر هذه المستويات الثلاثة من الفعالية التربوية الأخلاقية.
ومثل هذا الحب موجود في الآباء الذين يضحون بكل شيء من أجل أبنائهم دون أمل أو رجوع، وهذا النوع من الحب يشكل أساس الأبوة الحقيقية.
والأبوة والأمومة التي يمكن أن تلقى صدى لدى المعلمين الحقيقيين، الذين يمكنهم أيضًا صب حبهم الحقيقي والكامل لطلابهم.
ولتحقيق ذلك يجب تجذير القيم الأخلاقية الأكثر أصالة ونبلًا، ويجب أن يكون الأب أو المعلم إنسانًا، وقدوة أخلاقية تلهم الأطفال والمتعلمين الآخرين بعدم تجاوز القيمة الأخلاقية للحب والإنسانية.
اقرأ أيضًا التربية بين اليابان والمجتمع العربي
أهمية وجود القدوة الأخلاقية
ويجب أن يكون المعلم المستوحى من هذا النموذج الأخلاقي معلمًا حقيقيًا قادرًا على توجيه تلاميذه نحو الفضيلة، وقادرًا على محبتهم، كما يفعل الأب الحقيقي مع أبنائه، لإضاءة قلوبهم بالحب والخير والعطاء.
وهي أسس عالمية بعد الإيمان بالله والقيم الإنسانية، كل هذا يلزم المعلم بالشعور بالمسؤولية، وأهمية دوره في بناء التنشئة الجسدية والأخلاقية والنفسية والروحية للأطفال؛ لأنهم أمل المستقبل ونبض الحياة البشرية المستقبلية في المجتمع.
يشهد العالم اليوم، في بداية القرن الحادي والعشرين ولادة ثقافة عالمية جديدة تدعو إلى السلام والوحدة الكونية، وتشهد تطورات علمية وتكنولوجية واقتصادية هائلة من جميع النواحي.
ولقد علَّمنا القرن الماضي أن التقدم العلمي والتكنولوجي وحده لا يكفي لتهيئة ظروف السلام والوئام البشري والسعادة الإنسانية الحقيقية، ما نحتاجه اليوم من أجل عالم أكثر إنسانية وعدلُا وسعادة، هو رؤية عالمية جديدة تتمحور حول القيم الأخلاقية والإنسانية.
هذه الرؤية البشرية الجديدة ضرورية لبناء كيانات بشرية، ولخلق عالم جديد وخلاق، لخلق عالم مليء بالإنسانية والجمال الأخلاقي، وبناء الناس الذين يشعرون بالسلام، والتكامل، والشعور بوحدة الوجود.
والانتماء بين قيم الشرق القديم وقيم الغرب المحدث، فمن دائرة التكامل بين هذه القيم العالمية يمكننا أن نولد قيمًا جديدة تتميز بالروعة والجمال، وتعبِّر عن روح العصر واحتياجاته الروحية والإنسانية.
ولتحقيق هذه التطلعات والرغبات الإنسانية الإبداعية يجب أن نوِّفر للأطفال والشباب مناخًا عائليًا محبًا وذا مغزى، قادرًا على تكوين ضمير الشباب، وتوجيه خطواتهم نحو الحقيقة والخير والجمال.
ولا يتعارض الوعي الإنساني الحقيقي مع الخير، فهو مليء بالجمال والبحث عن الدلالة والمعنى، لكن الوعي نفسه يقع في فضاء أخلاقي مدمّر لا يمكنه متابعة غرضه الكوني الأسمى.
وعلينا أيضًا أن نساعد أطفالنا على ملاءمة هذا النهج الإنساني وتمثيل أهدافه العليا؛ ليتطهر الشباب في جو من الحب الحقيقي، ويستمدون قوتهم الروحية من البيئة الاجتماعية التي تحيط بهم، وهذا شرط أساسي يميز المجتمعات المدنية المتحضرة التي تتميز بطبيعتها الروحية.
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.