حماية التراث الانساني

التراث يحمل معاني كثيرة منها كونه خطابا  يمثل : ( التقاليد الثقافية ، والعادات الاجتماعية الموروثة) ، وأيضا يحتوي  على ملكية فكرية موروثة سواء كانت مادية  (قطعة من الممتلكات أو مبنى أو مكان يمكن "امتلاكه" و "نقله") أو معنوية (عادات ، وتقاليد ، وفنون ،وكتب) أو (موروث ثقافي أو ديني ) ينتقل من جيل إلى آخر  ويمكن المحافظة عليه  .

هذه الممارسات غير المرئية أو "غير الملموسة" للتراث ، مثل اللغة أو الثقافة أو الأغنية الشعبية أو الأدب أو اللباس ، مهمة في مساعدتنا على فهم من نحن.

- كيف يمكن حماية التراث؟

- وهذا التراث يفترض مجموعة من : ( الوسائل ، والأدوات الفنية ، والفكرية ، والقانونية ، والعلمية ) التي يمكن اعتمادها من أجل المحافظة على هذا التراث ، وصيانته من (التدمير ، والعبث ، والسرقة) أو الاندثار.

وانطلاقا من هذه الأدوات يصبح التراث نشاطا معاصرا  له آثار بعيدة المدى. يمكن أن يكون عنصرا في التخطيط الحضري والإقليمي بعيد النظر. يمكن أن يكون منبرًا للاعتراف السياسي ، ووسيطًا للحوار بين الثقافات ، ووسيلة للتفكير الأخلاقي ، والأساس المحتمل للتنمية الاقتصادية المحلية. وهي في نفس الوقت محلية وخاصة ، وعالمية ومشتركة.

هناك العديد من أشكال التصنيف الرسمية التي يمكن تطبيقها على مواقع التراث على المستوى الوطني أو مستوى الدولة في جميع أنحاء العالم. في الواقع ، يبدو أن  مفهوم التراث بوصفه حقلا له سمات خاصة تم وضعها أو تصنيفها من ضمن خانة يصبح فيها الشيء أو المكان ، وقد حاز اعترافا رسميا بأنه موقع تراثي ، فانه ساعتها يتم تميزه وتشخيصه بمعزل عن المحيط الذي يوجد فيه ، ومع الأشخاص الذين يستعملونه ، قد تغير وتميز وأصبح له فضاءه الخاص الذي يكسبه خصوصية وتميزا  عما حوله في  الأهمية والاهتمام ؛ لأنه أصبح شيئا  يحتل مكانة خاصة ، كونه مكاناأثريا أو شيئا  له خصوصية ، وأهمية ثقافية وتراثية يرتبط بجماعة معينة أو مثل مساجد قديمة مهمة بخصوصيتها ومعابد خاصة بمكون تعرضت  إلى الإبادة مثل الأيزيدية أو تحفة طبيعية يراد المحافظة عليها من الاندثار ، والزوال كونها محمية طبيعية أو مواقع تراثية تتعلق بالتراث العالمي مدن أو مواقع مثل مدينة بابل أو مقبرة النجف .

فهكذا عندما يحوز الموقع أو الشيء اعترافا رسميا محلياأو دوليا يصبح محلالاهتمام ورعاية ويصبح موقعا يتصف بالأهمية والندرة . طبعا هذا الاعتراف يرتبط بقيمة المكان أو الموقع ومكانته في انتاج الذاكرة الجماعية التي تعمل على تعريفه على أنه تراث يخص جماعة ثقافية أو يتعلق بواقعة لها أثرها في الذاكرة الوطنية التي تريد المحافظة على جذورها التاريخية ؛ لكن على مستوى المنظمات الدولية المعنية بحماية الأماكن التراثية أو الآثار ، فأنها تعتمد على ضوابط وإجراءات خاصة تعمدها  في إدراج موقع ما على أنه تراث لسلسلة من الأحكام القيمة حول ما هو مهم ، وبالآتي يستحق الحفاظ عليه ، وما هو ليس كذلك. هناك علاقة جدلية بين تأثير إدراج شيء ما على أنه تراث وأهميته المدركة للمجتمع. وعلى أساسها يتم الاهتمام بنوع معين من الأماكن أو المدونات أو التراث الشفاهية  وبالاتي  يتم التأكيد على  ما يجب الحفاظ عليه من الماضي وما يجب التخلص منه: أي الذكريات التي يجب حفظها ، وأيها ننسى ؛ ما هي النصب التذكارية التي يجب الحفاظ عليها ، والتي يجب هدمها ؛ المباني التي سيتم حفظها ، والمباني التي تسمح بالبناء عليها. ممارسات التراث هي العادات والعادات التي ، على الرغم من أنها غير ملموسة ، تُعلم من نحن كمجموعات ، وتساعد على إنشاء ذاكرتنا الاجتماعية الجماعية. ومعنا هذا إن التراث ليس جزءا من الماضي فقط بل هو جزء أساسي من الحاضر المعاش وجزء من المستقبل كهوية وحضارة وخصوصية إنسانية كونية .

الاختلاف  بين التراث والممارسات التراثية :

اعتقد نحن نضع عنوان مهم من أجل توصيف مشكلة مهمة لها آثار سلبية مثلما علينا البحث عن آثار ايجابية لها ، فالتراث هو ، أو ينبغي أن يكون ، موضوع تفكير عام نشط ، ونقاش ، اجتماعي وثقافي له موضوع حساس جدا ونعيش اتتراث يوميا .

- كيف نمارس التعامل مع التراث ما هو مهم منه وما هو بحاجة إلى النقد والتصويب؟ وكيف يمكن أن نتعامل مع التراث؟

- هناك تفكير تراثي يمارس العيش داخل التراث ويحاول فرض مقولات التراث على الحاضر سياسيا وثقافيا إذ لا يمكن الخروج عليها أو نقدها ؛ لأنه يتعامل معها على أنها ميراث مقدس أو تجلي له لا يمكن التعامل معها ، إلا بوصفها خارقة تتجاوز الزمان وتحولاته ، وبالآتي يرفض أن يتم التعامل معها من ضمن مقولة التاريخانية .

هناك كثير من الأفكار الأصولية التي تريد استعادة الماضي كمكان ، وطقوس وأشكال عيش ، كما تظهر بالأفكار الأصولية الإحيائية .

هنا يأتي السؤال المهم  ، ما يستحق التوفير؟ ما الذي يمكننا أن ننساه؟ ما هي الذكريات التي يمكننا  أن نستمتع بها ، أو نأسف لها ، أو نتعلم منها؟ من يملك "الماضي" ومن يحق له التحدث للأجيال الماضية؟ تعد المناقشة العامة النشطة حول التراث المادي ، وغير المادي - للأفراد ، والمجموعات ، والمجتمعات ، والأمم - وجهًا قيمًا للحياة العامة في عالمنا متعدد الثقافات.

في دراسة التراث من الضروري مراعاة التمييز بين كائنات التراث ، وممارسات التراث هي النظر في وجهات النظر المختلفة التي يتم من خلالها إدراك التراث. لكل كائن من التراث هناك أيضا ممارسات التراث. ومع ذلك ، فإن المتخصص في  دراسة التراث سواء كان يعيش معاني التراث أو يدرسها وتمارس المحافظة عليها ، وهو مستقل عنها ، وعن زمنها ، ويقوم بمهمته كونه باحثا  في التراث سواء كانت مهمة كمدير موقع أو يقوم بالصيانة أو غيرها فهو يمارس وظيفة  على وفق تقنيات معاصرة وهو يتعامل مع موضوع بحثه كونه حاجات تراثية لها زمنها الخاص مستقلة عنه 

وهناك آخرون يتعاملون مع التراث بقدسية ، ويعيشون زمنه ولا ينفصلون عنه ، ويتخذون منه كحقيقة متعالية على الزمان والمكان وهي الحقيقة وغيرها وهم هؤلاء سجناء التراث ، هؤلاء أنواع : من هؤلاء صنف أصولي تراثي يحاولون استعادة الماضي من خلال الأماكن والأشياء تكون لديهم حالة تقديس للتراث المفرط .ونوع ثان يعيش الزمن المعاصر ، إلا انه يتمركز حول فكر إيديولوجي إحيائي من اجل تحقيق أهداف معاصر بغايات متنوعة لهذا تجده يضفي على التراث غايات سياسية إحيائية .وهناك صنف ثالث يعيش الحنين العاطفي للتراث ويسبغ عليه انفعالات حزينة ويرفض العيش في الزمن المعاصر لأنه شكل فكرة حالية عن الماضي حتى يجعل منه بديل عن الوقت الحاضر وما فيه من إخفاقات .

لكن المقاربة الموضوعية المعاصرة هي شبيه بالدراسات الجمالية في مجال الفن والنقد الجماليات إذ لا يوجد فن بدون المتفرج ،أو قاريقدم قراءة نقدية للعمل الفني حيث هناك نص حو العمل الفني وهناك قارئ وهناك منتج العمل هو الفنان هنا تكتمل عملية التلقي الجمالي  ، نفس الشيء هناك أشياء تراثية تحمل قيم ورموز بحاجة إلى دارس ناقد يمارس تقيم وصيانة الإعمال التراثية يكشف الجوانب الجمالية والثقافية  إذ نحتاج أيضًا إلى الانتباه إلى اختلاف "وجهات النظر" بين المتلقي المختلف في المنهج والرؤية وفي تنوع القراءات حول التراث بشكل موضوعي  كون التراث هو ما خلفه الأجداد لكي يكون عبرةً من الماضي ونهجاً يستقي منه الأبناء الدروس ليَعبُروا بها من الحاضر إلى المستقبل. فهو بمثابة الجذور في الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت الجذور كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان. ومن الناحية العلمية هو علم ثقافي قائم بذاته يختص بقطاع معين من الثقافة ويلقي الضوء عليها من زوايا تاريخية وجغرافية واجتماعية ونفسية، أيضا ليس تراث أي حضارة بالشيء العادي ، وإنما هي أصل وجود أي تجمع بشري، وهي ما يدل على وجوده بعد اندثاره. التراث يكون تعبير عن سمات الأمة وسجل للهوية التي تميزها وهي تتخذه ارشف لماضيها بشكل يسجل حضورها التاريخي ويعبر عن انوجادها ، وهويتها وخواصها الثقافية والحضاري التي تميزها عن غيرها فتتخذ منه الرموز واللايقونات التي تعبر عن هويتها .

من هنا نجد المحاولات المعاصرة  لدى كثير من الأمم تحاول تأسيس هويتها المعاصرة  بالعودة الى التراث اذ تستعمل  مواد التراث الشعبي ، والحياة الشعبية في إعادة بناء الحقب  التاريخية الغابرة للأمم ، والشعوب والتي لا يوجد لها إلا شواهد ضئيلة متفرقة ، وتستعمل  أيضا لإبراز الهوية الوطنية ، والقومية ، والكشف عن ملامحها. التراث والمأثورات التراثية بشكلها ، ومضمونها أصيلة ؛ إلا أن فروعها تتطور وتتوسع مع مرور الزمن وبنسب مختلفة وذلك بفعل التراكم الثقافي والحضاري وتبادل التأثر والتأثير مع الثقافات والحضارات الأخرى وعناصر التغيير والحراك في الظروف الذاتية والاجتماعية لكل مجتمع.

وهي عودة تحاول قراءة عناصر الهوية وتمايزها عن غيرها من خلال الحفر في الماضي وما خلفه من ارث ورموز تحاول استثمارها من أجل إعادة بناء سردية ثقافية ، وسياسية للهوية ؛ لأن ذلك يعد أصل الحضارة، فالحضارة التي لا تمتلك تراثًا، لا تاريخ لها، ولا مستقبل ،  إن العادات والتقاليد تعدّ جزءًا لا يتجزأ من التراث؛لكن التراث عنصر تاريخي يتنوع بتنوع تحولات الزمان وما فيه من عناصر متنوعة تركت تأثيرها في  التراث أو عناصر تعود إلى المكان وما فيه من عناصر خلقت آثارها في الموروثات التراثية.

وبالاتي لا حضارة  من دون تراث ؛ لأنها ستصبح  حضارة طفيلية ترتوي من تراث الآخر من  دون تراثها شأنها شأن  الطفيليات التي تتقوت مما تنتجه الأشجار الأخر فما أن تحبس عنها الأشجار قوتها حتى تندثر مهما بلغت طولا وعرضا. بل يجب أن تكون الحضارة أصيلة لا تبعية عندها، مستقلة تملك جذورها العميقة .

في الوقت الذي يعرف فيه التراث بوصفه تلك الأشياء ، والأماكن والممارسات التي يمكن حمايتها رسميًا باستخدام قوانين التراث والمواثيق. إما عن أنواعه  هي أنواع معينة  سواء كانت "ثقافية / اجتماعي " من صنع البشر وهي تشتمل على : المباني وتراث ثقافي رمزي من فنون وآداب وفكر وعقائد ، أو طبيعية (تلك التي لم يصنعها البشر): البلدات والمناظر الطبيعية أو محميات وكائنات نادرت ...الخ . في حين أن هذا يبدو وكأنه تمييز واضح إلى حد ما ، فإنه يطرح على الفور سلسلة من المشاكل في تمييز القيم "الاجتماعية" للعالم الطبيعي. إذ هناك تداخل بين الثقافي والطبيعي ففي  استراليا مثلا  هناك تقاليد شعبية يقوم بها السكان الأصليون الأستراليون الذين تشمل بلادهم التقليدية الشعب المرجانية والجزر ، يتم إنشاء العالم الطبيعي ، والحفاظ عليه من خلال الأنشطة ، والاحتفالات "الثقافية" التي تتضمن بعض جوانب الإجراءات غير الملموسة مثل الأغنية ، والرقص ، من الواضح أنه سيكون من الصعب للغاية وصف هذه القيم للمناظر الطبيعية للأستراليين الأصليين باستعمال  نظام يقسم التراث "الثقافي" و "الطبيعي" ويرى قيم المناظر الطبيعية على أنها بيئية في المقام الأول.

من دون  شك مثل هذا التداخل بين الثقافي ، والطبيعي يجعل من الصعب الفصل ، والتصنيف بين الاثنين أي التراث الثقافي والطبيعي ؛ لأن في الأمر كثيرا  من التداخل .

ثم أن هناك تراث رسمي معترف به من قبل السلطات المركزية أي تراث معترف به كونه تراثا  رسميا  يقابله تراث غير رسمي يمثل مكونات ثقافية يريد تصنيف نفسها بأنها مختلفة عن المركز وتسعى الى تميزها عبر تراث خاص بها هو بالنسبة الى المركز تراث غير معترف به فهو : تراث غير رمزي وهو تراث يعود إلى جماعات ثقافية  تنطلق من خصوصية ثقافية ، وطبيعية ، وهناك تراث شخصي يميز على أنه تراث غير رسمي ، على سبيل المثال ، كان كثير سيزورون  متحفًا وطنيًا في البلد الذي يعيشون فيه ؛  لكنهم يدركون أن القطع الأثرية الموجودة فيه لا تصف تمامًا ما سيفهمونه على أنه تاريخهم ، وتراثهم.

معنى هذا أن الناس فيهم تنوع وتباين في الهوية الثقافية ، والسياسية لكل منهم مرجعيات ثقافية وعرقية متمايزة تدعمها مطالب في التمايز الثقافي ، والسياسي وبالاتي يحاول بعضهم  تبيان قراءة مختلفة  إلى التراث تدعم مطالبهم بحقوق ثقافية ، وسياسية وهذا تدعمه سياسة التنوع في الهويات  بالمقابل هناك سياسة أخرى تقوم على دمج الهويات في هوية واحدة تمثل التراث الرسمي من أجل خلق تراث رسمي هي بالضرورة جزئية ، وانتقائية. هذه الفجوة بين ما يفهمه الأفراد على أنه تراثهم ، من ناحية أخرى ، التراث الرسمي الذي تروج له وتديره الدولة ، يقدم إمكانية "تراث" متعدد تم دمجه في تراث رسمي . وهذا يطرح تصور للتراث ، وما يتعلق به من أشياء وأماكن وممارسات لها أهميتها  في الحاضر مثلما لها أهمية في الماضي .

إما إذا ما بحثنا عن مرجعية وسطية يمكن  الرجوع إلى اليونسكو إذ في عام 2002م  خلال عام الأمم المتحدة للتراث الثقافي ، أصدرت اليونسكو قائمة "أنواع" التراث الثقافي (اليونسكو ، بدون تاريخ). هذه هي إحدى طرق تقسيم الأنواع العديدة ، وتصنيفها  من الأشياء والمكان والممارسة التي ينسب إليها الناس قيمة التراث. لا ينبغي عدها قائمة شاملة ، ولكنها تعطي إحساسًا بتنوع "الأشياء" التي يمكن اعتبارها تراثًا رسميًا.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة