لدى العودة إلى المكتشفات الأثرية في سوريا لا بد أن نجد علاقة وطيدة بين التراث الشعبي السوري والحضارة البشرية، ولا سيما أن سوريا كما قيل: تعوم على بحر من الآثار، وهذه المكتشفات الأثرية تثبت بما لا يدع مجالًا للشك، وبالدليل القاطع ما قدَّمهُ الإنسان السوري القديم، ومنذ أقدم العصور والحقب للحضارة الإنسانية، وفي مضامير شتى، كان للتراث الشعبي القسم الأكبر والأهم منها.
وقد كشف النقاب عنه بحثًا وتعريفًا وتوثيقًا الدكتور علي القيم رئيس تحرير مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، وأزاح الستار عن وجه هذه المكتشفات، مسلطًا الضوء عليها في كل عدد من أعداد هذه المجلة، وهذا لعمري عمل جليل، ولو كان من قبيل الذكرى للاطلاع والتنبيه لمن يجهل تاريخ هذه الأرض الطيبة المعطاء، وإنسانها العريق، وكل ما في ذاكرتها المشرقة في وجدان التاريخ من معالم وأوابد وكنوز أثرية خالدة.
لقد جعل الدكتور علي القيم من صفحة غلاف مجلة المعرفة الرئيس الداخلي الملون أفضل معرض لعرض هذه الكنوز التراثية الأثرية، فإذا به يجعلنا نسافر معه في رحلة إلى الماضي بواسطة صفحات مجهولة من كنوز أثرية تلمع ببريقها، وتغنى بقيمتها حين تنقل إلينا صور الحياة وأشكالها، وروعة ماضيها الذي ما هو إلا امتداد للحاضر والمستقبل.
وقد اخترنا بعض هذه الكنوز، وهي غيض من فيض، فتعال معي أخي القارئ لنبدأ الرحلة، ونتعرف أولًا إلى عجينة الزجاج الفينيقية، هذه العجينة التي أوردها كتاب التاريخ القديم في رواية طريفة؛ إذ يوردون شهادة المؤرخ اليوناني بلليني التي يقول ملخصها: في هذا القسم من سوريا المسمى فينيقية يروى أن تجار قطرون نزلوا إلى الشاطئ وتهيئوا لطهي طعامهم، فلم يجدوا حجارة لتحمل قدورهم، فتهافتوا إلى كل جانب سعيًا وراء الحجارة.. عبثًا.. عندها جيء من السفينة بقوالب القطرون، فكان لهم موقد مبتكر، وما إن اشتعلت النار، وصهر الملح بمفعول الحرارة الشديدة، واختلط بالرمل، حتى جرت جداول من سائل شفاف غير معروف حينذاك، فكان بدء صناعة الزجاج.
إن عجينة الزجاج الفينيقية كانت اختراعًا سوريًا بامتياز، ومنها ابتدأت وتطورت صناعة الأواني الزجاجية الخاصة بأدوات الاستخدام المنزلي، والزينة واللآلئ والتعويذات والتماثيل الصغيرة المصنوعة من الزجاج الكثيف ذي اللون الواحد أو المتعدد الألوان، ومن سوريا انتشرت تجارة إنتاجها إلى كل مكان في العالم القديم، وسرعان ما تبعها طريقة نفخ الزجاج التي ساعدت كثيرًا في تطور تقنية هذه الصناعة الرائعة، واستعمال صناعة المينا القابلة للتزجيج.
ويخبرنا الجغرافي سيلاكس أن التجار الفينيقيين كانوا يصدرون أشياء مصنوعة من عجينة الزجاج كاللآلئ وحبات القلائد إلى أبعد من أعمدة هرقل، ويخبرنا مؤرخو اليونان أن الزجاج الذي صنعه الفينيقيون كان أصفى وأنقى من الذي كان يصنع في مصر؛ لذلك كان مفضلًا جدًا على غيره، ولم تقتصر صناعتهم على الأواني والقوارير، بل تعدوها إلى صنع جواهر خادعة من العجينة الزجاجية الملونة، تقلد الحجارة الكريمة حتى الالتباس(1).
وينتقل الكاتب إلى محطة أخرى بعد صناعة الزجاج، فيتوقف ليعرفنا بالأزياء التدمرية، ومكتشفات الآثار في تدمر عروس الصحراء، وبما له علاقة بالمنسوجات الحريرية والصوفية والكتانية، فإذا تدمر تقدم لنا مجموعة رائعة من بقايا المنسوجات الحريرية والصوفية والكتانية التي يعود تاريخها إلى القرنين الأول والثاني قبل الميلاد، وتدل على التطور الذي بلغته، وطريقة صناعتها المتطورة، وذلك بدراسة المنحوتات الكثيرة التي عثر عليها في هذه المدينة العظيمة التي استطاع علماء الآثار بواسطتها أخذ فكرة كاملة عن الزي الذي كان يرتديه التدمري، وكذلك التعريف بالمركز الاجتماعي لكل فرد.
ومن هذه الأزياء أزياء الكهان، وهذه الطبقة تعرف بالشكل المميز للقلنسوة التي يعتمرها الكاهن، وهي ذات شكل أسطواني، ويتضمن لباس الكاهن من تنورة ذات أكمام متنوعة الطول، وكان يعلوها عباءة مكونة من قطعة واحدة من القماش على نمط الشملة اليونانية التي تغطي الظهر والكتفين، ويظهر الكاهن أحيانًا حافيًا وفقًا لعادة محلية أو يونانية، وأحيانًا كان ينتعل حذاء منقوشًا بنقوش شرقية.
أما زي الجمالة فكان يتألف من تنورة ذات أكمام طويلة وقماش مطوي على الخصر لحماية الورك والأفخاذ، وعباءة فوق الكتفين، وأزياء أخرى المحاربين الذين يحملون التروس إلى جانب أسلحتهم الأخرى، وشكل الدرع يدل على نوع الطبقة الاجتماعية التي يعود إليها، وتوجد أزياء عامة الناس، ومنهم التجار الفئة الغالبة في المجتمع التدمري، وأكثر الأزياء شعبية لمواطني تدمر هي التنورة والعباءة، ولم تتبدل سوى التزيينات والنقوش إضافة لظهور السروال فيما بعد الذي كان يلبس وفقا ً لطول التنورة، وظهرت في القرن الثالث الميلادي تنورة لها مئزر.
وتتميز أزياء النساء بالغنى والتنوع، فمنها القميص الطويل بأكمام وزنار، أو من دون زنار، وغالبًا ما تتزين المرأة بعقود حول الرقبة، والأقراط الجميلة، ورأي الكاتب أن هذه التماثيل التدمرية تبرز مدى اهتمام المرأة بمظهرها، وتصفيف شعرها بطرق مختلفة، وكيف تنتعل الصنادل الجميلة(2).
ومن الصناعات التي عرفت في سوريا منذ عصور ما قبل الإسلام في حضارات ممالك المدن والعهود اللاحقة صناعة السبح التي كانت وظيفتها تختلف عن وظيفتها في الوقت الحاضر، وقد استخدمت في صناعتها مواد حجرية وزجاجية وخشبية ومعدنية وصدفية وعظمية، وكانت دمشق وحلب من الأماكن الشهيرة لصناعتها وتصديرها إلى مدن العالم الإسلامي المتعددة، وكانت وما زالت تستخدم في الإسلام لذكر أسماء الله الحسنى (المسبحة ذات المئة حبة)، وكان للمسبحات من تخصص بصناعتها في دمشق ولها شيخها، وقد تفننوا في صنع أنواع مختلفة منها بأشكال وزخارف وأحجام ومواد خام متنوعة، وقد شملت (اليسر) والخشب والبلاستيك والذهب والفضة.
تتألف السبح من الحبات والإمام والفواصل، فالإمام القطعة الطويلة التي تجمع بين طرفي عقد انتظام السبحة، أما الفواصل فهي دائرية الشكل مسطحة بين عدد معين من الحبات، وكانت المسبحات الكبيرة تتكون من تسع وتسعين أو مئة حبة، وحباتها صغيرة أو متوسطة الحجم، أما المسبحات الصغيرة التي تسمى بالثلث فتتكون من ثلاث وثلاثين حبة حباتها كبيرة نوعًا ما، ولها إمام وفاصلتان، وتمر صناعة السبح بمراحل كثيرة حتى تصل مرحلتها النهائية، فالسبحة التي تصنع من الخشب تنقع في الماء بعد تسوية أخشابها ثم يقطع خشبها إلى قطع صغيرة، وبعد ذلك يتم خرط القطع حسب الأشكال والأحجام المطلوبة لمكونات السبحة، ثم تكون الزخرفة وتطعيمها بالفضة أو المعادن المختلفة(3).
ومن الاكتشافات المذهلة التي يعرفنا عليها الباحث الدكتور علي القيم تلك الكأس النادرة التي اكتشفت في حلب، والموجودة في المتحف البريطاني الشهير، فتعد من أروع القطع المعروضة فيه في جناح الزجاج، وخصصت لها خزانة عرض خاصة، وهي كأس كبيرة جاءت من حلب وأطلق عليها اسم: (حظ إيدينهال).
وقال عنها العلماء إنها واحدة من أشهر القطع الزجاجية في العالم، وهي كأس كبيرة مرسومة بالمينا الحمراء والزرقاء والخضراء والبيضاء المشرقة، والمذهبة أيضًا، ويعتقد أنها صنعت في حلب في القرن الثالث عشر الميلادي، وقد أحضرت من هذه المدينة العريقة الخالدة من قبل أحد المشاركين في الحملات الصليبية، وقد وصلت هذه الكأس إلى حوزة آل (موسفريف) في (إيدينهال) بمنطقة كامبرلاند في شمال إنجلترا، وأطلق عليها اسم (حظ) لاعتقاد أصحابها آنذاك بأنها إذا انكسرت سيقع شر كبير على الجميع، وقد أشير إلى ذلك في قصائد ومقالات كثيرة(4).
وما نقرأه في أحد المكتشفات الأثرية نص البيت التالي:
من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
فكان للخط العربي ونقوشه الأثرية نصيب كبير في الاكتشفات التي تمت، فندرك حقيقة أن الفضل يعود في تطور الخط العربي وانتشاره في شتى أرجاء الوطن العربي، والعالم الإسلامي إلى القرآن الكريم، فكان المسلمون يحفظونه عن ظهر قلب، ويكتبونه على المواد الكتابية المتوافرة في عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وامتدادًا إلى عصر الخلفاء الراشدين، وقد تطور الخط العربي بعد ذلك في عصر الخلافة الأموية والعباسية، فاشتهر فن الكتابة والتدوين في الكوفة ودمشق والبصرة وبغداد ومصر والقيروان والأندلس وغيرها، وأصبح الحرف العربي عنوانًا وعنصرًا مهمًا في الفنون والعمارة العربية والإسلامية، وفي كثير من الصناعات المعدنية والخشبية والنسيج وغيرها.
لقد وثق علماء الآثار والنقوش القديمة في كثير من الدول العربية والإسلامية الآلاف من النقوش العربية المكتشفة في شتى أرجاء العالم القديم، وجاءت النتائج لتؤكد تطور هذا الخط، وتعدد فنونه وأشكاله منذ الحروف الخالية من النقط إلى مرحلة التنقيط، وتطور أشكاله وخطوطه مثل (الكوفي - النسخي - الديواني - الفارسي ...)، وتتميز النقوش المكتشفة بمضامينها ومعانيها التي تجمع بين الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأدعية والأقوال المأثورة، والأبيات الشعرية، فكوَّن مجموعها مصدرًا لدراسة تطور فنون الخط العربي وزخارفه، وتأثيره في فنون بناء المساجد والقصور والعمارة باختلاف وظائفها وجمالياتها.(5).
ومن المتاحف التي تميزت بمحتوياتها الأثرية النفيسة الفريدة متحف الفن الإسلامي في برلين الذي يدهش بروة الزخرفة المعمارية والفنون والأعمال الحرفية الرائعة والجواهر والمخطوطات النادرة، والقطع والأدوات االفخارية والمعدنية الجميلة التي جمعت من مصر وسوريا وإيران والعراق وتركيا وباكستان والمغرب العربي وغيرها، وهذا المتحف يعد أكبر مؤسسة فريدة من نوعها في ألمانيا، ويوجد فيه محرابا صلاة رائعا الجمال من القرن الثالث عشر الميلادي، أحدهما من كاشان في إيران والآخر من قونية في تركيا، وأيضًا غرفة استقبال لعائلة غنية من مدينة حلب السورية ملبسة بألواح خشبية مزخرفة برسوم دقيقة، وتنبع أهمية هذه القطعة الفنية من كونها أقدم نموذج من هذه النماذج، ويوجد في المتحف مقتنيات مميزة من السجاد الشرقي النادر في العالم.
ومن الجدير بالذكر أن متحف برلين الإسلامي في جزيرة المتاحف سجل في عداد الممتلكات الثقافية والتراثية العالمية لدى المنظمة العالمية للتراث والثقافة والعلوم (اليونسو)(6).
وفي البناء التصويري لأحد المباني في تل البديري الذي يقع على الضفة الشرقية لنهر الخابور على بعد / 25 / كم تقريبًا جنوب مدينة الحسكة ما يدل على وجود مجموعة كبيرة من الأدوات المنزلية مثل الأواني والطاسات والجرار المختلفة الأشكال والأحجام إضافة إلى الغنى والتنوع بالأثاث المنزلي، وبقايا حبوب القمح والشعير، بالقرب من الرحى الحجرية والمدقات، وموقد الطبخ وعظام الحيوانات، ما يعطينا فكرة واضحة عن غرف النوم والمعيشة، وأسلوب الحياة التي كان يمارسها الإنسان في هذا البناء المؤلف من طابق واحد، ويقع في الجهة الشمالية من هذه المنشأة المدنية الحضارية السورية في الألف الثالث قبل الميلاد، ومع بداية عصر البرونز المبكر(7).
وإذا ما انتقلنا إلى الأعياد الدينية والشعبية لوجدنا يوم الطيب، وهو من أهم الأعياد الدينية والشعبية التي كانت تقام في مدينة تدمر ابتداء من اليوم الأول من شهر نيسان وانتهاء في السادس منه، وتشير المعلومات المتوافرة عن مراسم الاحتفال باليوم الطيب، مثلها أوردها الباحث الآثاري الخبير الأستاذ خالد الأسعد في أبحاثه المهمة عن تدمر وتاريخها وحضارتها بأن الناس بفئاتهم المختلفة كان يكتمل اجتماعهم بعشرات الآلاف في السادس من نيسان في باحة معبد بل، وتحت أروقته (شيوخًا ونساء وشبابًا وأطفالًا) وقد لبسوا أفخر الثياب، وتطيبوا بأجود أنواع الطيوب، وأوقدوا المباخر التي تملأ الفضاء الرحب، ويملأ الحوض المقدس بالمياه لتطهير الكهنة وهم يرتدون ملابسهم البيضاء المطرزة بالأحجار الكريمة، ويعتمرون القبعات الأسطوانية الشكل كالطربوش، وفي وسطها أكاليل من الورود حسب مرتبتهم الدينية، ويبدو المشهد صاخبًا عندما يخرجون حاملين تمثال الإله بل محمولًا على سرير من الذهب، وحوله حاملو أباريق الزيت والعطور، والمرتلين والعازفين على الآلات الموسيقية.. وثم يبدأ الطواف حول الحرم مهللين وراء المحمل أشواط عدة، والطواف لم يعرف قديمًا إلا في الديانات العربية قبل الإسلام، ثم يتجه الناس نحو زاوية معبد بل الشمالية والغربية لتقديم الأضاحي كفارة لذنوب مقدمها، وتوزع اللحوم على الفقراء والمحتاجين في جو احتفالي رائع وألعاب للأطفال، تترافق مع أهازيج معبرة عن الفرح والسرور بهذا اليوم الخالد(8).
كذلك يعرفنا الباحث الكاتب الدكتور القيِّم إلى الشعائر الدينية التي كانت تقام في الأماكن العليا على قمم الجبال، حيث كانت تنصب المذابح من الحجر لتقدمة الذبائح فتصبح الغابة المحيطة بهذا المكان غابة مقدسة.
ومن أفضل الأمثلة معبد عمريت جنوب طرطوس الذي ليس سوى هيكل مصغر، وقد وجد فيه مذبح مصغر من الحجر احتوى تمثال الآلهة، ويتألف من بلاطات قائمة على ثلاث من جهاته، وبقيت جهة واحدة مفتوحة، وقد فصلت القاعدة الصخرية عن الجبل بوساطة المطارق الحادة، وتقوم أبنية حول الباحة، حيث ينتصب هذا المعبد، وكان هناك رواق يحد هذا المكان الخاص، وهذا المعبد هو كل ما تبقى من الهياكل الفينيقية المهمة، وقد درسه (أرنست رينان) دراسة مستفيضة، ويوجد في عمريت صرح مأتمي يدعى (برج البزَّاق) يقوم فوق الأرض كبيت عادي شيد بملاط وحجارة منتظمة، طول واحدها /5/ أمتار، وينتهي القبر بسقف هرمي ارتفاعه /16/ مترًا، وقد جهزت كوى توابيت البرج بشكل جيد، وتنفصل عن بعضها بحواجز حجرية منحوتة.
أما الهندسة المدنية في عمريت، فقد مثلها بيت من حجر يعده (أرنست رينان) فريدًا من نوعه، وطول ضلعه /30/ مترًا، وارتفاعه /6/ أمتار، وفي داخله ثلاث غرف تفصلها حواجز مجهزة نحتت من الصخر(9).
ولا شك أن الوقوف أمام مدينة قنوات يعد محطة مهمة لمعرفة آثارها التراثية والعمرانية، فلا يتجاهل الكاتب هذه المدينة التي تبعد نحو سبعة كيلو مترات عن مدينة السويداء، وترتفع نحو /1200/ متر عن سطح البحر التي لا يتوافر معلومات عن تاريخها القديم باستثناء وثائق تؤكد تغلب سكانها العرب على جيش بغث به الملك (هيرودوث أغريبا) وطاردوا فلوله في كل مكان، بيد أن قنوات أصبح لها شأن كبير في أيام الامبراطور الروماني (تراجان - 98 – 117م) الذي أسس الولاية العربية في بلاد الشام.
وبفضل التنقيبات وعمليات الترميم الأثري تعرفنا على الأجزاء السفلية من سورها، وعلى بعض الأعمدة الكورنثية، وبقايا المعبد المحاط بالأروقة الظليلة، هذا المعبد الذي كان مخصصًا لعبادة (هيليوس) إله الشمس، ومعبد الإله (رفس)، ومجموعة من المباني التي يطلق عليها السكان اسم (السراي)، وتتألف من معبد يعود إلى القرن الثاني الميلادي وبجواره يوجد بقايا (بازيليكا) رائعة، ومن بقايا مدينة قنوات مسرح صغير لإقامة الاحتفالات وأمسيات الموسيقا والغناء(10).
بقي أن نضيء قبل الختام بعض ما أضاءه لنا الكاتب في كلمة العدد من مقررات اجتماعات اليونسكو التي كان له شرف تمثيل سوريا فيها التي انعقدت في باريس بين 25 تشرين الأول و10 تشرين الثاني 2011 م، وكان من جملة ما تم بحثه القضايا التراثية التي قال السيد رئيس التحرير الدكتور علي القيم فيها:
القضايا التراثية والمتخفية والآثار وحماية التراث العالمي والثقافي والطبيعي كانت حاضرة بقوة في اجتماعات اللجنة الثقافية لدى مؤتمر اليونسكو، وقد تم تزويد المؤتمر بما قامت به لجنة التراث العالمي من أنشطة وقرارات وفعاليات تهدف إلى زيادة الوعي بالتراث العالمي وضرورة دعمه، وقد بلغ عدد الدول الأطراف في اتفاقية التراث 187 دولة حتى أيار 2011 م، وبلغ مجموع عدد الممتلكات المدرجة في قائمة التراث العالمي حتى تموز 2011 م/ 936 ممتلكًا منها /725/ ممتلكًا ثقافيًا و183 ممتلكًا طبيعيًا و28 ممتلكًا مختلطًا، وتقع هذه الممتلكات في 153 دولة.
وقدمت في اللجنة الرابعة (لجنة الثقافة) وثائق ومقترحات مهمة لصون المناظر الحضرية التاريخية التي تعد من بين أكثر مظاهر تراثنا الثقافي المشترك غزارة وتنوعًا، ذلك التراث الذي أبدعته الأجيال، ويمثل شاهدًا أساسيًا على مساعي البشرية ومطامحها عبر الزمان والمكان، ويعد أن التراث الحضري أحد العناصر الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الثمينة للبشرية، وقد رسمت معالمه طبقات تاريخية من القيم التي أنتجتها الثقافات المتعاقبة، وتراكم التقاليد والتجارب المعترف بها كما هي في تنوعها.
لقد نوهت المناقشات كما قال الباحث القيم: والتي جرت في جلسات العمل إلى الطبيعة الديناميكية لهذه المدن الحية، ويلاحظ أن النمو السريع وغير المراقب في أكثر الأحيان يغيِّر المناطق الحضرية ومحيطها، وهذا ما قد يبب تفتت التراث الحضري وتدهوره، مع ما يترتب على ذلك من آثار عميقة على قيم المجتمع المحلي عبر أنحاء العالم كافة.
ومن المساعدة على حماية التراث الطبيعي والثقافي يتعين التشديد على استراتيجيات صون وإدارة وتخطيط المناظر الحضرية التاريخية في عمليات التنمية المحلية، والتخطيط الحضري مثل: الهندسة المعمارية المعاصرة، وتطوير البنى الأساسية التي يساعد فيها تطبيق نهج مراعاة المناظر الحضرية على الحفاظ على هويتها.
بيد أن توسع المراكز الحضرية توسعًا سريعًا ومن دون رقابة، كثيرًا ما يسفر عن التفتت الاجتماعي والعمراني، وعن تدهور شديد في البيئة الحضرية، والمناطق الريفية المحيطة بها، بسبب الكثافة المفرطة في البناء والمباني النمطية، وضياع المساحات، والسمات المميزة العامة، وتزايد خطر الكوارث المرتبطة بالمناخ؛ لذلك فإن الصون أصبح استراتيجية تعتمد لتحقيق التوازن بين النمو الحضري، ونوعية الحياة بصورة مستمرة.
لذلك وعلى امتداد نصف القرن الماضي برز صون التراث الحضري كقطاع مهم من قطاعات السياسة العامة في جميع أنحاء العالم، ويمثل استجابة للحاجة إلى الحفاظ على القيم المشتركة، والاستفادة من تراث التاريخ.
ثم يوضح لنا الكاتب بأنه تم إقرار تعزيز إعادة الممتلكات الثقافية إلى بلادها الأصلية، أو ردها في حالة الاستيلاء غير المشروع، والعمل على توعية الدول الأعضاء والجمهور العام بأهمية حماية التراث والمشاركة في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، ومن أجل ذلك تم إنشاء قاعدة بيانات بالممارسات الناجحة التي قامت بها بعض الدول في مجال إعادة الممتلكات الثقافية، وقد حظيت هذه الفكرة بتأييد كبير من الدول الأعضاء في اليونسكو(11).
هذه هي رحلتنا التي آن لها أن ترسو سفينتها على الشاطئ بعد أن أحيا لنا معالمها التاريخية من جديد الباحث الدكتور علي القيم، وأعاد لنا وهج الماضي وألقه، وأثار فينا الدهشة والإعجاب، فوقفنا معه في كل محطة وقفة عز وافتخار، وشموخ وكبرياء أمام تاريخنا الحضاري الحافل بمعطيات الإنسان الرائد منذ أقدم العصور، وفي جميع مجالات الحياة.
المصادر والمراجع:
1 - مجلة المعرفة – العدد 612 – السنة 53 – ذو القعدة 1435 هجرية – أيلول 2014 م.
2 - مجلة المعرفة - العدد 616 – السنة 53 – ربيع الأول 1436 هجرية – كانون الثاني 2015م.
3 - مجلة المعرفة - العدد 570 – السنة 50 – ربيع الأول 1432هجرية – آذار 2011 م.
4 - مجلة المعرفة – العدد 610 – السنة 52 – ذو القعدة 1434 هجرية – تشرين الأول 2013م.
5 - مجلة المعرفة – العدد 597 – السنة 52 - رجب 1434 هجرية – حزيران 2013 م.
6 - مجلة المعرفة – العدد 602 – السنة 52 – ذو الحجة 1434 هجرية – تشرين الثاني 2013 م.
7 - مجلة المعرفة – العدد 615 – السنة 53 – صفر 1436 هجرية – كانون الأول 2014 م.
8 - مجلة المعرفة – العدد 583 – السنة 51 – جمادى الأولى هجرية – نيسان 2012 م.
9 - مجلة المعرفة – العدد 613 – السنة 53 – ذو الحجة 1435 هجرية – تشرين الأول 2014 م.
10 - مجلة المعرفة – العدد 504 – السنة 44- رجب 1426 هجرية – أيلول 2005 م.
11 - مجلة المعرفة – العدد 580 – السنة 50- صفر 1433هجرية – كانون الثاني 2012 م.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.