كانت الحضارة اليونانية ثمرة للحضارتين المصرية وبلاد النهرين.
وإذا كانت حضارتا مصر وبلاد الرافدين لاقت اهتمامًا في التدوين التاريخي لصلتهما ببلاد اليونان، فإن الحضارة العربية التي كشف النقاب عن بعض منها.. لها دورها في تاريخ تطور الإنسانية.
اقرأ أيضًا: تلخيص كتاب تاريخ الحضارة الإسلامية العربية
فالجزيرة العربية كانت تحتوي على مدن عريقة لها دورها في الكشف عن تاريخ بعض منها، وتحدد أنه في الألف الثالث قبل الميلاد، مثل مكة والمدينة والطائف، وكذا الحضارات القديمة التي قامت على بلاد اليمن.
وإذا كان الشعر هو أول ما عرفه الإنسان من الأدب، وإذا كانت الأساطير والتمجيد من سمات هذا الشعر، فإن العرب ظلوا يحتفظون بهذا الشأن حتى مدخل الإسلام.
وحينما ندرس تطور التاريخ وتدوينه في الحضارات القديمة، نستطيع أن نقسمه إلى قسمين:
الأول: القسم الشرقي
القسم الثاني: القسم الغربي، ويشمل اليوناني ثم الروماني من بعده.
أولًا: القسم الشرقي من تطور التاريخ وتدوينه
أقدم الحضارات هي حضارة مصر، وسومر، وبابل، والصين. ولقد وصلت لنا المعلومات بسبب ما نقشوه على الحجر والطين.
ولم يحلموا قط بوضع أسمائهم إلى جانب أسماء ساداتهم الملوك، لكن هذه التدوينات حفظت للأجيال اللاحقة أسماء ملوك، ولولاها لأسدل على هؤلاء الملوك ستار النسيان، مثل مينا وتحتمس من ملوك مصر، وسرجون ملك سومر، وأشوربانيبال ملك آشور.
وثمة اعتبار وهو أن معظمها محفور على الحجر، أو منقوش على الصلصال المحروق ليصبح في صلابة الحجر، وكثير منها مدفون تحت الأرض.
وهذه المدونات لم تسجل خارج حدود بلادها وعالمها، ما جعل فك رموزها عملًا شاقًّا.
وكتابات وادي النيل تختلف عن الرافدين، فالأولى على جدران المعابد وعلى الصخور باللغة الهيروغليفية، أما الثانية فعلى ألواح الصلصال المحروق وكُتبت بالخط المسماري.
أما شعوب الشرق الأقصى مثل الصينيين، والهنود، واليابانيين فإن مجموع السجلات التذكارية لا تعدو أن تكون سلسلة من النظرات الغامضة.
ويجمع العلماء على أن أول من كتب تاريخها عامة هو "هيرودوتس"، أو الهاليكارناسوسي (485-425 ق.م)، وأطلق عليه "أبو التاريخ" ولم يكتفِ بتدوين الأحداث، بل سجَّل الأساطير، والعادات والتقاليد والآراء والتخمينات.
الحديث عن التدوين التاريخي في الشرق
أ- مصر وبلاد الرافدين
المصريون أول من سجَّل الأخبار على الجدران، وهم أول من أشار لاستخدام أختام الأحداث التاريخية في التطور الإنساني، وهو التقويم الشمسي. وكتاباتهم موجودة في مقابر الملوك والقصور والمعابد، وتسجيل لبعض الرحلات والمغامرات المصرية القديمة مثل رحلة حتشبسوت إلى بلاد بونت، وكتابات تحتمس الثالث وغيرها.
وظهر في القرن الثالث قبل الميلاد أثر هذا التدوين التاريخي. ففي عصر بطليموس الثاني –أحد ملوك بطالمة مصر، وورثة الإسكندر في حكمها– قام كاهن مصري (مانيتو)، بعبء جمع وتسجيل حوليات عن تاريخ مصر. وكان في متناوله بعض المصادر الأصلية التاريخية الرئيسة، وعرف عنه إجادة البحث وتحري الموضوعية في جمع المادة التاريخية وتفسيرها.
وكتب مانيتون كتابه باللغة الإغريقية، وأهداه لبطليموس الثاني، واقتبس منه الكُتَّاب فيما بعد ما يهمهم في دراساتهم.
والسومريون لم ينتجوا تاريخها أو طرائق للتدوين التاريخي، وإنما يرى الكاتب السومري الأحداث التاريخية وكأنها وقعت وهي جاهزة الصنع.
إن أرباب الأدب السومري والكتبة السومريين، طوَّروا عددًا من أبواب الأدب كالأساطير وقصص الملاحم والتراتيل الدينية والمراثي وغيرها، واستعملوا المادة التاريخية في حدود ضيقة.
إن جميع المؤرخين الأقدمين يعيشون في مدينة "لجش" وهي تقع جنوب بلاد سومر، واشتهرت بأنها أدت دورًا سياسي وعسكري بارز طوال قرن من الزمان 2500 ق.م. وأسسها "أور- نانشر" وظلت حتى "أوكاجينا" ثم استولى عليها سرجون الأكدي صاحب "آكد".
ومعظم كتابات بلاد ما بين النهرين سواء في سجلات ملوكها أو تدوينها دارت حول حادثين لضبط التواريخ وهما: حدوث كسوف الشمس في عهد الملك الآشوري (أشور دان الثالث) (772 – 755 ق.م)، وأهمية هذا الحادث عندما حسب فلكيًا تحدد له 15 حزيران 763 ق.م.
أما الحدث الثاني وهو نص "أنتيمنا".
وأول من كتب في تاريخ بلاد النهرين ما يعرف بالتدوين التاريخي، الكاهن البابلي (بيرسوس)، وفي لغة بابل (برخوشا)، كتب في القرن الثالث ق.م، وكتبه في عهد الملك السلوقي (أنطيوخس الأول –324- 262 ق. م).
ب- الصين والهند
أبعد المؤرخين شهرة المؤرخ سيزاماتيان (ولد في 145 ق.م). كتب الوثائق التاريخية تشمل كل ما لديه أهمية في الحوليات الصينية منذ عهد هوانغ تي (2332 ق.م) والعصر الذي يليه.
وأول من حكم أرض الصين هو فوني الذي كسب شهرته الخالدة باختراع ستة أنواع من الحروف الكتابية، بوضع نظام الأوقات، وبإيجاد ثمانية رموز هي أصل كتاب التطور، ويخص الفلك وتقلب الدهور، وخلفه من علمهم الصيد والقنص.
وهوانغ تي هو الذي ينسب إليه صنع السفينة، واختراع البوصلة، وينسب إلى زوجته علم تربية ديدان القز وصناعة الحرير والغزل.
وفي عهد الإمبراطور ياو (2085-2004 ق.م) ظهر حكيم الصين الأكبر كونفوشيوس يدون الكتابات التاريخية وتلاه الأمير شونغ الذي أنقذ الشعب من الطوفان.
وأسوأ مدة على ثقافة الصين هي مدة جنشي وانتي، الذي خاف على حكمه وسطرته من الكتب التي كان يحفظها السياسيون في خزانة بيوتهم.
اقرأ أيضًا: أثر قوانين بلاد الرافدين على الجانبين الاقتصادي والاجتماعي
ثانيًا: القسم الغربي (اليونان والرومان) من تطور التاريخ وتدوينه
التدوين التاريخي عند اليونان بدأ متأخرًا، وواجه مشكلة اختراع فن الكتابة، والزمن الذي بدأ استخدامها فيه، ولم يمارس إلا قليلًا حتى القرن السادس ق.م.
وتعرضت الكتابات الأولى لمصير الكتابات الأولى نفسه في البلاد الأخرى، وهو الفقد والضياع والتلف، ولا يجد العلماء تاريخًا مسلسلًا لبلاد اليونان قبل هيرودوت الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.
ويعد القرن الخامس قبل الميلاد عصر ظهور ثلاثة أسماء لامعة في الحضارة والتاريخ وهم:
هيرودوت (485-425 ق.م) وتوكيديدس (460-399 ق.م) وهيلانيكوس دوميثيلين من لسبوس (479-395 ق.م). وقد عاصروا ما يطلق عليه المعجزة الإغريقية في تاريخ اليونان "بريكليس" (495-429 ق.م).
وكان من الطبيعي أن يتأثر علم التاريخ الإغريقي، بنتاج عمل التاريخ القديم الذي قامت به الحضارات القديمة الأخرى التي احتك بها العالم الثقافي اليوناني.
وأول من كتب قطعة رائعة من النثر الأدبي المحكم الأسلوب في التاريخ هو هيرودوت وتناول فيه العلاقات بين اليونان وآسيا الصغرى من عهد كروشيوش (كروسوس) ملك ليبيا (560-546 ق.م) إلى هزيم الفرس 478 ق.م.
وهناك من تناول أمر هيرودوت وكتابه في العصر الحديث، ويرى أنه إذا ما قبلنا التعريف لمعنى فلسفة التاريخ "أنها مجموعة الآراء والأفكار التي تتأمل في تاريخ الإنسان كله".
والأحداث الأخيرة التي حدثت في عهده، قضت من بعده على عصر السذاجة في كتابة التاريخ، وأصبح مستحيلًا على كتاب التاريخ أن يكتبوه على النسق الذي كتبه.
ظهرت البحوث ذات الموضوعات الخاصة التي كتبها توكيديديس، والأجيال من بعده.
وتوكيديديس بن أورلوس، أثيني الأصل، كان من أهل الثراء، وهذا ما ساعده على التفرغ للكتابة.
كان ينظر إلى التاريخ من الناحية السياسية، ولكنه مثل الفيلسوف في ربطه بين المشكلات التاريخية والأسباب السياسية المباشرة والبعيدة.
أما التدوين التاريخي في عصر الرومان، فيجمع المفكرون أن المعرفة التاريخية عند مؤرخيهم كانت محدودة.
وعالج المؤرخون موضوعاتهم متأثرين بالمنهج اليوناني، وكانت معظم الكتب التاريخية باللغة اليونانية مثل حوليات فابيوس بكتور. وكان أول كتاب أُشير فيه إلى أسطورة أصل روما الطروادي حوليات الشاعر إينياس (ت 169 ق.م).
وصنف بوليبيوس كتبًا متعددة، ولكنه خلَّد بواحد منها كتبه في المدة ما بين 168 ق.م إلى 140 ق.م، وهو كتاب في التاريخ العام يصف فيه الغزو الروماني للعالم.
ويُعد بوليبيوس اليوناني، وثوكيديديس من قبله، وتاكيتوس من بعده من رواد كتابة التاريخ على نحو فلسفي.
وصنف ديودور الصقلي كتابًا في تاريخ اليونان، جمعه من مقتطفات تاريخية وسماه "المكتبة التاريخية".
وكان آخر المؤرخين الرومان الكبار بوبليوس كورنيليوس تاكيتوس (55-120 م) وكان من رجال الأعمال، وكان رجل أخلاق أكثر منه مؤرخًا علميًّا. وأشهر كتبه الحوليات التي تناول فيها المدة منذ وفاة القيصر أغسطس إلى سنة 69م.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.