التداعي الحر

يعتبر سيغموند فرويد من أهم العلماء الذين قاموا بتطوير فكرة أو أداة التداعي الحر كطريقة لاستكشاف اللاواعي، فالعقل البشريّ مصمم لتجنب الألم بقوة، فهو يخلق آليات دفاعية خادعة تدفع للاعتقاد بأننا لا نعاني، لذلك طور فرويد هذه الآلية للوصول إلى الذكريات المؤلمة التي تحتاج إلى الشفاء.

من خلال مراقبة ثلاث معانٍ أو تطبيقات، أولًا: التحويل ويقصد به نقل المشاعر عن غير قصد حول شخص ما ليتم تطبيقها على شخص آخر، ثانيًا: الإسقاط: ويقصد به إظهار المشاعر أو الدوافع الداخلية منسوبة إلى أشياء أو أشخاص آخرين، وأخيرًا المقاومة: ويقصد بها تجميد عقلي ضد تذكر أو قبول بعض الأحداث أو الأفكار. 

اقرأ أيضاً أنواع وفروع ونظريات لعلم النفس.. تعرف عليها الآن

ما التداعي الحر؟

إن أداة التداعي الحر نافعة جدًا لا سيما إن كنت ممن يتظاهر بأن كل ما حدث له عاديًا جدًا، وطبيعيًا جدًا. بينما أنت متألم جدًا، هذه التقنية المستخدمة في العلاج النفسي التحليلي تهبك مساحة خاصة شديدة الوسع لا سيما إن سمحت لنفسك بأن تنطق أو تكتب ما يتبادر إلى ذهنك بحرية، دون أحكام وعقبات، مهما كانت الأفكار متشابكة وغير متناسقة، فالهدف من التمرين أن يكون بوحك ذاتيًا وانفعاليًا. 

تخيّل كيف أن نظرتك إلى العالم ومشاعرك وذكرياتك بحاجة للخروج من الخزائن الضيقة التي تراكمت بداخل نفسك، تخيّل أنها تستغيث وتصرخ لتنهبك بضرورة السماح لها للتحرّر من قبضة صناديقك الداخلية، تخيّل أن المواقف التي ابتلعتها، والكلمات التي مزقتك مذ سمعتها، واللحظات المُرّة التي تجرعتها، واختنقت بداخلك زمنا قد تضخمت وآن لها أن تتنفس كطير ضاق ذرعًا بقفصه، كل ما عليك أن تسترخي وتهب نفسك وقتًا حقيقيًا ليتداعى كل شيء ويتسلل للفضاء، عبر قلمك أو صوتك! 

ماذا لو كانت هذه الطريقة ضمن تمارين روحك الرياضية بشكل دائم؟ ماذا لو سمحت لتلك الآلام أن تتداعى أمامك وتتراقص، وتأملتها بوعي ويقظة؟ 

نعم من المعروف أن هذه الطريقة إحدى الوسائل التي يمارسها المعالج النفسي مع مريضه، لكن ما المانع من رفع وعيك الذاتي وقدرتك على فهم نفسك والاقتراب منها بهذه الوسيلة لا لتطوير نفسك والوصول بها لمستوى عالٍ من النضج، بل أيضًا لتحقيق مستوى إصلاحيّ أعلى من خلال سنة كونية من سنن الله نشأنا عليها زمنا وسمعناها مرارا في قوله تعالى (حتى يغيروا ما بأنفسهم) هذه الآية تأخذنا إلى بُعد عميق مفاده أننا قادرين على تغيير النفس التي بداخلنا، قادرين على إعادة بلورتها، قادرين على إعادة تشكيلها، قادرين على إعادة تهذيبها وتطويرها، وحتى تتغير نحن بحاجة لمراقبتها، لفهمها، للتغلغل في أعماقها، ومتطلباتها.

وحتى يمكننا تغييرها نحن بحاجة لقراءتها بشفافية، لمعرفة آلامها التي تتهرب منها، معرفة مساوئها التي تداريها، أو تغطيها أو تنكرها أو تخشى مواجهتها، يقول الفاروق عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، ويقول تعالى (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية).

اقرأ أيضاً ..الإنسان والأفكار..

ما العلاج بالتداعي الحر؟

أليس من الأولى قبل أن تُعرض أنفسنا أمام الله والملائكة وكافة الخلق، أن نعرضها على أنفسنا! وحري بنا استخدام التداعي الحر لا للعلاج بل للفهم والتقويم أولا بأول، فإن كانت هذه الوسيلة كاشفة للمؤلم الذي يتهرب منه العقل، لا بدّ أنها كاشفة للحقائق التي تتغافل عنها النفس وتأبى الاعتراف بها حرجًا أو جهلًا أو عمدًا لأجل راحة آنية، أو هربا من مكاشفة واضحة.

فالنفس الصادقة هي تلك التي تسعى لتنقية نفسها بشكل مستمر، تواجه حواسها وجوارحها بما بدر منهم، فمما هو مكتوب في حكمة آل داوود: حق على العاقل ألا يغفل عن أربع ساعات منها ساعة يحاسب فيها نفسه، هذا الحساب يمكن أن يكون كالبلور إن استُخدم التداعي الحر في رحلة كشف المستور عن النفس أمام النفس! وقد قال مالك بن دينار: رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله عز وجل، فكان لها قائدًا. 

اختر وقتًا من يومك، مارس التداعي الحر واكتب لنفسك ما فكرت به وشعرت به وعملته خلال اليوم، دون قيود، دون أحكام، دون تسلسل، سجّل ودوّن ثم تأمل وتفكر وكاشفها بالحقيقة، داوي السقم، واشكر النعم ونم في سلام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة