يعتمد التخلص من التوتر والقلق الاجتماعي على العلاج السلوكي المعرفي مع التعرض التدريجي للمواقف الاجتماعية، ودعم ذلك بتمارين الاسترخاء، وممارسة الرياضة، وتقليل الكافيين، والاستفادة من دعم الأسرة أو المختصين. وفي المناسبات الاجتماعية، تساعد استراتيجيات مثل توقع المواقف المزعجة، وتجاهل التعليقات السلبية، ووضع حدود ذكية، وأخذ فترات استراحة قصيرة على تقليل التوتر وزيادة الثقة بالنفس.
هل تعاني من القلق والتوتر عندما تختلط بالناس، أو عندما توجد في بيئة مزدحمة؟ أم أنك تشعر بالتوتر فقط في المناسبات والزيارات والأعياد، وتحاول التخلص والتهرب من الاجتماعات العائلية، وتفضل عدم المشاركة؟
سواء كنت تشعر بالقلق من الاختلاط، أو تشعر فقط بالتوتر في المناسبات الاجتماعية، فأنت في حاجة إلى قراءة هذا المقال الذي يوضح لك أسباب التوتر والقلق الاجتماعي، ويخبرك كيف تتخلص من التوتر الاجتماعي في المناسبات، بالإضافة إلى مجموعة من النصائح التي تحتاجها لتجاوز حالة القلق والتوتر، وتبدو طبيعيًا تمامًا.
ما هو القلق الاجتماعي؟
يمكن الإشارة إلى القلق الاجتماعي، أو كما يُطلق عليه الرهاب الاجتماعي، باعتباره أحد الاضطرابات النفسية التي يُصاب فيها الشخص بالخوف من الازدحام والاجتماعات والمشاركات الاجتماعية، وهو الأمر الذي قد يزداد أو يقل من شخص إلى آخر، حتى يصل لدى بعض الأشخاص إلى رغبة شديدة في الانعزال وعدم المشاركة، وربما يصل إلى حد عدم إقامة أي علاقات اجتماعية.
تقول الإحصائيات إن القلق أو الرهاب الاجتماعي أحد الأعراض النفسية الشائعة في العالم، والتي تؤثر على كثير من الناس من ثقافات وفئات عمرية مختلفة، خاصة من المراهقين والشباب، حيث يصاب بالرهاب الاجتماعي نحو 12% من سكان العالم. وقد أشارت دراسات عدة إلى أن النساء اللاتي يتعرضن للرهاب الاجتماعي أكثر من الرجال، كما أن المجتمعات التي تتسم بالمعايير الاجتماعية العالية يكون فيها نسب المصابين بالرهاب الاجتماعي أكثر من المجتمعات الأخرى.
الأمر المهم في مسألة القلق أو التوتر أو الرهاب الاجتماعي أنها حالة نفسية يمكن علاجها عن طريق العلاج السلوكي المعرفي وبعض النصائح وتقنيات التأهيل النفسي، خاصة إذا كان الشخص متفهمًا للمشكلة ومستعدًا للتجاوب والإصلاح والتغلب على المخاوف مع الوقت.
ما هي أعراض القلق الاجتماعي؟
كما أوضحنا أن حالة القلق أو الرهاب الاجتماعي من الحالات التي يتفاوت فيها الأشخاص من حيث نسبة القلق والتوتر، وبالتالي فإن أعراض القلق الاجتماعي العديدة قد تظهر أحدها أو بعضها لدى شخص ولا تظهر لدى الشخص الآخر، ومن أبرز هذه الأعراض ما يلي:
- يشعر الشخص بالقلق المفرط أثناء وقبل المواقف الاجتماعية المختلفة.
- يشعر الشخص بالخوف من النقد أو إصدار الأحكام السلبية عليه من حيث الشكل والمضمون.
- إحساس الشخص بخجل شديد يدفعه إلى الرغبة في الانزواء عن الأنظار وتجنب لفت انتباه الأشخاص الموجودين، وبالتالي يقل التفاعل إلى أدنى درجة.
- عدم الرغبة في الحديث أو إجراء الحوارات مع الأفراد أو الجماعات الموجودة، وبالتالي عدم التعبير عن الأفكار والآراء.
- رغبة الشخص في الانفصال والابتعاد عن الناس من أجل تجنب أي مواقف قد تضطره إلى إجراء الحوارات أو المشاركة في الأنشطة الاجتماعية الطبيعية.
- في بعض الأحيان، قد يشعر الشخص بالدوار أو الصداع، أو تظهر عليه علامات الاضطراب العقلي إذا تعرض لمواقف اجتماعية مفاجئة أو فوق مستوى احتماله وضد رغبته.
أسباب القلق والتوتر الاجتماعي
يوجد أسباب عدة قد تؤدي إلى الرهاب الاجتماعي أو التوتر من المناسبات والاجتماعات والأنشطة، حيث قد تعود الأسباب لأصول بيولوجية أو نفسية أو حتى بسبب مواقف مر بها الشخص في طفولته. ومن أهم هذه الأسباب ما يلي:
الأسباب البيولوجية للقلق الاجتماعي
- توجد مجموعة من العوامل الوراثية التي قد تؤدي إلى إصابة شخص بالرهاب الاجتماعي، خاصة إذا كان هناك تاريخ عائلي من الإصابة بالرهاب الاجتماعي.
- إذا كان الشخص مصابًا باضطرابات الدماغ أو اختلال التوازن الكيميائي، فقد يؤدي الأمر إلى ظهور الرهاب الاجتماعي نتيجة اضطرابات في هرمونات تنظيم القلق والمزاج.
- يؤدي أيضًا فرط نشاط اللوزة الدماغية المسؤولة عن الاستجابة للخوف إلى شعور الشخص بالرهاب الاجتماعي والحساسية تجاه المواقف الاجتماعية.
الأسباب النفسية للقلق الاجتماعي
- تُعدّ التربية الأولى من أهم الفترات التي يتم فيها التأسيس النفسي للإنسان، وبالتالي فإن الأطفال الذين لا يتخطون الخجل المفرط يكونون عرضة للإصابة بالقلق والرهاب الاجتماعي بعد البلوغ.
- الأشخاص الذين يعانون نفسيًا من عدم احترام الذات فإنهم معرضون بدرجة كبيرة للرهاب الاجتماعي، كما أنهم أكثر الأشخاص الذين يخافون من الإحراج والفشل، وبالتالي يتجنبون المواقف الاجتماعية.
- بعض الأشخاص الذين يميلون إلى الكمال والرغبة في إنجاز الأعمال على أفضل وجه والذين يمتلكون معايير عالية جدًا يخشون الاندماج مع الآخرين والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية خوفًا من الخطأ أو السخرية من الآخرين.
الأسباب التربوية للقلق الاجتماعي
- توجد نسبة كبيرة من المصابين بالقلق والتوتر الاجتماعي تعود أسباب حالتهم إلى مرحلة التربية حيث نشؤوا في بيئات تعتمد على النقد والتوبيخ أو تم تربيتهم بكثير من القلق والخوف من الوالدين.
- كذلك فإن التعرض للسخرية أو التنمر في مرحلة التربية الأولى سواء في المدرسة أو المنزل أو البيئة المحيطة قد يؤدي إلى دخول الطفل في حالة من حالات القلق والتوتر الاجتماعي والرغبة في الانزواء والبعد عن الأنشطة الاجتماعية.
- هناك أيضًا الأطفال الذين تم تربيتهم في بيئات منعزلة وقليلة التفاعل، وبالتالي لم تتطور لديهم مهارات التواصل مع الآخرين، وهو ما يجعلهم من أبرز الأشخاص المرشحين للإصابة بحالة التوتر والقلق الاجتماعي.
الأسباب الاجتماعية للقلق الاجتماعي
- قد يكون للمجتمع دور كبير في إصابة بعض الأشخاص بالقلق والرهاب الاجتماعي من خلال الثقافة الاجتماعية التي تضغط على الأفراد للتصرف بشكل مثالي، وتحذرهم من الفشل أو العقاب.
- التجارب السيئة التي يمر بها الأشخاص في مجتمعاتهم في مرحلة الطفولة أو المراهقة قد تدفعهم إلى الانزواء والابتعاد عن المشاركة في أنشطة هذا المجتمع.
- الأمر الأهم في ما يخص المجتمع هو الطريقة التي يتصرف بها الناس مع الأشخاص الذين يخافون من الأنشطة الاجتماعية، حيث يمكن أن تعمق السخرية والتنمر حالة الرهاب وتدفع الأشخاص إلى مزيد من الخوف والانزواء والقلق من الأنشطة الاجتماعية.

6 خطوات للتخلص من القلق الاجتماعي
- تتمثل الخطوة الأولى في العلاج السلوكي المعرفي، الذي يساعد الشخص على معرفة مشكلته وفهم أسبابها وتغيير أفكاره السلبية. وكذلك يساعده على وضع خطة لاكتساب الثقة، وتعلم المهارات التي يحتاجها، مثل مهارة التعامل مع الآخرين، ومهارة إدارة الحوار، ومهارات الرد التي تعزز ثقته بنفسه مع الوقت.
- أما الخطوة الثانية فهي الدخول في المواقف الاجتماعية والمشاركة في الأنشطة بشكل تدريجي، بحيث يصبح الأمر أشبه بصعود السلم. يبدأ الشخص بمواقف بسيطة بها عدد قليل من الناس ولمدة لا تتجاوز الدقائق المعدودة، ثم يتطور الأمر إلى ما هو أكثر عددًا ووقتًا وأعمق في بناء العلاقات.
- هناك أيضًا تمارين الاسترخاء والتنفس العميق التي تساعد الشخص على تقليل الانفعالات والتوتر والقلق أثناء وجوده في بيئة مزدحمة أو أثناء مشاركته في أحد الأنشطة الاجتماعية حتى يستطيع السيطرة على جسده وعلى الأعراض التي كانت تظهر عليه من قبل ليتخطى الأمر بدون الانسحاب والانزواء والخوف.
- كذلك، يجب أن يمارس الشخص الرياضة التي تتناسب معه، ويفضل أن ينتظم في الرياضة من أجل تحسين حالته المزاجية، وإفراغ الشحنات النفسية، بالإضافة إلى الاسترخاء وتقليل التوتر. كما يمكن استخدام الرياضة كعلاج سلوكي إذا مارس الرياضة مع أشخاص آخرين يستطيع أن يتبادل معهم قدرًا من الحوار والمشاركة.
- من الأمور الهامة التي تساعد على علاج القلق والتوتر الاجتماعي هو الابتعاد عن المنبهات والكافيين، حيث إنها تعمل على زيادة القلق والتوتر بشكل عام، فما بالك بالشخص الذي يعاني من الحساسية الاجتماعية. وإذا لم يكن باستطاعته أن يتخلى تمامًا عن الكافيين والمنبهات، يمكنه التقليل بقدر المستطاع.
- إذا كان الشخص يملك الرغبة الكبيرة في تخطي القلق والتوتر الاجتماعي، فيجب أن يحصل على الدعم المتاح، سواء كان الدعم من العائلة والأحباء والأصدقاء أو حتى من مجموعات الدعم المتوفرة، حيث يمكنه التعامل مع أشخاص متخصصين ومع حالات مشابهة يستطيع كل منهم أن يساعد الآخر.
كيف تتخلص من التوتر الاجتماعي في المناسبات؟
بالنسبة للأشخاص الذين لا يمانعون المشاركة في الأنشطة الاجتماعية إلا أنهم لا يشعرون بالراحة في المناسبات والأعياد التي تتضمن الأنشطة الاجتماعية ومواعيد الزيارات العائلية وغيرها من الاجتماعات، فيمكنهم اتباع النصائح التالية:
- قبل أن تذهب إلى الاجتماع أو الزيارة العائلية، عليك أن تضع لنفسك قائمة بالأشياء التي يجب أن تتجنبها والأشياء التي يجب أن تفعلها، مما سيجعلك تركز على الأمور التي تشارك براحة وتتركز أيضًا على تجاهل الأشياء الأخرى التي تعرف مسبقًا أنها قد تعرضك للتوتر أو الانفعال.
- من الحيل الرائعة التي يمكن اللجوء إليها أثناء الاجتماعات العائلية والزيارات والمناسبات التي يشعر فيها الشخص بالانزعاج، هي الحصول على استراحة قصيرة، حيث يمكن مغادرة الجلسة العائلية والدخول في إحدى الغرف أو الأركان بأي حجة، من أجل التقاط الأنفاس واستعادة الهدوء والاسترخاء، والعودة مجددًا للنشاط الاجتماعي.
- أفضل ما يمكن أن تفعله لنفسك إذا كنت تعاني من القلق الاجتماعي من المناسبات والزيارات العائلية هو أن تتدرب على تجاهل التعليقات السلبية، خاصة من الأشخاص الذين لا تشعر نحوهم بالمودة أو الراحة النفسية. وعليك أن تتوقع هذه التعليقات من البداية حتى لا تشعر بالمفاجأة التي تنعكس عليك بالتوتر والقلق.
- يمكنك أن تقضي معظم الوقت في الزيارة العائلية أو المناسبة الاجتماعية مع أكثر شخص تحبه أو تفضله في المجموعة وتتبادل معه الحوارات والنكات لكي يمضي الوقت بصورة طيبة ولكي تتجنب ما يمكن أن يزعجك من حوارات وتعليقات الآخرين.
- حاول دائمًا أن تأخذ دفة الحوار إلى الأشياء التي تحبها وتستمتع بها، وتحدث عن الأمور التي تمتلك فيها خبرة كبيرة، وتجنب أن تتعرض لأحدهم بالنقد أو السخرية. وإذا بدأ أحدهم بالحديث أو الحوار الذي لا تحبه، يمكنك أن تعود لنفس الموضوع الذي ترغب في التحدث عنه أو الخروج من الغرفة لأي سبب من أجل قطع الحديث.
- هناك حيلة أخيرة وهي حيلة الحدود الصارمة التي يجب أن تستخدمها مع الأشخاص الذين يصرون على السخرية والانتقاد، أو الذين يطرحون أسئلة غير مناسبة، أو الذين يتطفلون عليك في الاجتماعات العائلية والمناسبات. يجب أن يكون الأمر بذكاء شديد بحيث تبدو صارمًا دون صدام، حيث إن الأمر في النهاية يدور في إطار الأنشطة الاجتماعية والمناسبات العائلية.
- إذا لم تستطع أن تسيطر على نفسك لأي سبب من الأسباب أثناء الزيارة أو الاجتماع العائلي، يجب أن تكون هناك خطة بديلة تلجأ إليها في هذه المواقف، حتى لا ينعكس الأمر على وجهك وتبدو على ملامحك أعراض القلق والتوتر. ومن هذه الخطط، على سبيل المثال، أن تتحدث في الهاتف وكأنك تستقبل مكالمة هامة في أحد الأركان، أو الدخول إلى الحمام وهكذا.

وفي النهاية، فإن مشكلة القلق والتوتر الاجتماعي الناتجة عن المناسبات والأنشطة الاجتماعية ليست بالمشكلة الخطيرة التي ليس لها علاج، لكن الأمر قد يؤدي بالفعل إلى مشاكل خطيرة إذا لم يتم التعامل معه بجدية، نظرًا لأن الإنسان يعيش في مجموعة من الدوائر الاجتماعية في العائلة والعمل والجيران، وبالتالي يحتاج إلى المشاركة والتفاعل والتواصل المستمر.
إن تطبيق الاستراتيجيات السلوكية والخطط البديلة التي استعرضناها في هذا المقال يمنحك الأدوات والدروع النفسية اللازمة لحماية سلامك الداخلي وهدوئك العقلي وسط صخب المناسبات والأعياد العائلية. نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والفائدة الإضافية التي تنشدها، كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك وتجربتك الشخصية في التعليقات أدناه، ولا تنسَ مشاركة المقال مع أصدقائك وعلى مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.