التحليل النصي للقصيدة.. نموذج من الشعر القديم

يحاول هذا المقال شرح قصيدة قديمة مؤلفها الشاعر سحيم عبد بني الحسحاس، الذي صنفه ابن سلام في الطبقة التاسعة من شعراء الجاهلية، ووصفه بأنه «حلو الشعر، رقيق حواشي الكلام». وهي محاولة للربط بين البنية ومفرداتها المختلفة في القصيدة، وبنية القصيدة ككل متماسك، أو نص واحد، أي أن القصيدة لها «نحو» خاص بها رغم خضوعها للنحو العام من اللغة.

اقرأ أيضاً دراسة في ديوان في توقيت الدخول للروح

المباديء الأساسية وراء تفسير القصيدة

وقبل نقل نص القصيدة وتفسيره، أود أن أشير إلى بعض المبادئ الأساسية وراء هذا التفسير، أو بالأحرى هذا النوع من التفسير، بما في ذلك القصص الخاصة التي وردت عن قصائد معينة لسحيم عبد بني الحسحاس توضح دوافعه، أو توضح بعض ما نتج عنه، وما أرى في هذه القصص من علاقتها بالشعر، ومنها ما ورد في شعر سحيم عبد بني الحسحاس فيما يتعلق بالإشارات إلى سواده، وكونه عبدًا لا حرية لنفسه، وعلاقة ذلك أيضًا بالشعر وتفسيره.

أما ما نسج حول شعر عبد بني الحسحاس، فهذا -من وجهة نظري- لا يفيد تفسير شعره، سواء كان صحيحًا أم موضوعًا.

لأنه إذا كان صحيحًا فالشعر منفصل عنه، والقصص التي رويت لا تدخل في بنية الشعر، وبذلك لا تساعد في تفسيره، وإذا كانت موضوعة ومصطنعة، فهو في غالبه بعيد جدًّا عن الشعر وتفسيره، وقد اصطنعه بعض الرواة ليخلق النص الشعري في سياق حادثة معينة، وكأن الشعر لا يكون إلا ردود أفعال مباشرة على أحداث معينة.

إن القصص التي نسجت عن بعض القصائد القديمة، أو بعض أبياتها، لم تؤدِّ إلى أي محاولة لفهم الشعر العربي القديم بعدِّه فنًّا مستقلًّا يعادل الحياة، أو مكملًا لها، أو كاشفًا لرؤى مرتبطة ببعض جوانبها.

وفي كثير من الأحيان اكتفى بذكر الحادثة وسياقها شعرًا أو قصيدة، وكانت الحادثة تجعل من المستحيل فهم الشعر، أو محاولة ذلك، في سياقه الفني وتماسكه النصي، وبدأ النظر إلى الرموز الشعرية على أنها إشارات سطحية إلى أجزاء معينة من الحادث.

والشعر أكثر ديمومة من الحقائق الساذجة التي تصاحب بعض أبياته؛ لأن الشعر بطبيعته فن يتجاوز الواقع المحدود. وما يدعونا اليوم إلى قراءة الشعر القديم هو أنه فن عظيم يتجاوز عصره وكاتبه والقصص المصطنعة التي تصاحبه في كثير من الأحيان. ويمكن فهم هذا الشعر بإشاراته ورموزه ببنيته اللغوية، ما يجعله يتجاوز هذه القصص المسطحة التي ردد لها الرواة صدى ساذجًا.

فمتى قالها الشاعر أصبحت القصيدة مستقلة عما يحيط بها من حقائق موضوعية أو حقائق يحملها الشاعر أو غيره، ويصبح كيانًا خاصًّا له منطقه ونظامه وبنيته الخاصة المتميزة عن بنية اللغة غير الشعرية.

بمعنى آخر، القصيدة لا تقدم لنا معنى بل كيانًا فنيًا، وما أعنيه بهذا هو أننا يجب أن نظهر عملية البناء التي شكَّلت القصيدة بواسطة بنياتها، بدلًا من البحث عن معنى محدد مرتبط بحادثة محدودة.

اقرأ أيضاً تحليل قصيدة"أحب الغناء وشرب الطلاء"للشاعر الوليد بن يزيد

قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس

أما ما ورد في شعر سحيم عبد بني الحسحاس، من الإشارة إلى لونه الأسود، إلى أنه كان عبدًا لا يتمتع بحريته، إلى اعتزازه بشعره أحيانًا، وإلى اعتزازه بأن شعره كان بمنزلة مصدر للمال، وأشياء أخرى، وإلى أي مدى تستخدم مثل هذه المراجع في تفسير الشعر.

ومن ثم فإن الشعر فن يتجاوز صاحبه نفسه، ولا يحترم القيود التي فرضها عليه بعض مؤرخي الأدب الذين يرون في الأدب انعكاسًا لحياة صاحبه.

إن ما يقوله الشاعر قد ينطبق على نفسه وقد لا ينطبق عليه، وليس لدى المفسر دليل يوضح هذه النقطة، بل هو عنده النص. فالنص بعلاقاته وتركيباته ومرجعياته هو صورة فنية قبل وبعد، وإن ذكر الشاعر اسمه ووصفه في القصيدة، كما فعل سحيم عبد بني الحسحاس عندما قال في قصيدته العظمى:

أشارتْ بمدراها وقالت لتربها *** أعبد بني الحسحاسِ يزجي القوافيا

رأتْ قتبًا رثًّا وسحقَ عباءةٍ *** وأسودَ مما يملكُ النَّاسُ عانيا

يرجِّلنَ أقوامًا ويتركنَ لمَّتي ***  وذاكَ هوانٌ ظاهرٌ قد بدا ليا

فلو كنتُ وردًا لونهُ لعشقنني *** ولكنَّ ربِّي شانني بسواديا

فما ضرَّني إن كانتْ أمِّي وليدةً  *** تصرُّ وتبري للِّقاحِ التَّواديا

وهذه الأبيات هي صورة خاصة نرى فيها سحيم عبد بني الحسحاس كما نرى غيره. وقد اختار الشاعر أن يدخل اسمه في بناء هذه الصورة، وبمجرد أن دخل هذا الاسم في القصيدة، أصبح جزءًا من الاسم هنا في هذه الصورة، وهو رمز خاص يمكن أن ينطبق على سحيم عبد بني الحسحاس نفسه، وهذا قد لا ينطبق عليه.

 وهذا سؤال آخر يخضع لتفسير القصيدة، ونقطة البداية. ويجب أن يبدأ التفسير من عبد بني الحسحاس الرمز، وليس من عبد بني الحسحاس الشخص.

اقرأ أيضاً شرح 100 قصيدة شعرية.. تعرف على ساحة نيجيريا وأهم المعاجم العربية

تحليل قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس

 هذه الأبيات التي أوردتها لا تتطلب منا أن نقتنع بوجود فتاة حقيقية رأت عبد بني الحسحاس فأشارت إلى ترابه في منطقتها وقالت: أحب بني الحسحاس وهو يعطي القوافي... إلخ. ولا تتطلب الأبيات منا أن نصدق أن هذا قد حدث فعلًا؛ فالشاعر لا يحتاج إلى تجربة واقعية للتعبير، ولكن لا بد له في كل الأحوال من تجربة فنية.

إن مسارات التجربة إلى روح الشاعر مخفية، وما يهمنا هو الصورة المنطوقة ببنياتها ودلالاتها.

قد تبدو القصيدة في بنيتها الظاهرة أو السطحية وكأنها تجمع عددًا من الصور، لكن لا يوجد رابط موحد بينها، من وجهة نظر لا تتعدى السطح، لكنها كلها في قصيدة واحدة. مع القياس والرواية.

نحن نظلم الشعر إذا تعاملنا مع القصيدة على هذا النحو. بل يجب أن يكون للقصيدة بنية عميقة تجمع هذه الصور في إطار، حتى لو كانت في الظاهر بعيدة عن بعضها البعض، لكن هذا الإطار كبير ويتسع ليشمل هذه الصور، بحيث تعادل كل صورة بعدًا محددًا من أبعاد القصيدة، وبين هذه الأبعاد تُحاك خيوط وعلاقات ربط.

ولا مانع بالطبع من اتخاذ قصيدة مؤلفها منطلقًا للتجاوز الشعري الذي يرغب فيه؛ لأن الشاعر نفسه يُعد موضوعًا أمام شعره مثل كل موضوعات ومفردات الأشياء المعروضة أمامه في قصيدته، ويمكن للشاعر في كثير من الأحيان أن يبدأ من نفسه ليقدم رؤية للحياة أو للكون من نفسه كونها إحدى مفردات الحياة.

والنقطة شديدة الخطرة في التفسير هي أن يقتصر ما يقوله الشاعر لنفسه، وأن يجعل منه مثلًا سيرة ذاتية لنفسه وحده ولا يشرك فيه أحدًا آخر. وعندما تدخل كلمة من الحياة أو الكون، بما في ذلك الشاعر نفسه، في بناء القصيدة، فإنها تصبح جزءًا من الصورة الفنية التي تتضمنها.

 ويمكن للقصيدة أن تأخذ طريقًا مختلفًا بأن تظهر لنا وكأنها تصف أشياء خارجة عن الشاعر، مثل وصف البرق، أو الجمل، أو الحصان، أو السحاب، أو الثور الوحشي، أو الظالم، أو الذئب أو غيره، وكذلك مختلف جوانب الحياة.

ويجب ألا ننخدع بهذا المظهر ونسارع إلى تصنيف القصائد على أساس وصف ظاهري، بل يجب علينا أن نبحث دائمًا عن البنية العميقة للقصيدة أو بنياتها العميقة.

اقرأ أيضاً تحليل قصيدة الفردوس المفقود للشاعر "إدريس الجاي"

اختلاف بنية كل قصيدة عن غيرها 

والقصيدة التي تصف السحب مثلًا قد تشير في هذه الحالة إلى رؤية خاصة للحياة كلها، وهو أسلوب خاص تُدمج فيه الظواهر المحيطة في تمثيل شعري خاص للتعبير الرمزي للإنسان.

وفي هذا الصدد، قد تكون القصيدة استمرارًا لتقاليد سابقة استقرت في نظام القصيدة العربية، ولكنها -كما يجب- وهي تتبع هذا التقليد نفسه تخلق مسارًا فنيًّا خاصًّا بها في الوقت نفسه، وإلا أصبحت عديمة الفائدة لغويًّا.

وما أعنيه هو أن كل قصيدة لها عالمها الشعري الخاص، رغم تشابه كثير من القصائد في بعض أجزاء البنية السطحية. ولتوضيح هذه النقطة الأخيرة أقول:

البرق -على سبيل المثال- ظاهرة شعرية، وقد وصفها كثير من الشعراء قبل سحيم عبد بني الحسحاس، مثل امرئ القيس وطرفة والنابغة وأوس بن حجر، وقد وصفها سحيم نفسه في قصيدتين من شعره وصلتا إلينا، هل هذا يعني أن البرق عند وصفه يعني الشيء نفسه كما في أي قصيدة؟

وكل «ومضة» متميزة ولها تفسيرها الخاص حسب سياق القصيدة التي تظهر فيها، حتى لو كان الشاعر واحدًا. ولذلك ليس من الضروري على الإطلاق جمع الظاهرة التصويرية في الشعر وحده، بحيث تتناول مثلًا «البرق في الشعر العربي»؛ لأن الصورة لا يمكن تفسيرها وحدها. بل الأفضل تفسير كل قصيدة على حدة مع كون ما تحتويه من رموز وصور خاصة بها، وإن كانت متشابهة في بعض أجزائها مع قصائد أخرى.

وقد يكون جزء من القصيدة مشابهًا لجزء من قصيدة أخرى للشاعر نفسه أو لشاعر آخر. لكن معنى هذا الجزء لا يؤخذ مستقلًّا، بل مع بقية أجزاء القصيدة ككل، وبذلك يختلف معناه الشعري باختلاف الأجزاء المجاورة له.

وتصبح قيمة هذا الجزء بأخذ يؤخذ مع مراعاة الأجزاء الأخرى التي تصاحبها، سابقًا أو لاحقًا؛ لأن القصيدة عبارة عن شبكة من العلاقات المتماسكة مع بعضها البعض، والقصيدة وحدة لغوية وفنية مستقلة، وهنا يكمن فهم القصيدة.

اقرأ أيضاً المقطوعات الشعرية في الشعر الجاهلي

ما المقصود بـ "نقطة الارتكاز المضيئة"؟

وفي كل قصيدة اسميها دائمًا «نقطة الارتكاز المضيئة» التي تكشف بنية القصيدة برمتها. ومن يفسر قصيدة من بنيتها عليه أن يعيد قراءتها حتى يدرك الخيط الذي يقوده إلى البنية العميقة للقصيدة.

وهذه «نقطة الارتكاز المضيئة» ليست شيئًا مفروضًا من خارج القصيدة، سواء من حياة الشاعر وسيره أو من الحادثة المحيطة بالقصيدة ومن الحادثة المصاحبة لها التي يقدمها بعض الرواة ومؤرخو الأدب على أنها دافع للقصيدة.. ليس شيئًا من ذلك؛ لأن القصيدة عندما تبدأ في التشكل تنفصل عن كل ذلك وتبدأ ببنيتها اللغوية الفنية الخاصة. وبذلك لا بد من تكثيف استخدام مادتها التي تدخل في نطاق القصيدة.

وهو البنى اللغوية والبنى النحوية التي تقع تحت سطح هذه البنى والتي تعطيها معناها من خلال التفاعل مع المفردات المستخدمة في ذلك البناء.

اقرأ أيضاً أشهر قصائد حماسية من العصر الإغريقي.. تعرف عليها

القصيدة التاسعة من ديوان سحيم عبد بني الحسحاس

والقصيدة التي اخترناها هي القصيدة التاسعة من ديوان سحيم عبد بني الحسحاس، صنعة نفطويه، أبو عبد الله بن عرفة الأزدي النحوي. والقصيدة مكونة من اثنين وثلاثين بيتا:

  1. أَلَمَّ خَــيــالُ عَــشــاءً فَــطــافــا *** وَلَم يَـكُ إِذ طـافَ إِلَّا اختِطافا

  2. لِمَـــيَّة إِذ طَــرَقَــت مَــوهِــنــًا ***  فـأَضـحـى بِهـا دَنِـفـًا مُـسـتَجافا

  3. وَمــا دُمَـيـةٌ مِـن دُمـى مَـيـسَـنـا *** نَ مُــعــجِــبَــةُ نَـظَـرًا واتِّصـافـا

  4. بِــأَحــسَـنَ مِـنـهـا غَـداةَ الرَحـيــ*** لِ قـامَـت تُـرائيـكَ وَحفًا غُدافا

  5. وِجـيـدًا كَـجـيـدِ الغَـزالِ النَزيــ ***  فِ يـأتَـلِفُ الدُرُّ فـيـهِ ائتِلافا

  6. وَعَــيـنـى مَهـاةٍ بـسِـقـطِ الجِـمـا *** دِ تَـعـطـو نِـعافًا وَتَقرو نِعافا

  7. وبــيــضــًا كَــأَنَّ حَــصــا مُــزنَــة   ***  تَهــادى بِهِ صَــرخَــديّــا رِصـافـا

  8. كَــأَنَّ القَــرنَــفُــلَ والزَنــجَـبـيــ    ***  لَ والمِـسـكَ خـالَطَ جَـفنًا قَطافا

  9. يُـــخـــالِطُ مِــن ريــقِهــا قَهــوَةً  ***  سَـبـاهـا الَذي يَـستَبيها سُلافا

  10. بِـعُـودٍ مِـنَ الهِـنـد عِـندَ التِجا *** رِ غـالٍ يُـخـالِطُ مِـسـكـًا مُـدافـا

  11. يُــــخــــالِطُهُ كُــــلَّمــــا ذُقــــتَهُ *** عَـلى كـلِّ حـالٍ أَرَدتَ ارتِـشـافـا

  12. وأَبـــدَت مَـــعــاصِــمَ مَــمــكــورةً  ***   تَــزيــنُ أَنــامِــلَهُــنَّ اللِطـافـا

  13. فَـــلَســـتُ وإِن بَــرِحَــت ســاليــًا    ***  وَقَـد شَـكَّ مِـنّـي هَواها الشَغافا

  14. فـــبـــاتَـــت وَقَـــد زَوَّدَت قَــلبَهُ   ***  هُـمُـومـًا عَـلى نأيِها واعتِرافا

  15. فـإِمّـا تَـرَيـنـي عَـلانـي المَـشيــ   ***  بُ وانصَرَفَ اللَهوُ عَنّي انصِرافا

  16. وَبــــانَ الشَـــبـــابُ لِطـــيّـــاتِهِ    ***  وَقَـد كُـنـتُ رُدّيـتُ مِـنـهُ عِـطـافا

  17. فَـقَـد أَعـقِـرُ النَابَ ذاتَ التَليــ   ***  لِ حـتّـى أُحـاوِلَ مِـنـهـا سِـدافـا

  18. بِـمَـثـنـى الأيـادى لِمَـن يَعتَفى   ***  وأَرفَـعُ نـارى إِذا ما استَضافا

  19. وخَـــيـــلٍ تَـــكَـــدَّسُ بــالدَارِعــيــ    ***  نَ مَـشـى الوعُـولِ تَـؤُمُّ الكِهافا

  20. ضَـــوامِـــرَ قَــد شَــفَّهــُنَّ الوَجــي ***  فُ يُـثِـرنَ العَجاجةَ دونى صِفافا

  21. تَـــقَـــدَّمـــتُهُـــنَّ عَـــلى مِـــرجَــلٍ    *** يَلوكُ اللِجامَ إِذا ما استَهافا

  22. يُـــبـــارى مِـــنَ الصُـــمِّ خَــطِّيــَّةً    *** مُــقَــوَّمَــةً قَــد أَمِــرت ثِــقـافـا

  23. أَحـارِ تَـرى البَـرقَ لَم يَـغـتَـمض   *** يُـضـيءُ كِـفـافـًا ويَـجـلو كِـفافا

  24. يُــضــىءُ شَــمــاريــخَ قَــد بُـطِّنـَت   ***  مَـثـافـيـدَ رَيـطـًا وَريطًا سِخافا

  25. مَـرَتـهُ الصَـبـا وانتَحَتهُ الجَنو  ***  بُ تَـطـحَـرُ عَـنـهُ جَهـامـًا خِـفافا

  26. فــأَقـبَـلَ يَـزحَـفُ زَحـفَ الكَـسـيـرِ  ***  يَـجُـرُّ مِـنَ البَـحـرِ مُـزنًا كِثافا

  27. فَــلمّــا تَــنــادى بـأَن لا بَـرا   ***  حَ وانـتَـجفَتهُ الرِياحُ انتِجافا

  28. وحَــــطَّ بِــــذى بَــــقَــــرٍ بَــــركَهُ  ***  كــأَنَّ عَــلى عَــضُــدَيــهِ كِــتـافـا

  29. فـــأَلقـــى مَــراســيَهُ واســتَهَــلَّ  ***  كَـمَـدِّ النَبيط العُروُشَ الطِرافا

  30. يَـــكُـــبُّ العِــضــاهَ لأَذقــانِهــا  ***  كَـكَـبِّ الفَنيقِ اللِقاحَ العِجافا   

  31. كـــأَنَّ الوُحُـــوشَ بِهِ عَـــســـقَــلا  ***  نُ صــادَفَ فــي قَـرنِ حَـجٍّ ديـافـا

  32. قِــيـامـًا عَـجِـلنَ عَـليـهِ النَـبـا    ***   تَ يَـنـسِـفـنَهُ بالظُلُوفِ انتِسافا

تحليل القصيدة السابقة 

ولا يمكن لقارئ هذه القصيدة أن يتجاهل عناصر «السرعة» التي تجلت وشكلت بنيتها، والتي جاء أولها من اختيار موضوع إيقاعها الشعري، حيث تشكلت نغمة البحر المتقارب «فعولن» ومقياسه العروضي.

هذه النغمة متدفقة، متتالية، ترتفع بسرعة واحدة تلو الأخرى، وتهبط بانتظام، متقطعة الواحدة تلو الأخرى، لا سيما أن نصف أبيات القصيدة تقريبًا مستديرة، ما يشجع على عدم التوقف عن القراءة في نهاية الجزء الأول، وهو ما يسهله أيضًا كثرة المقاطع التي تقدم بصيغة الفعل (فعول)، ما يؤدي إلى اختصار المقطع الثالث واعتماده على حركة قصيرة وعدم سكونها مع السكون، وكذلك كثرة الحذف (فعو) في تفعيل العروض.

والثاني أن القصيدة افتتحت بسطر فيه ألفة الخيال تجول جامحة، وانتهت بسطر يمثل حيوانات واقفة في دولاب مسرع، تقطف النباتات بحوافرها، بحيث انحصرت القصيدة بين نوعين مختلفين من السرعة والمعنوية والمادية والشفافة والحساسة والمرتفعة والمدمرة والجافة والصعبة والمدمرة، وبين هذين النوعين من العناصر.

وجاءت السرعة في سلسلة من الكلمات التي شكلت بنية كل صورة، وكانت معظمها عبارة عن حقول دلالية تشير أو توحي بالسرعة، مثل «طرقت موهنا» و«قامت ترائيك» ما يوحي بأن الرؤية كانت منقطعة وغير متصلة، و«الغزال النزيف» والمهاة التي تعطو نعافا وتقرو نعافا، أي تنتقل من مرتفع إلى آخر في خفة وحركة متوالية، و«حصا المزنة» وهو البرد الذي يتتابع على الحجارة البيضاء في سرعة وتوال.

وبينونة المحبوبة، وبينونة الشباب، وانصراف اللهو انصرافًا، والخيل التي تتكدس بالدارعين وتمشي مشي الوعول وقد شفها الوجيف، والفرس الذي يغلي بالنشاط والحركة كالمرجل يباري الرماح الخطية، وأخيرًا صورة البرق التي تستحوذ على ما يقرب من ثلث القصيدة بما حوته في داخلها من عناصر كلها توحي بالسرعة.

وتتضافر كل هذه المظاهر للسرعة لتجعل قارئ القصيدة يشعر أن شيئًا ما قد أمسك بعجل يتألم ورحل دون تأخير، فينهمر كالبرق الذي يتبع المطر والريح القوية.

فينفخ بأطرافهم إلى ذقنهم فيسقطهم كما يسقط الفحل من البعير الرقيق الملقَّح، فيتكاثرون وتتجمع الوحوش على النبات مثلما يتوافد الناس على سوق عسقلان الذي يرتفع ثم يغلق، ومن يربح ومن يخسر، والنهاية ستكون مؤلمة، وكل هذا سيحدث بسرعة البرق، المبهرة، المضيئة، الكاشفة.

تحليل العبارة الافتتاحية في القصيدة السابقة

وإذا كانت مفردات القصيدة متسقة مع هذا التماسك الدلالي، ومتشابكة مع الإيقاع والوزن لتوحي بالسرعة، فإن بنية جملها -ولا سيما العبارة الافتتاحية- تتماسك مع بعضها بعضًا في شبكة من العلاقات والأدوات، وتكون الجملة الأولى هي ويتميز بجهاز يوحي بالسرعة أيضًا وهو:

أَلَمَّ خَــيــالُ عَــشــاءً فَــطــافــا  ***   وَلَم يَـكُ إِذ طـافَ إِلَّا اختِطافا

لِمَـــيَّة إِذ طَــرَقَــت مَــوهِــنــًا ***  فـأَضـحـى بِهـا دَنِـفـًا مُـسـتَجافا

وقد تتابعت الأفعال الماضية «ألم خيال.. فطاف.. فأضحى» لتصل من أقرب طريق إلى النتيجة «فأضحى بها دنفًا مستجافًا». وهذه الجملة تشير إلى أحداث سريعة متلاحقة تؤدي إلى الهزيمة، إذ يصيب الداء في مقتل.

ولا يظهر في هذه الجملة إلا «مية» وهي تستولي وحدها على الجملة الأولى من القصيدة، ويختفى من عداها، ويستتر كاستتار الضمير في «فأضحى» الذي لا تكشف القصيدة مرجعه في هذه المرحلة، غير أن صيغة «مستجاف» تكشف عن أن الذي أضحى دنفًا، هو الذي كان يسعى لأن يصاب هذه الإصابة في الجوف، لقد استجاف فأصبح مستجافًا.

والقصيدة الجيدة تسعى بطريقة أو بأخرى إلى التوازن والتوازي بين الجمل التي تتكون منها. فهو يقدم عددًا متنوعًا من الصور، تختلف كل منها عن غيرها في الجوهر والكم، ولكنها متوازية في حركتها الداخلية. وكأن القصيدة أحيانًا تؤكد شيئًا واحدًا وتقدمه بأكثر من شكل. وقد تبدو هذه الصور متباعدة، لكن توازي حركتها الداخلية يجمعها ويعمل على ربطها عن طريق موازنتها وموازيتها.

ومحور هذه الصورة الأولى في هذه القصيدة يدور حول «حركة سريعة ومتلاحقة مطلوبة تنتهي بهزيمة فريق آخر»؛ لذلك لا نستغرب إذا رأينا الصورة الثانية مشابهة في بنيتها العميقة أو حركتها الداخلية للصورة الأولى، رغم طولها. وهي أيضًا حركة متتالية إلزامية تنتهي بهزيمة الطرف الآخر.

وفي كلتا الصورتين تكشف لنا القصيدة عن أن هذه الحركة السريعة المتعاقبة المحبوبة تأتي دائمًا من الخارج، ولكنها تؤثر في الذات وتهزمها، وكما انتهت الجملة الأولى بالدنف وإصابة الجوف «فأضحى بها دنفًا مستجافًا» نجد أن الجملة الثانية سوف تنتهي بنهاية مشابهة، وعلى مستوى البنية السطحية تُعد الصورة الثانية (من 3-14) جملة نحوية واحدة متماسكة، وهي أيضًا تعد وصفا لمية التي استولت على الجملة الأولى:

تحليل أبيات أخرى من القصيدة السابقة

3- وَمــا دُمَـيـةٌ مِـن دُمـى مَـيـسَـنـا *** نَ مُــعــجِــبَــةُ نَـظَـرًا واتِّصـافـا

4- بِــأَحــسَـنَ مِـنـهـا غَـداةَ الرَحـي*** لِ قـامَـت تُـرائيـكَ وَحفًا غُدافا

5-وِجـيـدًا كَـجـيـدِ الغَـزالِ النَزي ***  فِ يـأتَـلِفُ الدُرُّ فـيـهِ ائتِلافا

6-وَعَــيـنـى مَهـاةٍ بـسِـقـطِ الجِـمـا *** دِ تَـعـطـو نِـعافًا وَتَقرو نِعافا

7-وبــيــضــًا كَــأَنَّ حَــصــا مُــزنَــة   ***  تَهــادى بِهِ صَــرخَــديّــا رِصـافـا

8-كَــأَنَّ القَــرنَــفُــلَ والزَنــجَـبـي ***  لَ والمِـسـكَ خـالَطَ جَـفنًا قَطافا

9-يُـــخـــالِطُ مِــن ريــقِهــا قَهــوَةً  ***  سَـبـاهـا الَذي يَـستَبيها سُلافا

10-بِـعُـودٍ مِـنَ الهِـنـد عِـندَ التِجا *** رِ غـالٍ يُـخـالِطُ مِـسـكـًا مُـدافـا

11-يُــــخــــالِطُهُ كُــــلَّمــــا ذُقــــتَهُ *** عَـلى كـلِّ حـالٍ أَرَدتَ ارتِـشـافـا

12-وأَبـــدَت مَـــعــاصِــمَ مَــمــكــورةً ***  تَــزيــنُ أَنــامِــلَهُــنَّ اللِطـافـا

13-فَـــلَســـتُ وإِن بَــرِحَــت ســاليــًا *** وَقَـد شَـكَّ مِـنّـى هَواها الشَغافا

14-فـــبـــاتَـــت وَقَـــد زَوَّدَت قَــلبَهُ   ***  هُـمُـومـًا عَـلى نأيِها واعتِرافا

 وتظهر «مايا» في هذه الصورة على نحو أكثر وضوحًا من ظهورها في الصورة الأولى؛ لأن ظهورها في الصورة الأولى كان ظلًّا أكد عليه الحالان «عشاء» و«موهنا» في البداية. وفي منتصف الليل. لكن هنا تظهر في الصباح، وإن كان ذلك «غداة الرحيل»، فليس ثمة وقت كافٍ، والأمر دائمًا في سرعة وعجلة.

ومع ذلك تظهر مقرونة بتمثال جميل معبود «دمية من دمى ميسنان معجبة نظرًا واتصافًا». هذا التمثال الجميل المعبود ليس بأحسن منها، فهي إذن مقارنة ترفع المحبوبة إلى مقام التمثال المعبود وتثبت لها ما له من الجمال والجلال، فالمحبوبة معجبة نظرًا واتصافًا كذلك، أي من حيث رؤية العين ورؤية القلب معًا.

وقد ثبتت هذه المساواة عن طريق نفي زيادة دمية ميسنان في الحسن عنها، فالحسن ثابت مستقر لكلتيهما، ومن هنا بنيت هذه الصورة بالجملة الاسمية.

وبعد أن تظهر «دمية ميسنان» لتوحى بالروعة والرهبة والحسن الجليل تختفي لتتحرك الصورة في الأفعال العشرين «قامت – ترائيك – يأتلف – تعطو – تقرو – تهادى – خالط – يخالط – سباها – يستبيها – يخالط – يخالطه – ذقته – أردت – أبدت – تزين – برحت – شك – بانت – زودت» التي يستولى فيها الفعل «ترائيك» بمفعوله الثاني على أكثر من جزئية داخلية مع ما عطف عليه:

- ترائيك وحفا غدافا

- وجيدًا كجيد الغزال النزيف.

- وعيني مهاة.

- وبيضا..

 المرجع

عبداللطيف، محمد حماسة، (1986م)، التحليل النصي للقصيدة: نموذج من الشعر القديم، مجلة دراسات عربية وإسلامية، جامعة القاهرة – مركز اللغات الأجنبية والترجمة التخصصية، الجزء السادس، ص ص : 72-59 .

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.