التحليلُ الفَنِّيُّ من الألِفِ إلى الياء (1)، مقدمة

تَعَلَّم أكثر!

ما من كتابٍ واحدٍ ولا حتى مجموعة من الكتب يمكنها أن تعطِيَكَ شرحاً كاملاً للتحليل الفني. ليس فقط لأن المجال كبير ويغطي مساحة واقعية ضخمة (من تقارير البنك الاحتياطي الاتحادي الأمريكي - "الفِدرالي" إلى مستويات الدعم والمقاومة التي يبحث عنها المتداول البسيط)، بل لأنه يتطور سريعاً.

رغم اشتهار التحليل الفني في السنوات الأخيرة إلا أن متابعيه أكثر بكثير جداً، وبفارقٍ ضخمٍ (خاصةً في منطقتنا العربية)، من مُمارِسِيه. كثيرون كانوا غير مقتنعين بجدواه (وما زال البعض يفعل) إلا أن تنامي أعداد المتعاملين العرب مع الأسواق المالية أعطى للتحليل الفني بُعداً اقتصادياً وثقافياً ملموساً وأصبح هناك قبولاً عاماً له كمنهج تحليلي فعال في الجامعات وفي شركات السمسرة ولدى المتداولين.

افتح لنفسِكَ بابَ التحليل الفني بالتعرف جيداً على مصطلحاته ومفاهيمه.

التحليلُ الفَنِّيّ

هل أشتري، اليَوم؟

كيف ستكون الأسعار غداً؟ الأسبوع المُقبل؟ العام القادم؟

ألَن يكون الاستثمارُ أسهلَ لو عرفنا إجاباتِ أسئلةٍ تبدو بسيطة كهذه؟

إن التحليل الفني لا يعطيك إجابةً (كاملةً ومُحَدَّدَةً) لهذه الأسئلة لكنه يُحَسِّن قراراتك الاستثمارية ويجعلها مدروسة!

لمحة تاريخية

التحليل الفني اسمٌ رَنَّان لِنَهْجٍ استثماريٍّ أساسيٍّ. أبسط تعريف له أنه دراسة الأسعار، بالاعتماد على الرسوم البيانية (الخرائط/الشارتات)، كأداةٍ أساسيَّةٍ.

ثبَتَ التحليل الفني المعاصر من نظرية داو التي صيغت من بدايات القرن العشرين وحتى ما بعد منتصفه (بعد وفاة تشارلز هـ. داو الذي وضع أُسُسَها!) (أبرز من ساهموا في صياغتها مِن بَعدِه هم وليَم هامِلتُن ورُبِرت رِيَّا وجورج شيفر ورِتشَرد رَسِل).

اعتقد داو أن السوق كَكُل كانت مقياساً مُعَبِّرَاً (وموثوقاً) عن ظروف بيئة الأعمال الفاعلة في الاقتصاد وأنه عبر تحليل السوق كلها يمكن للمرء أن يقيس هذه الظروف بدِقَّة وأن يُحَدِّدَ الاتجاهات الرئيسية لمسارات السوق وكذلك لمسارات الأسهم.

أثمَرَت هذه النظريةُ، مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر، مبادئَ مثل الطبيعة المَسارِيَّة للأسعار (The trending nature of Prices) والأسعار التي تَضَعُ في حُسبانِها كُلَّ المعلومات المتاحة (Prices discounts all known information) والتوكيد (Confirmation) والتباعد (Divergence) وأن حجمَ التداول يُعَبِّرُ عن التغيرِ السِّعريِّ والدعمِ والمقاومةِ ويوضحهم. وبالطبع فإن مؤشرَ داو جونز الصناعي (Dow Jones Industrial Average - DJIA) نتاجٌ مُبَكِّرٌ لهذه النظرية.

لا يمكن إغفال قيمة إسهامات تشارلز داو في التحليل الفني المعاصر لأن تركيزه على أساسيات الحركة السعرية لأي ورقة مالية أظهرَ طريقةً جديدةً تماماً (حينئذٍ) لتحليل الأسواق.

العامل البشري 

يُشَكِّلُ سِعرَ أيِّ ورقةٍ ماليةٍ إجماعاً! إنه السعر الذي يوافق عنده شخصٌ ما على الشراءِ ويوافق شخصٌ آخر على البيع. يعتمد السعر الذي يرغبُ عِندَهُ مستثمرٌ في الشراء أو البيع، في المقام الأول، على التوقعات فإذا كان يتوقع أن يرتفعَ سعرُ الورقة المالية فَسَيَشتَرِيها وإذا كان يتوقع تراجع سعرها فَسَيَبيعها. هذه الجُمَل البسيطة هي السبب في تَحَدٍّ كبيرٍ في توقع أسعار الأوراق المالية، لأنها تتعلق بتوقعات البشر. كما نعلم جميعاً بشكلٍ فطريٍّ، البشر ليسوا قابلين للقياس والكَمِّيِّ ولا يمكن التنبؤ بما سيفعلونه. تكفي هذه الحقيقة وحدها لمنع أي نظام تداول مُمَيكَن من العمل باتِّساقٍ مُستَمِرٍ.

ولأن البشرَ مُنخَرطون في عملية الاستثمار، فمن المؤكد أن كثير من قرارات الاستثمار المُتَّخَذَة في العالم مبنيةٌ على معايير غير ذات صِلَة، فعلاقاتنا مع عائلاتنا وجيراننا وأصحاب أعمالنا والمرور ودخلنا الشهري ونجاحاتنا وإخفاقاتنا الاستثمارية السابقة وكذا الحالة الوجدانية، كل ذلك يؤثر على ثقتنا وتوقعاتنا وقراراتنا. 

تَتَحَدَّد أسعار أي ورقة مالية من قِبَل مديري الأموال والتجار ورجال الأعمال والموظفين والرياضيين والأطباء والمهندسين والمحامين والأثرياء والمحتاجين، إلى آخر القائمة التي لا تنتهي، على السواء. يضمن هذا الاتساع من المشاركين في السوق عنصراً من عدم القدرة على التنبؤ والإثارة.

التحليلُ المالِيُّ

إذا كان تفكيرنا بالغ المنطقية وكنا نستطيع فصل مشاعرنا عن قراراتنا الاستثمارية فإن التحليل المالي - تحديد السعر بناءً على الإيرادات المستقبلية - سيعمل بشكلٍ رائع. ونظراً لأن لدينا جميعاً نفس التوقعات بالغة المنطقية، فلن تتغير الأسعار إلا عند إصدار تقارير ربع سنوية مثلاً أو أخبار ذات صلة. يسعى المستثمرون وراء بيانات أساسية "جَرَى تَجاهُلها"، بحثاً عن أوراق مالية أقل من قيمتها.

تَنُصُّ " نظرية السوق الكفؤة/الفعالة - Efficient market theory " المثيرةُ للجدل على أن سعر الورقة المالية يُمَثِّلُ كل ما هو معروف عن تلك الورقة عند لَحظَةٍ معينة. تَخلُص هذه النظرية إلى أنه من المستحيل توقع الأسعار، لأن الأسعار تعكس بالفعل كل ما هو معروف حالياً عن الورقة المالية.

يمكن استشفاف المستقبل عبر التَّفَكُّر في الماضي

نظراً لكون الأسعار مبنية على توقعات المستثمرين، أصبح معرفة سبب بيع ورقةٍ ماليةٍ ما (التحليل الأساسي) أقلَّ أهمية من معرفة ما يتوقعه المستثمرون الآخرون عن بيعها. لا يعني هذا أن معرفة سبب بيع أي ورقة مالية ليس هاماً، بَل هام. عادةً ما يكون هناك إجماعٌ لا بأس به على إيرادات الأسهم المستقبلية، لا يستطيع المستثمر العادي تفنيده. 

"أعتقدُ أن المستقبلَ هو الماضي مُكَرَّرَاً، لكنه دُخِلَ من بوابةٍ أخرى !"، السير آرثر وينج بينيرو 1893.

التحليل الفني هو عملية تحليل الأسعار التاريخية للأوراق المالية في محاولة لتحديد الأسعار المستقبلية المحتملة. يجري ذلك عن طريق مقارنة حركة السعر الحالية (أي التوقعات الحالية) مع حركة السعر التاريخية المماثلة، للتنبؤ بنتيجة معقولة. قد يُعَرِّف الفنيُّ المخلصُ هذه العمليةَ على أنها حقيقة أن التاريخ يعيد نفسه، بينما يكتفي آخرون بالقَول أننا يجب أن نتعلم من الماضي.

يمكن فقط لأقلية من المحللين الفنيين تحديد الأسعار المستقبلية بشكل مُتَسِق ودقيق. ومع ذلك ، حتى إذا عَجَزتَ عن التنبؤ بالأسعار (بِدِقَّة)، يمكنك استخدام التحليل الفني لتقليل المخاطر باستمرار وتحسين أرباحك.  خلافا للاعتقاد الشائع ، لا تحتاج إلى معرفة سعر الأوراق المالية في المستقبل لكسب المال. يجب أن يكون هدفك ببساطة تحسين احتمالات القيام بصفقات مربحة. حتى إذا كان تحليلك بسيطًا مثل تحديد اتجاهات الورقة المالية على المدى الطويل والمتوسط ​​والقصير ، فستكون قد اكتسبت أفضلية لن تكون لديك بدون التحليل الفني.

خذ بعين الاعتبار الرسم البياني لسهم ميرك في الشكل،  حيث من الواضح أن الاتجاه هبوطي ولا توجد علامة انقلاب (Reversal sign). في حين أن الشركة قد يكون لها آفاق أرباح وأساسيات كبيرة ، إلا أنه من غير المنطقي شراء الأوراق المالية حتى تَظهَر بعض الأدلة الفنية في السعر الدَّالَّة على أن ذلك الاتجاه يتغير.

التداول الآلي

إذا قبلنا حقيقة أن العواطف والتوقعات البشرية تلعب دورًا في تسعير الأوراق المالية ​​، فينبغي علينا أيضًا الإقرار بأن عواطفنا تلعب دوراً في صنع قراراتنا. يحاول العديد من المستثمرين إزالة عواطفهم من استثمارهم عبر استخدام الحواسيب لاتخاذ قراراتهم.

يمكن أن تساعدنا أنظمة التداول المُمَيكَنَة في إزالة عواطفنا من قراراتنا. الاختبار والتجريب بالحاسوب مفيد أيضاً لتحديد ما حدث تاريخياً في ظل ظروف مختلفة ولمساعدتنا على تحسين تقنيات التداول لدينا. ومع ذلك، نظراً لأننا نحلل موضوعاً أقلَّ من منطقيّ (العواطف والتوقعات البشرية)، يجب أن نكون حذرين من أن أنظمتنا الميكانيكية لا تضللنا إلى حد التفكير في أننا نحلل كيانًا منطقياً.

هذا لا يعني أن أجهزة الكمبيوتر ليست أدوات تحليل فني رائعة - فهي لا غنى عنها. مَهَّدَت برامجُ التحليل الفني الساحةَ ​​للمستثمر العادي أكثر من أي حدثٍ آخر غيرَ تنظيميّ.  الحذر الحذر، من السماح لبرامج التداول بخداعك إلى حد الاعتقاد بأن الأسواقَ منطقيةٌ ويمكنُ التنبؤ بها مثل الكمبيوتر الذي تستخدمه لتحليلها.

المقال هو الأول في سلسلة ترجمة لكتاب ( Technical Analysis from A to Z ) لستيفن أكيليس، (بتصرف يسير). والباقي تباعاً بإذن الله.

ترجمة م. أحمد صلاح عبد العزيز 

مترجم كتب:

1. " براعة الشموع اليابانية في تحليل الخرائط البيانية "، ستيف نيسون.

2. " التحليل الفني مُيَسَّراً"، جون ميرفي.

3. " المنبعُ الدَّفــَّاق في عِلمِ  التحليل الفنيِّ للأسواق "، تشارلز كِركباترِك وجولي دولكويست.

بقلم الكاتب


مهندس قوى كهربية، أعمل في مجال الأوراق المالية منذ 20 عاماً. كُتُبِي: 1.براعة الشموع اليابانية في تحليل الخرائط البيانية. 2.التحليل الفني مُيَسَّراً . 3.المَنبَعُ الدَّفـَّاق في عِلمِ التَّحليل الفني للأسواق"

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مهندس قوى كهربية، أعمل في مجال الأوراق المالية منذ 20 عاماً. كُتُبِي: 1.براعة الشموع اليابانية في تحليل الخرائط البيانية. 2.التحليل الفني مُيَسَّراً . 3.المَنبَعُ الدَّفـَّاق في عِلمِ التَّحليل الفني للأسواق"