التحليل الفني للأسواق المالية وأهميّته

التحليل الفني، كلمتان تستحضران العديد من الصور للذهن. قد يخطر ببالك الصورة الشائعة عن المحلل الفنيّ الذي ينفرد بنفسه في غرفة لا نوافذ لها، ويمشي منهك القُوَى على أكوام من خرائطه التي رسمها بيديه لأسعار الأسهم. وقد يخطر ببالك الخرائط -المعقدة التلوين المرسومة بالحواسيب- الخاصّة بأسهمك المفضلة التي رأيتها مؤخرًا، ربما ستبدأ الأحلام تتقافز إلى ذهنك، أحلامك عن الأموال التي تستطيع تحصيلها إذا ما توصلت للأسرار الخاصّة بالتنبؤ بأسعار الأسهم، وربما ستتخيّل نفسك جالسًا تستمع إلى أستاذك الجامعي في حصته عن علوم المال وهو يشير إلى أن التحليل الفني هو مـَضيـَعة للوقت.

إذا كنتَ حديثَ عهدٍ بالتحليل الفني فربما خامَرَ عقلك هذا السؤال: ما هو التحليل الفني؟

أبسط تعريف للتحليل الفني أنه دراسةٌ لبيانات السوق القديمة –خاصّةً السعر وحجم التداول– ثم الارتكاز على ما أنتجَته تلك الدراسة من معلومات لصناعة قرارات استثمارية أو حتى قرارات خاصّة بعمليات المضارَبة. التحليل الفني يضرب بجذوره في النظرية الاقتصادية الأساسيّة. تعالوا بنا نتأمل الافتراضات الأساسية التي طرحها رُبــِرت دي. إدوَردز وجون ماجي في الكتاب النموذجي " التحليل الفني لمسارات الأسهم ":

1. تتحدّد أسعار الأسهم بالاعتماد -فقط- على التفاعل بين العرض والطلب.
2. تميلُ أسعار الأسهم للتحرّك في مسارات.
3. التغيّر في قوى العرض والطلب يسبب تغيّر اتجاه مسارات الأسعار.
4. يُمكننا اكتشاف التغيّر في قوى العرض والطلب، عبر الخرائط البيانية.
5. تميلُ أنماط الخرائط لتكرار نفسها.

يدرس المحللون الفنيون حركة السوق نفسها وليس حركة البضاعة التي تتداولها السوق.

يؤمن المحلل الفني أن "السوق دائمًا على حقّ".

يُمكننا صياغة الجملة السابقة كما يَأتي: بدلًا من محاولة تَأَمُّل كل العوامل التي قد تؤثّر في الطلب على منتجات شركةٍ ما ودراسة كل البنود التي ستؤثّر على تكاليف منتج هذه الشركة وعلى منحنى الطلب على منتجاتها، للحصول على نظرة مستقبلية لأسعار الأسهم، فإن المحلل الفني يؤمن أن كل تلك العوامل يكون قد تم إسقاطها فعليًا على منحنيات العرض والطلب، وبالتالي على سعر سهم الشركة.

يُمكن استخدام التحليل الفني بطريقتين متخصصتين: الأولى هي الطريقة التنبؤيـِّة والثانية هي الطريقة التفاعلية، أما الذين يستخدمون التحليل الفني لأغراض التنبؤ فإنهم يستخدمون التحليل للقيام بتوقعات عن حركات السوق المستقبلية، هؤلاء الأفراد يربحون أموالهم في العادة من بيع توقعاتهم للآخرين، تضم هذه الفئة كـتّاب رسائل السوق -سواءً المطبوعة أو على الشبكة العنكبوتية - والمرشدين الفنيين للسوق الذين تتكرّر أسماؤهم كثيرًا في أخبار الاقتصاد. إن فئة المحللين الفنيين المتنبئين تضمّ الأسماء الأكثر شهرة في المجال، فهؤلاء الأفراد يفضلون الشهرة لكونها تساعد على تسويق خدماتهم.

في المقابل، الذين يستخدمون التحليل الفني التفاعلي غالبًا لا يتمتعون بأيّ قسطٍ من الشهرة.

لكي يتوصل المضاربون والمستثمرون إلى قرارات فإنهم يستخدمون تقنيات التحليل الفنيّ للتفاعل مع التفاصيل المتغيّرة لأوضاع السوق.

على سبيل المثال، يُمكن لمضارب أن يستخدم تقاطع متوسطين متحركين لكي يحصل على إشارة شراء أيّ أنه يراقب السوق ولا يتفاعل معها إلا حين تتحقّق شروط فنيّة معينة، هؤلاء المضاربون والمستثمرون يحصدون المال عن طريق القيام ببعض عمليات البيع والشراء الرابحة سواءً لحسابهم الشخصي أو لصالح عملائهم، بعض هؤلاء ربما يرى أن الشهرة تُشتّت انتباهه عن عمله الأساسيّ، ألا وهو الربح.

بدأ الاهتمام بالتحليل الفني في الولايات المتّحدة قبل ما يزيد عن الأعوام المائة حين بدأ تشارلز هـ. داو في كتابة صحيفته الإخبارية المتخصصة التي تحولت فيما بعد إلى صحيفة "دفتر يوميات وول ستريت" -أو وول ستريت جورنال كما نعرفها- وقام حينها بابتكار مؤشرات داو المختلفة لقياس سوق الأسهم. منذ ذلك الحين كُتِبَ الكثير والكثير عن التحليل الفني. واليوم هناك دَورِيَّات كاملة مخصصة للتحليل الفني ومنها التحليل الفني للأسهم والسِّلـَع (Technical Analysis of Stock and Commodities) ودفتر يوميات التحليل الفني (Journal of Technical Analysis). إضافةً إلى ذلك، هناك العديد من المقالات التي تظهر في المطبوعات الأخرى كالمجلات الأكاديمية كما أن هناك عددًا لا بأس به من الكتب الممتازة عن السوق. من الفهرس الكبير لأسماء الكتب في نهاية الكتاب، ومع استحالة حصر كل الكتب التي طبعت في المجال، يتضح وجود كمية ضخمة من الكتب التي تتناول التحليل الفني.

كثيرون من المحللين الفنيين تعلموا كيف يضاربون من مُعَلــِّميهم الناصحين لهم الذين عَمِلوا معهم، إلا أن الكثيرين أيضًا ممَّن يهتمون بدراسة التحليل الفني اليوم لم يَتـَسنَّ لهم الالتقاء بمًعَلـِّمِين من هذه النوعية. إضافةً إلى ذلك أدى تطور المهنة إلى ابتكار العديد من التقنيات الجديدة. كانت نِتاج ذلك أن ظهرت تقنيات وطرق التحليل الفني كما لو كانت خليطًا من أدوات وأفكار وحتى من موروثات شعبية أكثر من كونها جزءًا من أحد فروع المعرفة.


أهمية التحليل الفني..

أهميّة التحليل الفني خماسية الأوجُه..

أولًا: في حين يعطينا التحليل الأساسي مقياسًا لأوضاع العرض والطلب أو لمكرّر الربحية (الثمن/العائد) أو الإحصاءات الاقتصادية إلى آخر تلك المعطيات، ليس هناك وجود للعامل النفسي في هذا التحليل. حيث إن الأسواق تتأثّر في بعض الأحيان بشكل كبير بعواطف المتعاملين. أوقية عواطف ولا رطل حقائق! قال جون مانيارد كينز:

 ليس هناك أكثر كارثية من سياسة استثمارية منطقية في عالم لا مَنطِقي! *.

التحليل الفني يعطينا الآلية الوحيدة لقياس العنصر اللا مَنطقي (العاطفي) في كل الأسواق.

إليكم هذه القصّة الشيقة التي تبين مدى تأثير العامل النفسي في الأسواق، مقتبسة من كتاب "The New Gatsbys"** وقد حدثت في بورصة شيكاغو.

كانت أسعار فول الصويا في مستويات عالية، فقد كان الجفاف قد ضرب حزام زراعة فول الصويا في ولاية إلينوي ولو لم ينتهِ هذا الجفاف سريعًا فسيحدث نقصٌ شديدٌ في فول الصويا وفجأة.. انزلقت قطرات قليلة من الماء على سطح إحدى النوافذ.. انظر.. صرخ أحدهم.. "مَطـَر". وحينها تعلقت أنظار خمسمائة شخصٍ بالنوافذ الكبيرة... ثم يزداد المطر شيئًا فشيئًا لينهمر بعد ذلك انهمارًا، لقد أمطرت في مدينة شيكاغو.

توالت حينها صرخات البيع والشراء من شفاه المتعاملين مع صَخَبٍ ضاهَى هَزيمَ الرعدِ بالخارج. وبدأ سعر فول الصويا في التحرّك لأسفل ببطء ثم انهار سعر فول الصويا بنفس قوة بعض أنواع الحمى الاستوائية.

صحيحٌ أن المطر كان ينهمر بشدّة في شيكاغو، لكن فول الصويا لا يُزرَع في شيكاغو! وفي قلب حزام فول الصويا على بعد حوالي ثلاثمائة ميل جنوب شيكاغو كانت السّماء صافية والشّمس ساطعة والجو جاف! لكن حتى ولو لم يكن هناك مطر في حقول فول الصويا لكنه كان هناك.. في عقول المتعاملين! وهذا هو المهم. بالنسبة للسوق لا شيء يهم إلا لو تجاوبت معه السوق.

تـُلعَب اللعبة بالعقل..  والعواطف!

لكي نعود لنقطة أهميّة علم النفس الجماعي، فكّر فيما يحدث حين تستبدل طعامًا أو ملبسًا بقطعة من الورق تسمّى "نقود"؟ لماذا أصبحت تلك الورقة - عديمة القيمة الذاتية - بديلًا لأشياء ملموسة؟

لوجود النفسية المشتركة لطرفي العملية، فالكل مقتنع أن عملية التبديل هذه مقبولة لذا.. فهي مقبولة!

حينما تتلاشى هذه النفسية المشتركة عندما يتوقف الناس عن الاقتناع بقيمة النقود– فستكون النقود بلا قيمة!

ثانيًا: المحللين الفنيين أيضًا جزء مهم من التجارة المنظمة، إن وجود نظام يقلل أثر اللعنة التي تطارد كل المتعاملين المُسَمَّاة.. العاطفة!

بمجرّد دخول أموالك للسوق تتولّى العاطفة القيادة وتصبح العقلانية والموضوعية بالكاد ركاب مسافرين!

إذا كنت تشكّ في ذلك جَرِّب التجارة الافتراضية ثم جرب التجارة بأموالك ستكتشف بسرعة أن أشكال الشد العصبيّ والتوقع والقلق مثبطة لإنتاجيتك بشكل كبير وتُغير تمامًا الطريقة التي ترى بها السوق وتتاجر بها، وهي تفعل ذلك غالبًا بالتناسب طرديًا مع حجم أموال التي في السوق، يمكن للمحللين الفنيين إعادة وضع الموضوعية على عجلة القيادة فهم يضعون آلية لتحديد نقاط الدخول والخروج ووضع نسب المخاطرة إلى الربح ووضع مستويات للخروج من السوق كليًا، باستخدامك لتلك الآليات فإنك تضع لتجارتك طريقة لإدارة الأموال والمخاطر.

كما هو ملموس في النقاش السابق فإن المحللين الفنيين يساهمون في جعل الأسواق أكثر موضوعية.

لكنها وللأسف طبيعة بشرية... أن نرى السوق كما نريد أن نراها، لا كما هو حالها! 

كم من المرّات يحدث التالي؟ أن يقوم أحدهم بعملية شراء وبمجرّد شرائه تنهار السوق؟ هل سيوقف خسائره؟ غالبًا لا، رغم عدم وجود مكان للأمل في السوق ستجده يحاول قدر استطاعته التقاط كل الأخبار التي يشعر معها بالتفاؤل لكي يحافظ على الأمل الذي يداعبه أن تتحول السوق مرّة أخرى لمصلحته. وفي نفس الوقت تستمر الأسعار في الهبوط فربما كانت السوق تحاول إخباره بشيءٍ ما، فالأسواق تتخاطب معنا. ونستطيع مشاهدة هذه الرسائل عن طريق فنيات التحليل، هذا التاجر الذي اشترى نراه أغلق عينيه وأذنيه عن تلقي الرسائل المرسلة من السوق.

لو خطا خطوة للخلف وراقب حركة الأسعار بموضوعية لأحسّ بالسوق بشكل أفضل، ماذا إذا أطلِقـَت قصّة محفزة لدفع السوق لأعلى ورغم ذلك لم تتحرّك السوق لأعلى، بل ربما تراجعت؟ هذا النوع من حركة الأسعار يعطينا زخمًا من المعلومات عن نفسية السوق وكيف للمرء أن يتاجر فيها.

أعتقد أن المضارب المشهور جيسي ليفرمور هو من أطلق فكرة أن المرء يستطيع أن يرى الشكل بشكل أفضل إذا ما كان ينظر من مسافة أبعد. فنيّات التحليل الفني تجعلنا نخطو للخلف لنحصل على صورة مختلفة وربما أوضح عن السوق.

ثالثًا: إن الفنيّات التّالية مهمّة حتى ولو لم تكن مقتنعًا بأهميتها لأنه في بعض الأحيان تكون الفنيـَّات هي السبب الرئيس في تحرّك السوق، وبما أن الفنيـَّات من عوامل تحرّك السوق فيجب وضعها تحت المراقبة.

رابعًا: نظرية السير العشوائي للأسواق تفترض أن أسعار السوق في يوم ما ليس لها أيّ أثر على السوق في اليوم التّالي، لكن هذا التناول النظري يهمل عاملًا مهمًا وهو البشر. فالناس يتذكرون الأسعار من يوم لليوم الذي يليه ويتصرّفون بناءً على ذلك. للحَقّ فإن ردود أفعال البشر تؤثّر على الأسعار والأسعار أيضًا تؤثّر على ردود أفعال البشر! هكذا نجد أن السعر نفسه عامل مهمّ في تحليل السوق. أولئك الذين يحطون من قدر التحليل الفني ينسون هذه النقطة الأخيرة.

خامسًا: وأخيرًا! إن حركة السعر هي أسهل الطرق المستخدمة وأكثرها صراحة في رؤية علاقات العرض والطلب الإجمالية. ربما كان هناك أخبار أساسية غير معروفة لعامة المتعاملين لكن يمكنك ملاحظتها من حركة الأسعار. أولئك الذين لديهم معرفة سابقة بالحركة التي ستقوم بها سوق ما، سيقومون غالبًا بالبيع أو الشراء حتى تعكس الأسعار الحالية تلك المعلومات، هذه المعرفة في بعض الأحيان بالتبعية يمكن أن تسقط من الاعتبار حينما يقع الحدث، إذن يجب أن تعكس الأسعار الحالية كل المعلومات المتاحة سواء تلك المعروفة للعامّة أو من قبل طائفة مختارة.

--------------------------------------

آدم سميث "لعبة المال" نيويورك – منزل عشوائي 1986 – ص 154

بوب تاماركين "The New Gatsbys" شيكاغو – إلينوي – 1985 – ص 122 – 123

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.