التحقق من المخطوطة : المفهوم والخبرة اللازمة

المخطوطة: اسم موضوع الخط ويستخدم في المصطلحات العلمية لكل كتاب أو وثيقة مكتوبة بخط اليد.

 

والتحقيق: مصدر الفعل حقق وأصله الحق.

 

 قال ابن فارس: الحاء والقاف أصل واحد، وهو يدل على إحكام الشيء وصحته. فالحق نقيض الباطل، ثم يرجع كل فرع إليه بجودة الاستخراج وحسن التلفيق.

 

وفي مختار الصحاح: تحقق عنده الخبر صح، وظنه تحقيقاً: أي صدقه. وكلام محقق: أي رصين.

 

في اصطلاح العلماء يطلق التحقيق على معنيين أساسيين:

 

أحدها: إيضاح الحقيقة في المسائل الخلافية بدليلها.

 

المعنى الآخر: ضبط كتاب المخطوطة وإخراجها بالصورة التي يرغب مؤلفها أو أقربها إليها.

 

وغالبا ما يميز هذا المعنى عن الذي يسبقه بجمعه، ويقال: التحقق بخط اليد.

 

يكاد يكون هذا المفهوم مقبولًا من قبل المحققين، رغم اختلافهم في وسائله وأساليبه. في ضوء ذلك يمكننا تقييم الجهود المبذولة للتحقيق في المخطوطات، ومعرفة مدى أداء المحقق لواجبه، ويتضح الفرق بين التحقيق والشرح والتعليق.

 

من يطلع على المخطوطات التي تم التحقق منها يرى أن المحقق قد يخشى أنه لا يحتاج إلى الاستدلال من كلام المؤلف، أو إضافة أقوال أخرى إلى ما ذكره، وكدليل لهم، وهلم جرا. هذا لا يخلو من مزاياه، ولكن يمكن أن يصرف انتباهه عما يعلق على مهمة المحقق، وهذا ضروري له، مثل التحقق من اسم الكتاب المدروس، واسم مؤلفه، وصحة الكتاب. نسبته إلى المؤلف وتعديل نصه والتحقق من اكتماله وتوثيق ما يحتويه من مصادره.

 

ويتفق المحققون بالإجماع تقريبًا على أن هدفه الرئيسي هو إنتاج الكتاب بالشكل الذي قصده مؤلفه، أو أقرب ما يمكن إليه، حتى يستمتع القراء به. لا يمكن للجميع رؤية كتاب المخطوطة، حيث يتم حفظه في خزائن المكتبات، ويتطلب الوصول إليه جهدا كبيرا، وتوجد العديد من المخطوطات العربية خارج الوطن العربي.، وأولئك الذين يحتفظون بها في كثير من الأحيان لا يعرفون اللغة العربية، وربما كانوا ينظرون إلى المخطوطة على أنها قيمة تراثية فقط. ينظرون أيضًا إلى سفينة قديمة أو أداة قديمة للحرب أو الصيد أو الزراعة. وهم لا يعرفون أهمية ما بداخل العلم. مهمتهم الحفاظ عليها كما هي، ومن أجل ذلك لا يسمحون بالوصول إليها إلا بقيود كثيرة، يعرفها الراغبون في التحقيق في حكايات التراث الإسلامي، حتى لو أمكنهم التساهل في عرضها. 

 

بالإضافة إلى أن المخطوطة بطبيعتها ليست سهلة القراءة لطلاب المعرفة، حيث يختلف الخط القديم عن الخط الحديث. إذا كان القراء بشكل عام قد تمكنوا من الوصول إليه، فلن يتمكنوا من الاستمتاع به في هذه الحالة، ولكن ربما قاموا بتحريف النص وتغيير معناه. لذلك كان لابد من إنتاجه ونشره وفق قواعد التحرير المعمول بها اليوم من أجل الحصول على الميزة.

 

إن صناعة المخطوطات فن عظيم ظهر في أيدي أولئك الذين عملوا في علم الحديث ورواية القصص بين علماء المسلمين الأوائل الذين حددوا العديد من خصائص منهجها وأدبها، وتطورت بعد ظهور المطبعة وتنوعت مناهجها وعمل معها المستشرقون فقاموا بدراسة عدد كبير من الكتب العربية في مختلف العلوم وحين جاءت المطابع بالنسبة للعالم العربي، بدأ باحثوهم في التحقيق في الكتب التراثية، وظهرت خصائص نهج عربي في الاستطلاع على أيدي رواد هذا الفن، مثل الأساتذة عبد السلام هارون، وأحمد شاكر، محمد فؤاد عبد الباقي، صلاح الدين المنجد، رمضان عبد التواب، وغيرهم.

 

في المملكة العربية السعودية، لم ينتشر التحقيق على نطاق واسع، إلا بعد فتح الدراسات العليا في الجامعات، حيث شجعت الأقسام العلمية على تسجيل الرسائل العلمية في مسح للكتب التراثية، حتى يقبل الطلاب بإقبال كبير، ونجحت العديد من كتب التراث في مختلف العلوم، وقد يكون بعض الطلاب غير مؤهل للقيام بهذا العمل الدقيق، و ربما بضعة أحرف لا علاقة لها بالاستبيان باستثناء الاسم الذي ظهر، مما دفع بعض أقسام العلوم إلى التوقف عن تسجيل الرسائل في الاستبيان المكتوب بخط اليد. كما قامت بعض دور النشر في العالم الإسلامي بنشر العديد من الكتب تجارياً، وتكتفي بنسخة أو نسختين من المخطوطة الأصلية، بحيث خرجت بعض الكتب غير مكتملة أو مليئة بالتصحيحات والتشويه.

 

صنع المخطوطات عمل يتطلب مهارات متعددة وقدرات علمية كبيرة، وإذا دخل شخص ليس لديه تلك المهارات فإنه يفسد الكتاب الذي يريد تأليفه أو يقلل من فائدته، و يحرف بعض جمله، وقد ينسب إلى المؤلف آراء لم يقلها، أو يضيف إليها ما ليس منه، أو جعلها ناقصة حتى لو كان حاضرا بشكل كامل. نسخ أخرى. لقد رأيت الإشارة في هذا الموضوع إلى أهم الشروط التي يجب أن يستوفيها المحقق، وهناك خمسة شروط:

 

الشرط الأول: الخبرة في قراءة الخط العربي القديم: يحدث هذا فقط إذا تم فحص المخطوطات باستمرار، ومعرفة الخطوط العربية المختلفة، بما في ذلك النسخ، والرقعة، والثلثي، إلخ. وهي تتطور وتتغير، حيث تختلف الكتابة في القرن الأول الهجري عن القرنين الرابع والخامس، وبالتالي يمكن للخبير معرفة الخط في أي قرن كتبه بمقارنته بمخطوطات ذلك الزمن.

 

إن الجهل بأسلوب الكتابة يدفع العامل إلى التحقيق في أخطاء جسيمة للغاية والتشويه والكلام الفاسد، وربما على هذا الأساس خطأ المؤلف واتهامه بما هو خطأ. لم يفعل. وقد يعلق بعضهم على ما يعتقدون أنه خطأ ويخرج عن قصد المؤلف لخطأ في النسخة لم يتمكنوا من تصحيحه.

 

بسبب جهل القليل جدًا من المعلومات - أي حقيقة أن القاف في الخط المغربي مكتوب بنقطة أعلاه، مثل المقلد في الخط الشرقي - لقد قرأت هناك سنوات مقال لكاتب كبير لديه عمود يومي في جريدة شهيرة ينتقد وزارة الشئون الإسلامية لخطأ كلمة (القرآن) على غلاف القرآن. تم نشره من قبل مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وهي النسخة المغربية المكتوبة بخط اليد، حيث وجد القاف في وقت ما، فظن أنه خطأ.

 

من المعروف أن معظم المخطوطات القديمة لا تهتم بأن يغرب نساخها الحروف، أو يكتب الهمزة، أو يشعرون بنهاية الخطاب أو ارتباطه. وهذا يستدعي من المحقق أن يدير كلامه بكل الاحتمالات للوصول إلى الكلمة التي أرادها المؤلف، وهذا يتفق مع السياق الذي وُجد فيه.

 

أيضًا، قد يسقط الناسخ سطرًا واحدًا أو أكثر نتيجة لتغيير الاعتبار، أي أن هناك كلمة معينة في أكثر من سطر واحد من الصفحة، وإذا حدث ذلك في البداية يتخطى إلى الثاني أو الثالث، ثم يتجاهل سطرًا كاملاً، وقد يتغاضى عن البعض بسبب التحول في الاعتبار لعدة أسطر، وقد يترك حتى صفحة مخطوطة كاملة إذا كانت المخطوطة طويلة وإذا لم يتم نسخها على التوالي.

 

عندما يهمل الناسخ كلمة أو أكثر ويكتشف الشذوذ، فإنه يكملها في الهامش الأيمن أو الأيسر بعد الإشارة إلى موضعها، بخط ينبثق من موقع السقوط، ويتجه إلى حيث كان. انتقل إلى يمين الصفحة أو يسارها، حسب القرب. قد يتجاهل بعض العاملين في الاستطلاع هذا الوعي، معتقدين أنه تعليق للقارئ المتأخر، خاصة عندما يمكن فهم الكلام بدونه.

 

ويمكن للناسخ أن يكرر جملة أو أكثر، ثم يضطر إلى ضربها، وأحيانًا لا يكتب الكتابة، ولكنه يكتب حرف "لا" قبل وبعد الحرف "هـ"، ثم من يعمل على تدقيق يأتي الكتاب ولا يلتفت إلى هذا وهذا الكلام المحذوف مثبت وربما التعليق عليه.

 

كما أن المخطوطة يتم تسليمها باليد، ويمكن لبعض من قرأها التعليق على كلمة، ومن يعمل على التحقيق فيها يعتقد أنها من أصل الكتاب، ثم يضيفها إلى كتابه، عن طريق إفساد المعنى أو جعل كلمات المؤلف تتعارض مع ما قاله في مكان آخر.

 

ومن مواضع الإشكال في المخطوطات الاختصار، فكثيراً ما يكتفي الناسخ عن الكلمة بحرف مثل الاكتفاء بحرف "ح" عن "حينئذ " والاكتفاء عن "رضي الله عنه"، ب "رض" أو "ض" وعن الأصل بـ"ص" وعن الشرح بـ"ش". وهذا يحتاج إلى خبرة في مصطلحات النساخ .

 

الشرط الثاني: معرفة موضوع الكتاب المراد الوصول إليه ومعرفة تحدياته. وهذا يفرض على المحقق القيام بأشياء أهمها:

 

أ) معرفة مواضيع الكتاب وقضاياه، من حيث الاتفاق والخلاف، للتمييز بين المتفقين والمعارضين.

 

ب) معرفة مصادر كتاب المحقق حتى يتمكن من الرجوع إليه في حالة الشك، للتحقق من نسبة كلام العالم، أو إقامة الدليل أو نفيه، أو وجود خطأ في المخطوطة عند الاستشهاد بالمصدر، أو تحريف كلمة، فهذا يساعده على معرفة الرموز التي يمكن أن يجدها في الكتاب، ولا ندري ما تعنيه، لأن كل مذهب له أعرافها ورموزها من خلال الرجوع إلى علماء الفقه الذين عملوا على شرح كتب الفقه أو وضع الهوامش عليها.

 

ج) معرفة عمل الأعمال الأخرى في الفن نفسه أو في غيره، لأن المؤلفين عمومًا لديهم نفس الأسلوب في كتبهم، وطريقتهم في تحديد المشكلات واستنتاجها قريبة، وذلك يساعد المحقق على تصحيح جملة، وتصحيح عيب، وحل مشكلة، وما إلى ذلك.

 

د) جمع جميع نسخ كتاب المخطوطة - إن أمكن - وهذا يسمح للمحقق باختيار النسخ الأولى باختياره، كما يسمح له أو لها باكتشاف الفشل بسهولة ومعرفة مصدر الزيادة إذا كان كذلك. توجد في بعض النسخ دون بعضها، ومعرفة صحتها عند الشك في التصميم.

 

مما لا شك فيه أن اختيار نسخ معينة كمبادئ معتمدة في الاستطلاع له نهج محدد سيتم مناقشته بإذن الله في عدد لاحق.

 

الشرط الثالث: الأمانة العلمية. إذا فقد الشخص الخاضع للتحقيق الثقة، فلا يتم إخباره بأصل الكتاب، بدءًا من وصفه وتحديد تاريخ كتابته، وانتهاءً باختيار الأصل والشرح. خصائصه؛ لعدم الثقة في مقابلته مع النسخ المكتوبة وإثبات الفروق، لذلك قد يواجه مشاكل كبيرة في قراءة النص، ثم تجاوزه بإثبات ما فعله المؤلف. لم يقل هربا من معاناة البحث والتساؤل والمراجعة. لذلك، يجب أن يكون هذا المطلب حاضرًا في ذهن الناشر والقارئ. بالإضافة إلى ذلك، فإن المحررين - إذا لم يكن المحقق معروفًا بصدقهم - يجب ألا يكتفوا بالنص المطبوع ويطلبوا من المحقق إحضار نسخ من النسخ المكتوبة بخط اليد عند إعادة الكتاب للتحكيم والمراجعة. للنشر.

 

الشرط الرابع: التواضع وعدم إغراء الباحث بقدراته، والمعرفة والمعرفة التي اكتسبها. التواضع يمنعه من ارتكاب الخطأ ويدفعه لاتهام نفسه قبل اتهام المؤلف أو الناسخ بالذنب. وإذا فقد الشخص الذي يعمل في التحقيق هذا الشرط، فإن التفكير الجيد بما لديه من المعرفة يدفعه إلى احتقار ما لدى الآخرين، ثم يقع في جهل مشترك، سيظهر تأثيره. في وظيفته.

 

الشرط الخامس: الصبر. وقراءة النص المكتوب، وتلبية نسخه، ومحاولة فهمه وحل المشكلات التي يحتويها، يستغرق الكثير من الوقت والمراجعة، ويسأل المختصين قبل الحكم على النص بالخطأ، أو الجرأة. يحرره بدقة، ومن لا يصبر عليه، وقد يكون مسامحا أو يمل من كثرة القراءات والاعتبارات المتكررة، وقد يسارع إلى تصحيح النص وتصحيحه بعد طباعته، بحيث يمكن أن يحدث العديد من الأخطاء التي تؤثر على التحكم في النص.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية