التحرر من العبودية

سبحان من وهبنا نعمة العقل فَميز البشر بعضها عن بعض، فرفع الغني بعلمه ودينه، وحَطَ من شأن الآخرين بإرادتهم، في كوننا نرى الكثير من التُبَع مطأطئي الرؤوس لغيرهم، وكأن أفواههم سُدت وأيديهم بالأغلالِ شُدَت.

مذلولين لشياطين أنفسهم وأهوائهم، كالعبيد! لكن هم من اختاروا هذا لأنفسهم، هم ليسوا بخدمٍ ولا حَشم، لا بنواطير ولا بحرسٍ هم الناس الذين غَلَفوا عقولهم عن التفكير.

معنى آخر للحرية

هم الناس الذين أُصيبت قلوبهم بمرض، فأصبح عيشهم عيشًا سدى، يعيشون كَخيالات لأجسادهم، غمسوا في الدرك الأسفل من الجهل، المعلوم أن لكل عصر جاهليته، والآن نحن جمعنا جاهلية كل العصور. 

إنني أرى للتحرر معنى آخر، التحرر لا يكون فقط بالاستقلال وكسر القيود السياسية والاجتماعية، فهناك استقلال نفسي ووجداني، حيث وحدك من الممكن أن يقودك، وتكون المتربع على عرش مملكتك.

أرى أن تحرر الإنسان الفكري والثقافي يكون باتجاه القرب من الله وتطبيق تعاليم الإسلام، فكلما ازددت تقرباً من الخالق ستحرر من عبودية المغريات التي تضعها الحياة أمام عينيك فتصبح ترى الشيء اليسير منها.

وقائعنا اليوم لا تَسُر، أُصيب المسلمون في عصر الظلام بهزائم نفسية منها تقليد الغرب، والتغني بأفكارهم المُضِلة المُضلِلة، كل ذلك في إشارة إلى الانسلاخ عن فطرة الإسلام والاستخفاف به.

التقليد يبعدنا عن الغايات الأساسية التي خلقنا لأجلها، فالتقليد الأعمى كالخمر يُذهب العقل، ويشوه الفكر فتصبح أعمالك ما هي إلا ترجمة لأفكار غيرك وتصرفاتك غير مُدرَكة كالذي يتخبطه الشيطان من المَس، فنصبح كنتائج عمليات استنساخ لطبائع الآخرين. 

ستجد أيضاً على منصة جوك التواصل.. وأثره اللغة ووسائل الاتصال الاجتماعي

كيف تصبح عبداً؟

تلك تقلد زي الأخريات لتماثلهن فأصبحت عَبدة لأفكارهن، وذاك التاجر والبائع يُقسمُ كذبًا ويغش ليجمع ثروة فأصبح عبداً للمال، وذاك المجتمع يتفنن في تمجيد المجتمع الآخر فأصبح عبدًا لعاداته وتقاليده، وكل ذلك يحدث بدون فهم ولا وعي ولا حساب لما يحدث، وما الآثار المترتبة على ما سيحدث.

فأولئك الفئة الضالة أغرتهم كثرة الهالكين وقلة السالكين، وتراهم سجداً رُكعاً للشهوات يبتغون فضلًا من الناس لا من الإله، أترى كم نحن مستَعبَدون؟ لكن مِمَّن؟ نعم من أنفسنا، إننا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، تهلكة عبودية الذات، إننا نظلم أنفسنا ونزهق أرواحنا بتمليكها لغيرنا.

قال تعالى: "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا". في هذه الآية نُهِيَ الرسول والمسلمين عن طاعة من شُغِل قلبه بالكفر، واتبع هواه، وترك اتباع أمر الله ونَهيِه، وآثر هوى نفسه على طاعة ربه، وإن اتباع من كان أمره فُرطًا يُعد ضياعاً وهلاكاً.

فبالرغم من أن الله أتم دينه إلا أن الناس يعاملونه بالنقص، وبالرغم من أن المولى رفعهم وقدرهم إلا أنهم راغبون بالسقوط في هاوية فقدان الذات والانبهار بتخلف الغير، إن طاعتك للإنسان السفيه ستضر بعقلك وقلبك أشد ضرر.

فأنت منساق كالغنم في قطيعه، أو كالبقرة الذلول فاقع لونها فقط تسر الناظرين لكنها عقيمة الفائدة، لذلك يجب ألا نكون أقراناً لشياطين الإنس، مغلقين أذاننا عن وسوسات أفكارهم وألاعيبهم، يجب علينا أن نتحرر من أسر الناس فينا، فالعبيد تحرروا بالتمرد، ألا يتحرر العقل بالتَزَوُّد؟

ستجد أيضاً على منصة جوك سجن الفكرة| متى تصير الأفكار قيوداً؟ 

 

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة