يستهدف التجديد في التربية مختلف أبعاد الفعل التربوي. يختاره المدرّس في فصله لتمكين المتعلمين من آليات تطوير مكتسباتهم في مستوى التمشيات و في مستوى النواتج الموجهة للفعل التربوي. كما يمكن أن تقترحه هيئات علمية كنتيجة لبحوث فعل أثبتت نجاعة طريقة بيداغوجية أو بينّت فاعلية منوال تدريس أسهم في تحسين الكفايات المعرفية أو المهارية أو المنهجية للمتعلمين. و في كلّ الحالات يدخل التجديد على الميدان التربوي حركية تقطع مع الروتين و تؤهل المتعلمين إلى التأقلم مع المتغيرات التي قد تطرأ على السير العادي للحياة الاجتماعية.
و من العوامل التي تتحكّم في التجديد يمكن أن نذكر، العوامل الداخلية و العوامل الخارجية غير أننا سنركز في هذا المقال على العوامل الداخلية نظرا لتأثيرها القوي على فعل التجديد:
تشمل العوامل الداخليّة للتجديد في مجال التربية و التعليم ما هو شخصي بالنسبة للمدرس في حدّ ذاته حيث نجد من المدرّسين من هم مولعين بالتجريب في ممارساتهم التربوية و يتوقون دوما إلى البحث و التجديد، لكن تبقى ممارساتهم معزولة لا تتجاوز حدود الفصل مما يجعلهم ينفرون من الاجتهادات و يعودون إلى الروتين خاصة في حالة عدم تثمين إنتاجاتهم التجديدية.
كما تشمل العوامل الداخلية العلاقات داخل المؤسسات التربوية التي تؤثر في المردود العام للمدرسين و اتجاهاتهم نحو التجديد. فكلما كانت العلاقات داخل المدرسة متنافرة كلما كان عمل المدرس يستهدف الضروري دون التجاوز نحو التجديد، و كلما كانت العلاقات بين المدرسين أكثر تشبيكا كلما تحسّنت مهاراتهم المهنية و توسّعت مجالات الإبداع لديهم و إقبالهم على التجديد و التنافس في إنتاج طرق بيداغوجية أكثر فاعلية و أحسن مردوديّة.
و التجديد يتأثر بالتكوين الحاصل لدى المدرّس و مدى قدرته على تمهين ممارساته البيداغوجية و التكوين هنا يجب أن يشمل التكوين المخصص للمدرّس قبل الدخول إلى المهنة و أثناء مزاولته للتدريس و التكوّن الذاتي. و في هذه الحالة يقبل المدرّس على التجديد كضرورة يفرضها اقتناع المدرّس بمزايا التجديد و انعكاساته على مستقبل التلاميذ و على الحياة الاجتماعية بصفة عامّة.
التجديد في مجال التربية يستوجب بعض الظروف الملائمة مثل نوعية الحياة المدرسية و قدرة المدارس على توفير ما يلزم من اللوجستيك المساعد على التجديد، و التسامح مع المجدّدين حتى يكونوا أكثر حرية و استقلالية، و تميز المجددين بثقافة التآزر و روح المبادرة و قدرتهم على اتخاذ القرارات، و توفير الوسائل الضرورية للتجديد.
و حتى لا يبقى التجديد عند حدود الفصل، ينبغي رسملة التجارب الناجحة و تعميمها بعد التأكد من نجاعتها و إعطاء الحرية للمجددين ليطبقوا ما توصّلوا إليه و ما برهنت البحوث الميدانية على مدى صحة نواتجها. ثم لابدّ من تبنى مختلف التجديدات من قبل سلطة الإشراف و تشجيع أصحابها و تعميمها على مختلف بقية المؤسسات التربوية لتصبح طرق عمل ملزمة لمختلف الفاعلين.
و بهذه الطريقة يتحوّل التجديد من مجرّد اختيار فردي إلى ضرورة ملحة تستوجبها التربية لمجابهة التغييرات التي قد تطرأ على المنظومة التربوية أو على المجتمع بأكمله. و يتخذ بعدا جماعيّا تعاونيا في مستوى التصور و الإنجاز و التقييم و يصبح التجديد ضمن مقتضيات الفعل التربوي.
بقلم د نورالدين السعداوي
شكرا على الاهتمام و المتابعة و النشر...
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.