التجارة مع الله لأن دوام الحال من المحال

 

في يومٍ من الأيام وأثناء إحدى جلسات جدتي مع قريباتها وجاراتها وكانت كل واحدة تحكي قصّة مؤثّرة مرّت بها، وخلال ذلك سمعت قصّة جارة لها تقول.. لقد كنتُ متزوجة رجلًا غاية في البخل، وليس عنده لا قلب ولا ذرة رحمة، فقد كان تاجر قماشٍ كبير جدًا وعنده عددًا من المتاجر، وقد كان يتّصف بالبخل مع الجميع، ويضع القرش على القرش ليصبح مبلغًا وقدره، ولكنه لم يكن بخيلًا مع نفسه فقط...

وفي يومٍ من ذات الأيام، حيثُ كنّا نجلس لتناول وجبة الغداء وسمعنا طرقات هيّنة على الباب، فقال لي اذهبي لتشاهدي من بالباب.. فذهبت وفتحت وجدت شخصًا شكله بسيط جدًا وغلبان واتّضح إنه شحات، وطلب شيئًا لله لأنه جوعان جدًا ولم يأكل أيّ شيء منذ الصباح الباكر، فدخلت لزوجي وأخبرته بموضوع الشحات، وإنه يريد أيّ طعام ليأكله أو أيّ شيء لله لأن مظهره معدم جدًا ومحتاج.

رد عليّا زوجي وقال: قولي له أن ينصرف فنحن ليس لدينا شيء لنعطيه له، فطلعت للشحات وأخبرته بما قاله زوجي وأنا في قمّة الخجل والأسف، فقال لي: "أرجوك أيّ شيء أيّ لقمة أنا في شدّة الجوع والضعف"، فدخلت ثانية لزوجي وجدته ممسكًا بالدجاجة وبقطّعها ويلتهمها فقلت له مستعطفه: "الشحات بقول إنه واهن وجعان جدًا وإنه عاوز أيّ شيء ليأكله، ممكن حتى أن نقطع له الجناح فقط فالدجاجة كبيرة جدًا وأيضًا نضع له قليلًا من الأرز حتى يسدّ جوعه وحرام فقد شم رائحة الأكل"، فنهرني زوجي وصرخ فيّ وقال: "اطلعي وأخبريه يمشي فورًا بدلًا من أن أخرج فأبهدله وأهزقه"، فحزنت وخرجت لكي أخبره وأنا مجبرة على ذلك فلم أجده، فقد سمع زوجي وانصرف من تلقاء نفسه.

وبعد مرور الأيام والشهور فوجئنا بحريقٍ كبير يلتهم متاجر زوجي ويصبح على الحديدة، ولم يعُد معنا أيّ شيء يُذكر، بل ما زاد الطين بلة أن الديون تراكمت عليه أيضًا، والحياة أصبحت شديدة الصعوبة وأنا أتحمّل معه كل ذلك، حتى جاء يوم عاد للبيت وقال لي فجأة: "أنت طالق"، فقلت له لماذا؟! ماذا أنا فعلت؟! فقال لي: "أنا لا أقدر على مصاريفك ولا أكلك"، فقلت له: "والله سوف يفرجها الله بس الصبر قليلًا واتركها على المولى سبحانه وتعالى"، فقال: "إذا كان أنا لا أجد حتى ثمن أكلي.. تفضلي اذهبي لبيت أهلك، أنا سوف أبيع هذا المنزل لكي أسدّد ديوني بدلًا من السجن"، وقتها حزنتُ جدًا وجمعتُ ملابسي في شنطة ورحلت لبيت أهلي ودموعي تملأ خدي، ولكن من كرم ربنا أنه بعدها بفترة ليست كبيرة عوّضني برجلٍ خلوق وطيّب وحنيّن، تزوجني وعاملني بما يرضي الله.

ومرّت الأيام وفي يوم من ذات الأيام طرق بابنا شحات فذهبت لزوجي وأخبرته فقال لي عودي إليه واعطيه من خير الله... خير ربنا كثير علينا ويفيض.. أعطي له فلوسًا وطعامًا وراضيه، فعلًا أعطيت له فلوسًا وأكلًا حتى اكتفى وشكرنا وانصرف، وعندما عدتُ لزوجي وجد على خدي دموعًا لم أقدر على مداراتها، فسألني متعجبًا "ماذا بكِ؟!! على ما تبكين؟!!

فقلت له: هل تعلم من الشحات الذي كان بالباب؟!! فقال لي "من"؟! فقلت له "هذا زوجي السابق". فوجدته يبتسم يمسح دموعي ويخبرني "ياااه هذه الدنيا غريبة جدًا جدًا، اللي أنت لا تعلميه إن أنا الشحات الذي جاء يومًا وطرق بابكم، وزوجك لم يرضَ أن يعطيني أيّ شيء، ولكنني توسمت فيك الخير والطّيبة ولم أرضَ أن أقول لكِ ما عرفته وسمعته من أهل المنطقة عمّا فعله زوجك معك، وعرفت أيضًا أنك امرأة أصيلة وجدعة، وكنتِ واقفةً بجواره لآخر لحظة حتى غدر بكِ، وهذا ما جعلني عندما وقفت على قدمي ثانية أقدم على التقدّم لكِ وأتزوّجك لأنك من معدنٍ نفيس وأصيل ولا يوجد مثلك كثيرات، ويجب علينا جميعًا أن نتحسب ليومٍ عظيم ونتصدّق ونتيقن بأن دوام الحال من المحال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Jun 30, 2022 - يسر الحاج منور محمد
Jun 29, 2022 - مهند ياسر ديب
Jun 29, 2022 - كاميليا عبدلي
Jun 29, 2022 - هالفي سام ميلاي
Jun 29, 2022 - رهام زياذ مشة
Jun 29, 2022 - بن عريشة عبد القادر
Jun 28, 2022 - شهد سراج
Jun 28, 2022 - زهرة فاطمة ملك
Jun 28, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 24, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
Jun 24, 2022 - رامي النور احمد
Jun 22, 2022 - سنا الصالح
Jun 21, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 21, 2022 - ابراهيم فتح الرحمن محمد عبدالله
Jun 21, 2022 - محمدي امنية
Jun 19, 2022 - يوسف محمود يوسف
Jun 19, 2022 - رامي النور احمد
Jun 19, 2022 - فطوم آلنعيمي
Jun 18, 2022 - زينب علاء نايف
Jun 16, 2022 - ياسمين صحراوي
Jun 15, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 15, 2022 - رمضان بوشارب الجزائري
Jun 15, 2022 - احمد حمدان شاهين
Jun 14, 2022 - رامي النور احمد
Jun 14, 2022 - فادي محمد كناوس
Jun 13, 2022 - أشرف الأمين مبارك محمد
Jun 10, 2022 - احمد تناح
Jun 10, 2022 - Anood Shurrab
Jun 10, 2022 - هاجر ادبراهيم
Jun 10, 2022 - وجيه نور الدين محمد شرف
Jun 8, 2022 - محمد مصطفى
Jun 2, 2022 - هاني ميلاد مامي
May 30, 2022 - فاطمة الزهرة العماري
May 29, 2022 - علي صالح طمبل
May 29, 2022 - معاذ فيصل اسماعيل يعقوب حكمي
May 29, 2022 - أحمد الطلفاح
May 29, 2022 - لحظة هدوء
May 28, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - أحمد أبوزيد
May 26, 2022 - ندا علي
May 26, 2022 - مهاب البارودي
May 25, 2022 - رحمة مصعب الغزال
May 24, 2022 - شيماء عوض محمد
May 23, 2022 - على محمد احمد
May 22, 2022 - أحمد أبوزيد
May 22, 2022 - ديانا جمال عبود
May 21, 2022 - مريم حمادة
May 21, 2022 - محروس خميس السعداوي
May 20, 2022 - سماعين محمد الأمين
May 18, 2022 - طلعت مصطفى مصطفى العواد
May 16, 2022 - علاء جادالله الخمري
May 13, 2022 - مهاب البارودي
Apr 29, 2022 - احمد حمدان شاهين
Apr 15, 2022 - رايا بهاء الدين البيك
Apr 8, 2022 - أميرة المكي
Apr 8, 2022 - سادين عمار يوسف
Mar 28, 2022 - نورا محمد
Mar 28, 2022 - هاجر ادبراهيم
Mar 28, 2022 - أيمن حسين
Mar 16, 2022 - يوهان ليبيرت
Mar 16, 2022 - يوهان ليبيرت
Mar 16, 2022 - يوهان ليبيرت
Mar 15, 2022 - نور ادم حلمي
Mar 14, 2022 - طارق السيد متولى
Mar 7, 2022 - لانا محمد
Mar 6, 2022 - أحمد أبوبكر
Mar 6, 2022 - أحمد أبوبكر
Feb 27, 2022 - عوض شرار
Feb 26, 2022 - ذكريات الجيوسي
Feb 23, 2022 - أحمد سامى محمد الجمل
Feb 22, 2022 - ذكريات الجيوسي
نبذة عن الكاتب