التجارة في العصر البابلي القديم

لقد تميّز العراق من القدم بأهمية موقعه الجغرافي، وطبيعة أرضه ما أثّر في سير تاريخه وحضارته؛ فالعراق يقع في الجزء الجنوبي الغربي من قارة آسيا وملتقى القارات الثلاث؛ آسيا وإفريقيا وأوروبا.

وقد جعل هذا الموقع من العراق نقطة ارتكاز للتجارة الدولية في العصور القديمة ومكانًا لالتقاء التجار.

اقرأ أيضًا دبلوماسية الملك آسرحدون في حياته الإدارية

الحياة الاقتصادية في العراق

وأدّت التجارة دورًا مهمًا في الحياة الاقتصادية في العراق القديم من مرحلة مبكرة من تاريخه، فالدلائل المادية والمكتشفات الأثرية التي عثر عليها في مواقع عصور ما قبل التاريخ تؤكد أن بعض المواد كانت قد جُلبت بالتبادل التجاري من أمكنة بعيدة.

وارتبط نشوء الحضارة على أرض الرافدين من أقدم العصور بالتجارة حتى أصبحت تعرف بالحضارة التجارية، فضلًا عن وصفها بحضارة الزراعة والإرواء.

ودلّت الآثار المادية المكتشفة في المستوطنات الزراعية القديمة على ممارسة نوعين من التجارة؛ الأولى تتمثل بالتجارة ذات المسافات الطويلة وتسمى: التجارة الخارجية بدليل الكشف عن عدد من المواد الأثرية المصنوعة من مواد غير موجودة أصلًا في العراق كالأحجار الثمينة، وهي الدليل على نشوء المبادلات التجارية بين العراق والمناطق المجاورة.

أما النوع الثاني فيسمى بالتجارة الداخلية (المحلية)، ومن دراسات اقتصادية للمستوطنات الزراعية ومنتجاتها المتنوعة والفائضة يتوضح لنا نشوء هذا النوع وتطوره.

وكان لانهيار سلالة أور الثالثة ودخول القبائل الأمورية (المارتو) وسيطرتهم على الحكم السياسي أثّر في حصول تغيرات جذرية في مظاهر البنية الاقتصادية.

إذ تلاشى النظام الاقتصادي الذي كان يخضع في أصوله إلى سيادة المعبد، واختفت كثير من القيود التي كانت تحدد نشاط الأفراد، فلم تعد الأرض والماشية ملكًا للمعبد.

وقد كان العصر البابلي القديم بداية مولد مجتمع جديد تحرر فيه من القيود الاقتصادية السابقة، ومارس النشاط الخاص دوره المستقل عن القصر والمعبد.

وقد تغير النظام التجاري في العصر البابلي القديم، وبدأ الملوك يميلون إلى اتباع نظام التجارة الحرة، وعمل ذلك على إلغاء القيود التي أعاقت التجارة، وفسح الطريق للتجارة الفردية، وكان ذلك في عصر سلالة (لارسا) التي امتدت حدودها إلى مدينة (أور) على نطاق التجارة الداخلية والخارجية.

اقرأ أيضًا الحضارة البابلية وأعظم الشخصيات فيها

تطور التجارة الخارجية

وقد استمر القصر في العصر البابلي القديم في دوره التجاري، وكان للملك مستخدمون يتابعون ويشرفون على تجارة الممتلكات وقطعان الماشية والأغنام والأسماك.

ونمت ثروات بعض الأفراد، وتطورت كثيرًا حتى أصبحوا من كبار التجار، وتحولوا إلى طبقة رأسمالية متاجرين بأموالهم في البيع والشراء، وقد ذكر من هؤلاء (شيب-سين)، و(سين-موشال)؛ وهم من كبار تجار مدينة (أور)، وكذلك أسرة (بوشكين وانليل-باني) وهم من كبار تجار آشور.

وفي أواخر عهد الملك حمورابي وبداية حكم ابنه (سموايلونا) تغيرت التجارة الخارجية؛ لاختفاء دور الأسر الخاصة بمشروعات التجارة الخارجية، وعودة القصر للإشراف عليها، وأصبح التجار يؤدون وظيفتهم بموجب (تخويلات ملكية tuppi sarrim).

وربما هذا التطور يعزى إلى الأوضاع السياسية بعد أن وحّد حمورابي البلاد، وجعلها دولة مركزية واحدة واضعًا لها نظامًا تجاريًا كفئًا، وأصدر القوانين التي تُنمّي النظام بما يؤمّن المصلحة العامة.

ويظهر مما سبق أن تطور النظام التجاري قد ارتبط ارتباطًا كبيرًا بطبيعة التغير الاجتماعي الذي حدث في بداية العصر البابلي القديم.

وبتزايد تدفق الأقوام الأمورية وسيطرتها على الأوضاع السياسية وتنظيم الحياة الاقتصادية، وهذا ما تظهره القوانين في حرية المبادلات التجارية بمساندة السلطات الحكومية -من السلالات الحاكمة ثم الدولة المركزية- التي وفرت شروط نجاح العملية التجارية من تنظيم حركة التجارة وتأمين طرقها.

إن نشاط التجارة في العصر البابلي القديم لم يحصل فجأة، بل مرّ بمراحل عدة حتى وصل إلى درجة كبيرة من التطور في العصر البابلي القديم، وتؤكد ذلك العقود والوثائق الاقتصادية التي ضمّت جميع أنواع المعاملات التجارية.

اقرأ أيضًا ماذا تعرف عن "نبوخذ نصر".. أغنى رجل في بابل؟

بداية ظهور الأسواق

إن هذا التطور والتوسع في التجارة أدّى إلى تخصيص أمكنة لإجراء الفعاليات والأعمال التجارية فكانت الأسواق.

وقد ورد في اللغة السومرية بصيغة (KI.LAM) ويقابلها في اللغة الأكادية (mahiru(m)) بمعنى: سوق.

والسوق هو المكان أو المبنى الذي فيه تبادل السلع والخدمات، وهو من الناحية الاقتصادية «كل الأشخاص والمؤسسات الذين يجرون عمليات تبادل سلعة معينة، وهو بهذا المعنى قد يتضمن إقليمًا معينًا أو العالم كله».

وتعد الأسواق بؤرة النشاطات الاقتصادية في المدينة والقاعدة التي ارتكزت عليها الحركة التجارية، فيمارس الناس عمليات البيع والشراء، وتُحدد الأسعار استنادًا إلى قانون العرض والطلب، ويجتمع فيه الباعة والتجار والحرفيون فيعرضون ما لديهم من مواد ومنتجات.

وكانت توجد آراء مختلفة بين الباحثين في وجود الأسواق في العراق القديم، فذكر (Karl Polanyi) أن الاقتصاد في بلاد الرافدين لم يكن اقتصاد سوق، وهو الاقتصاد الذي تثبت فيه الأسعار استنادًا إلى العرض والطلب مباشرة، بل إن الأسعار أخذت شكل ما يقابلها، وأن السلطة هي من تثبتها.

ويضيف (بولاني) أنه لم يكن في المدن العراقية القديمة ساحات واسعة مفتوحة يمكننا أن نعدّها أسواقًا، ويؤيد هذا الرأي أيضًا الباحث (أوبنهايم).

وقد استند (بولياني) في رأيه هذا إلى مقارنة الاقتصاد البابلي بالاقتصاد الفارسي في العصر الإخميني، فلم يستخدم الفرس الأسواق غير أن الباحث (ساكز) يرد على أن (بولاني) قد أغفل الاختلافات الجوهرية بين التكوين الاجتماعي والاقتصادي للفرس الذين كانوا قبائل ترتحل في حين أن البابليين أهل حضارة تمتد جذورهم إلى أكثر من ألفي سنة.

وقد أثبتت التنقيبات الأثرية خلاف ما ذهب إليه (بولاني) و(أوبنهايم)، فقد كشفت عن ساحات واسعة داخل المدن تصلح لإقامة مهرجانات ضخمة، في حين كانت هناك ساحات محيطة بمداخل المدن تستخدم لتكون أمكنة للأسواق، كما يدعم وجود الأسواق ما جاء في ملحمة جلجامش البابلية، فقد تضمنت ما يأتي:

تعال أقدك إلى (أورك) ذات الأسواق.

إلى جلجامش، ملك أورك ذات الأسواق.

ولما دخل أورك ذات الأسواق الواسعة.

وثمة صيغ وعبارات وردت في النصوص المسمارية تؤيد وجود الأسواق إذ نقرأ منها:

inumi   PN   su-ub-ru-um istu ma-hi-ri<-im> useridanni؛ أي عندما PN جلب العبد إليّ من السوق.

kaspum ina ma-hi-ri-im Lassu؛ أي ما من فضة تربح في السوق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة