التثاقف الحضاري الفرثي الروماني

إن حضارة الدولة الفرثية لم تنشأ من فراغ، ولم تكن وليدة مدة وجيزة من الزمن، فالإمبراطورية الفرثية التي قامت في حدود سنة 247 ق.م

اقرأ ايضاً الحروب الفرثية الرومانية سنة 66م

حضارة الدولة الفرثية 

استمرت قرابة 5 قرون ما هي إلا امتداد للإمبراطورية الإخمينية، تلك الإمبراطورية التي ضمت تحت لوائها حضارات الشرق القديم، ومهدت السبيل لتحقيق النتائج الثقافية لفتوحات الإسكندر المقدوني، حتى إن الإسكندر نفسه قد اتخذ من إمبراطوريتهم نموذجًا يحذو حذوه في تكوين إمبراطوريته وتنظيمها.

فتاريخ الإسكندر ما هو إلا امتداد لتاريخ الإمبراطورية الإخمينية، والثقافة الهلنستية التي هي نتاج التقاء الحضارة اليونانية بحضارة الشرق القديم امتداد طبيعي لذلك التاريخ، وعندما ورث الفرثيون الإمبراطورية السلوقية فإنهم ورثوا عنها النظم الإدارية التي هي النظم ذاتها المعمول بها في العهد الإخميني، مع إضافة بعض التطورات البسيطة في الإدارة والوظائف اقتضتها ظروف التغيير.

اقرأ ايضاً الحروب الفرثية – الرومانية 191 – 199م ج2

الجانب الإداري والنظم الإدارية

لم يختلف النظام الإداري الفرثي عن النظام الإخميني، فقد كانت الإمبراطورية الفرثية مقسمة إلى ولايات مستقلة عددها 18 ولاية، 11 منها في القسم الشمالي، و7 في القسم الجنوبي يحكم كل منها ستراب Satrap أو بيدخش Bidhakhsh تابع إلى ملك الملوك المقيم في العاصمة طيسفون.

والولايات مقسمة إلى ستان أي مديريات، وتسمى في الوقت الحاضر محافظة، يحكم كل منها حاكم يسمى خشاثروبان أي حاكم المديرية، ويقوم مقامه في الوقت الحاضر المحافظ أو القائم مقام، والمديرية أو المحافظة تقسم إلى مناطق أصغر تسمى شهر أي كورة بمعنى بلوك أو قطاع في الوقت الحاضر، ولكل كورة منها عاصمة تسمى شهرستان، ويتولى حكمها أشخاص من طبقة المزارعين والفلاحين.

وكان لمعظم تلك الولايات كيان سياسي مستقل، فكان لحكامها سلطة مطلقة في الأمور العسكرية والمدنية، كما كانوا يقيمون بعض الاتصالات مع الدول المجاورة، ولذلك لم يجانب المؤرخون العرب الصواب حينما سموا هـذا العهد عهد ملوك الطوائف.

وبسبب ما كان يتمتعون به من نفوذ كبير فقد كان حكام تلك الولايات خطرًا على ملك الملوك، لا سيما إذا ما حاول أحدهم الاستقلال بولايته، أو إذا أراد أن يجعل وظيفته وراثية، وثورة أردشير بن بابك حاكم إقليم فارس خير مثال على ذلك.

ولذلك ومن أجل السيطرة على أولئك الحكام والحد من ثورتهم الاستقلالية، سار ملك الملوك الفرثي لا سيما الذين امتازوا بالقوة والحزم منهم على خطا الملك الإخميني كورش الأول في تنظيمه الإداري.

وذلك بتعيين قائد لجيوش الولاية يكون تابعًا للملك مباشرة ومستقلًا عن حاكم الولاية، كما أدى نظام الجاسوسية دوره في تلك السيطرة، فقد كان لملك الملوك موظفون خاصون يسمون عين الملك أو أذن الملك يرسلهم لتفتيش والتجسس على شؤون الولاية.

والذي مكَّن ملك الملوك الفرثي من زيادة سيطرته على أولئك الحكام نظام الطرق الملكية ومراكز البريد التي أوجدها الإخمينيون بين مراكز الأقاليم والعاصمة، وقد حرص الملوك الفرثيون على تزويد مراكز البريد بقدر كافٍ من الخيول السريعة.

وكان حملة البريد يوصلون الرسائل الصادرة من العاصمة إلى أقرب مركز بريد لها فيتسلمها حملة بريد غيرهم ويوصلونها إلى مركز البريد التالي، وهكذا كان حملة البريد في حركة دائمة ليلًا ونهارًا، إذ كانت أوامر الدولة تصل بسرعة إلى الأماكن الموجهة إليها.

وكان حكام الأقاليم يختارون من أمراء البيت المالك أو من العوائل السبع ذات المكانة والنفوذ.

وكانت سلطة هؤلاء الحكام مطلقة في أقاليمهم، فملك الملوك لا يتدخل في شؤونهم الداخلية ما داوموا يؤدون واجبهم إلى الحكومة المركزية، وتمثلت تلك الواجبات في دفع الضرائب الواجبة عليهم، وإعداد الجيوش في أوقات الحرب وإرسالهم إلى المكان الذي تحدده الحكومة المركزية.

وحكام تلك الأقاليم كانوا يلقبون بلقب شاه أي الملك، وهذا يعني أن لقب ملك لم يكن مقتصرًا على ملك الدولة، بل إن حكام الـ18 ولاية كان كل منهما يسمى ملك مثل كرمنشاه، مرو شاه، أرمينيا شاه وغير ذلك، ولذلك كان من حق الملك الفرثي أن يلقب نفسه شاهنشاه أي ملك الملوك.

ويعد الشاهنشاه أي ملك الملوك قمة النظام الإداري والسياسي في الدولة الفرثية، وكان من أفراد الطبقة العليا الأرستقراطية، والطبقة العليا في العهد الفرثي هم رؤساء القرى الذين يمتلكون الأراضي ويتوارثونها -أي الإقطاعيين-، وقد اشتهر من بين هؤلاء 7 عوائل تمتعت بالنفوذ والسلطة على رأسها العائلة الأرشاكية الفرثية.

اقرأ ايضاً حملة الإمبراطور تراجان على العراق

أساس الحكم الفرثي 

ولهذا فإن أساس الحكم الفرثي هو النظام الإقطاعي القائم على نفوذ العوائل الأرستقراطية، ومن أفراد هذه العوائل كان يتكون مجلس الشورى الذي يعد القوة الحقيقية في الدولة إذ كان له دور مهم في اختيار الملك، وهذا المجلس يشبه إلى حد ما مجلس السنات أو الشيوخ الروماني، الذي يحدد السلطات والامتيازات الملكية وحقوق الملك.

والى جانب هذا المجلس، كان يوجد مجلس آخر مهمته استشارية ويتألف من رجال الدين Magi وأهل الحكمة -أي أهل العلم والمعرفة- ومهمة هذا المجلس لا تتعدى المشورة، وبعد اختيار الملك يصادَق على ذلك الاختيار بحضور المجلسين، أي مجلس الشورى ومجلس رجال الدين وأهل الحكمة في جلسة مشتركة تسمى مجلس المغستان أو المهستان.

إن انتخاب واختيار الملك بهذه الطريقة يعني أن الملوك الفرثيين لم يكن لهم حكم مطلق، ولم يكن من الضروري أن يخلف الابن أباه، وأن طبقة النبلاء والعظماء الأرستقراطية الإقطاعية هم أساس قوة العرش الفرثي، فهم في الغالب الذين يعينون ويعزلون الملك، ولكن مع ذلك فإن سلطة الملك لم تكن محددة بالقوانين.

فكان بإمكانه إذا ما أتيحت له القوة أن يحكم بطريقة استبدادية، وأكثر ما كان يخشاه الملك هو منافسة أفراد أسرته له، ولذلك نجد أكثر الملوك الفرثيين كانوا قساة مع أقاربهم، وكان من يفقد عرشه على إثر تلك المنافسة يلتجئ إما إلى القبائل المتاخمة إلى جهة الشرق أو إلى الدولة الرومانية للحصول على المساعدة في استعادة عرشه.

ومن الامتيازات التي تمتع بها الملك الفرثي دون سواه حق لبس التاج المرصع بالجواهر، وحق الجلوس على عرش من ذهب، والنوم على سرير من ذهب، وقد وقع العرش الذهبي في العاصمة طيسفون بيد الإمبراطور الروماني تراجان سنة 116 م، وكان للملك الفرثي كما كان للملوك الإخمينيين غابات تربى فيها الأسود والدببة والنمور.

وكان الملك إذا ذهب للصيد يحيط نفسه بجماعة كبيرة من الحرس وحملة الحراب، وكان على من يقابل الملك أن يقدم له الهدايا، وكانت خزينة الملك وخزينة الدولة شيئًا واحدًا، فكانت الضريبة التي تدفعها الأقاليم التابعة تذهب إلى خزينة الملك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة